فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 2431

هذا وإن من أعظم الحوارات القرآنية التي ينبغي أن يتعلمها الأبناء في محاوراتهم مع آبائهم، وكذلك الدعاة مع مدعويهم ما ذكره الله تعالى بقوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ عَنْكَ شَيْئًا (42) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم: 41 - 48] .

فهذه الآيات تحمل في مجملها أدبًا جمًا، وخلقًا رفيعًا في تعامل الأبناء مع الآباء مهما كانوا مخالفين لهم، وحتى لو كانوا على طريق الكفر والعصيان، ولن يصل الآباء المسلمون اليوم إلى هذه الدرجة، ومع ذلك نجد الإباء والجفاء والنفور من الأبناء في تعاملهم مع آبائهم سواء أكانوا صالحين أم طالحين، اللهم إلا من رحم ربي، نسأل الله تعالى الهداية والرشاد لأبنائنا وجميع أبناء المسلمين، اللهم آمين.

ومن آيات القسم الثاني: التي عرضت لمحاجة إبراهيم مع قومه:

قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 51] .

إلى أن قال سبحانه: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} [الأنبياء: 69 - 70] .

فهذه الآيات تصور مشهدًا من مشاهد قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام ومحاوراته مع قومه، وتحمل في طياتها كثيرًا من الجوانب العظيمة والتربوية في الحوار الهادف، حيث إن إبراهيم عليه السلام خاطب قومه بلغة الحوار الهادئ، وسألهم عن حقيقة هذه التماثيل التي يعبدونها من دون الله تعالى قائلًا:

« {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] .

والعكوف: عبارة عن اللزوم والاستمرار على الشيء، والمراد: ما هذه الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها؟

{قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 53] .

أجابوه بهذا الجواب الذي هو العصا التي يتوكأ عليها كل عاجز، والحبل الذي يتشبث به كل غريق، وهو التمسك بمجرد تقليد الآباء، أي: وجدنا آباءنا يعبدونها فعبدناها اقتداء بهم ومشيًا على طريقتهم، وهكذا يجيب كل المقلدة.

وأجابهم الخليل عليه السلام بقوله: لقد كنتم أنتم وآباؤكم في خسران واضح ظاهر لا يخفى على أحد ولا يلتبس على ذي عقل، فإن قوم إبراهيم عبدوا الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، وليس بعد هذا الضلال ضلال، ولا يساوي هذا الخسران خسران، ثم لما سمع أولئك مقالة الخليل قالوا: {أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} [الأنبياء: 55] ؟

أي: أجاد أنت فيما تقول أم أنت لاعب مازح؟ فقال مضربًا عما بنوا عليه مقالتهم من التقليد: بل ربكم رب السماوات والأرض الذي خلقهن وأبدعهن، وأنا على ذلكم الذي ذكرته لكم من الشاهدين العالمين به المبرهنين عليه.

فجاء إبراهيم حين أتوا به فاستفهموه: هل فعل ذلك لإقامة الحجة عليه في زعمهم، {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63] .

أي: قال إبراهيم مقيمًا للحجة عليهم، مبكتا لهم: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} ، مشيرًا إلى الصنم الذي تركه، ولم يكسره، فسألوهم إن كانوا ممن يمكنه النطق، ويقدر على الكلام، ويفهم ما يقال له، فيجيب عنه بما يطابقه، أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم، ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة، ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله.

فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة؛ لأنهم إذا قالوا: إنهم لا ينطقون، قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق، ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه؟

وذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته، وقيل: أراد إبراهيم عليه السلام بنسبة الفعل إلى ذلك الكبير من الأصنام أنه فعل ذلك؛ لأنه غار وغضب من أن يعبد وتعبد الصغار معه، إرشادًا لهم إلى أن عبادة هذه الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تدفع، لا تستحسن في العقل مع وجود خالقها وخالقهم.

ثم قالوا بعد أن نكسوا مخاطبين لإبراهيم: لقد علمت أن النطق ليس من شأن هذه الأصنام.

فقال إبراهيم مبكتًا لهم، ومزريًا عليهم: {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ} [الأنبياء: 66] .

بنوع من أنواع الضرر، ثم تضجر عليه السلام منهم، فقال: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء: 67] .

وفي هذا تحقير لهم ولمعبوداتهم، والتأفف: صوت يدل على التضجر، أليس لكم عقول تتفكرون بها، فتعلمون هذا الصنع القبيح الذي صنعتموه ... » 69.

وهكذا حاور سيدنا إبراهيم عليه السلام قومه، لكنهم قد تمكنت الوثنية منهم، فلم يجد الحوار معهم نفعًا، ولم يفدهم شيئًا، ولم يكن عندهم من مكافأة لنبيهم بعد كل هذه الحوارات الهادئة الهادفة إلا إضرام النار له، وإلقاؤه فيها، ولكن الله تعالى لم يتركه وحده، ونجاه من مؤامرتهم، فأمر النار فكانت بردًا وسلامًا.

ثالثًا: محاورات موسى عليه السلام مع قومه:

من المعلوم أن قوم موسى عليه السلام كانوا أصحاب جدال ومراء، ونفوس أبية، تأبى أن تنصاع للحق بيسر وسهولة وسرعة، ولقد ذكر القرآن لهم أكثر من موقف يدلل على هذه الطبيعة المتمردة.

ومن هذه المواقف: انتهازهم فرصة غياب موسى عليه السلام مدة مواعدة ربه لتلقي التوارة، فاستضعفوا أخاه هارون عليه السلام وقام السامري بجمع حليهم وصنع لهم منه عجلًا جسدًا، يصدر صوتًا إذا مر فيه الهواء، ولما رجع موسى عليه السلام ورأى ما حدث غضب غضبًا شديدًا لما حدث، وقام بإهلاك العجل، ودعاهم محاورًا إياهم، ومجددًا ما اندرس من أمر التوحيد لديهم، وإلى عبادة الله الواحد الأحد.

وهذا ما ذكره القرآن في أكثر من موطن 70، وسيكون التعليق على مجملها.

ومن هذه المواطن: ماذكره الله تعالى بقوله: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 83 - 98] .

ففي هذه الآيات الكريمة يتجلى الحوار البناء في أبهى صوره، وتبين لنا الآيات مدى بلاهة بني إسرائيل في عبادتهم العجل، «وهذا من بلادتهم، وسخافة عقولهم، حيث رأوا هذا الغريب الذي صار له خوار، بعد أن كان جمادًا، فظنوه إله الأرض والسماوات، أفلا يرون أن العجل لا يتكلم ويراجعهم ويراجعونه، ولا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا، فالعادم للكمال والكلام والفعال لا يستحق أن يعبد وهو أنقص من عابديه، فإنهم يتكلمون ويقدرون على بعض الأشياء من النفع والدفع بإقدار الله لهم» 71.

ولم تقتصر سخافة عقول بني إسرائيل على هذا الموقف فقط، بل إنهم عادوا إلى الوثنية، وطلبوها من نبيهم صراحة، في موقف لا يمكن لعقول الفطناء أن يذهلوا فيه عن صاحب الفضل، ومولي النعم سبحانه وتعالى، فبعد أن أنجاهم الله تعالى من عدوهم فرعون، ومروا على وثنيين طلبوا من موسى عليه السلام مباشرة أن يجعل لهم إلهًا يتعبدون له مثل هؤلاء، ولا زالت أقدامهم ملطخة بالطين مبتلة من أثر إنجاء الله لهم من عدوهم الألد ...

ذكر القرآن ذلك في قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 138 - 140] .

وسبحان الله العظيم، بهذه السرعة جحد بنو إسرائيل نعمة المنعم سبحانه، فما هي إلا لحظات والعدو كان يطاردهم، فإذا بهم يطلبون آلهة غير الذي نجاهم، وأنقذهم بعد الموت المحقق، ولا غرو في ذلك، فهذه هي طبيعة بني إسرائيل المتمردة، وهذه هي عادتهم مع أنبيائهم، الأمر الذي حدا ببعض المفسرين أن يقول: إن الغرض من سياق ذلك «أن يعلم حال الإنسان، وأنه كما وصف ظلوم كفار، جهول كنود 72، إلا من عصمه الله، وكذلك لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة» 73.

أقول: أما الأول فنعم، وأما الثاني فلا، وذلك لأن السورة الكريمة مكية 74، ومعنى هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن قد رأى من يهود المدينة شيئًا؛ لأنه لم يكن قد هاجر إليها بعد، اللهم إلا إذا عني بالماضي: الاستقبال، فيحمل قوله: «مما رأى» على «مما سيرى» ، والله أعلم.

والظاهر من مقالة بني إسرائيل لموسى عليه السلام: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} أنهم استحسنوا ما رأوه من آلهة أولئك القوم، فأرادوا أن يكون ذلك في شرع موسى عليه السلام، وفي جملة ما يتقرب به إلى الله تعالى، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى عليه السلام: اجعل لنا صنمًا نفرده بالعبادة، ونكفر بربك، فعرفهم موسى عليه السلام أن هذا جهل منهم، إذ سألوا أمرًا حرامًا فيه الإشراك في العبادة، ومن ثم يتطرق بهم إلى إفراد الأصنام بالعبادة والكفر بالله عز وجل 75.

لكن من يعلم طبيعة بني إسرائيل المتمردة لا يستبعد صدور مثل هذا القول منهم؛ لذلك رد موسى عليه السلام قولهم هذا في أفواههم على الفور، راميًا إياهم بالجهل، فقال يخاطبهم: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} «فهذا وصف لهم بالجهل على أتم وجه، حيث لم يذكر له متعلقًا ولا مفعولًا؛ لتنزيله منزلة اللازم، أو لأن حذفه يدل على عمومه، أي: «تجهلون كل شيء» فيدخل فيه الجهل بالربوبية بالطريق الأولى، وأكد ذلك بـ «إن» في «إنكم» وتوسيط «قوم» وجعل ما هو المقصود بالإخبار وصفًا له وهو «تجهلون» ليكون كالمتحقق المعلوم» 76.

هذا ولقد تحاور موسى عليه السلام وعلل ما نهاهم عنه بقوله: {إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ} أي: «إن هؤلاء العاكفين على هذه الأصنام، الله مهلكٌ ما هم فيه من العمل ومفسده، بإثابته إياهم عليه العذاب المهين، {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} من عبادتهم إياها فمضمحل؛ لأنه غير نافعهم عند مجيء أمر الله وحلوله بساحتهم، ولا دافعٌ عنهم بأس الله إذا نزل بهم، ولا منقذهم من عذابه إذا عذبهم في القيامة، فهو في معنى ما لم يكن» 77.

ومن البدهي أن هذا السؤال لم يكن قد صدر من بني إسرائيل جميعهم، بل من بعضهم «وإنما نسب إلى الجميع لموافقة بعضهم بعضًا في ذلك، فكأنه قد صدر من جميعهم» 78. والله تعالى أعلى وأعلم.

من القواعد المقررة أن «التخلية مقدمة على التحلية» والقرآن الكريم سلك مع المشركين هذه الطريقة، فقدم ما يبين حقيقة معبوداتهم، وأنها لا تملك أي وسيلة من وسائل الإدراك أو النفع أو دفع الضر عن نفسها، فضلًا عن عابديها، فكيف يعبدونها من دون الله تعالى؟! ثم دعاهم إلى عبادته وتوحيده سبحانه.

والبحث هنا سيوضح هذه القضية من خلال ما يلي:

أولًا: نفي العقل والنطق والسمع والبصر عنها:

نفى القرآن العقل صراحة عن الآلهة التي عبدها المشركون من دون الله، ونفي العقل عنها هو بيت القصيد، والأصل لما بعده؛ إذ ما فائدة السمع والبصر والنطق من غير العقل؟!

فهو وحده كافٍ في نفي ألوهية هذه الأوثان، وفي ذلك يقول الله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ} [الزمر: 43] .

وهنا «يقول تعالى ذاما المشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد، التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان، وهي لا تملك شيئا من الأمر، بل وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالًا من الحيوان بكثير» 79.

ونفى القرآن عن الأوثان أيضًا السمع والبصر والنطق ... ومن ثم فلم يكن لديها أي سبب من أسباب العبادة، فعلام يعكف هؤلاء الوثنيون على عبادتها ودعائها من دون الله تعالى؟!

ولقد مر بنا آنفًا في محاورة إبراهيم عليه السلام مع أبيه ما وصف به الأوثان مخاطبًا إياه في قوله تعالى: {يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 42] .

وكذلك ما ورد في قوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} إلى أن قال سبحانه: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [الأعراف: 197 - 198] .

والمراد: قل للمشركين يا رسول الله: وإن تدعوا الذين تدعون من دون الله إلى الهدى لا يسمعوا، والهدى على هذا الوجه ما فيه رشد ونفع للمدعو، وذكر {إِلَى الْهُدَى} لتحقيق عدم سماع الأصنام، وعدم إدراكها؛ لأن عدم سماع دعوة ما ينفع لا يكون إلا لعدم الإدراك.

ولهذا خولف بين قوله هنا: {لَا يَسْمَعُوا} وقوله في الآية السابقة: {لَا يَتَّبِعُوكُمْ} [الأعراف: 193] .

لأن الأصنام لا يتأتى منها الاتباع؛ إذ لا يتأتى منها المشي الحقيقي ولا المجازي، أي: الامتثال» 80.

ثانيًا: عدم قدرتها على دفع الضر أو جلب النفع:

أكثر القرآن الكريم هذا الوصف بالنسبة للأوثان، حتى أربت مواطن الحديث عن هذا الوصف على عشرة مواطن، وتنوعت فيها الأساليب، فمنها: ما ورد بصيغة الخبر، مثل قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] .

وقوله تعالى: {يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج: 12 - 13] .

ومنها: ما ورد بصيغة النفي، مثل قوله تعالى: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [طه: 89] .

وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان: 3] .

ومنها: ما ورد بصيغة النهي، مثل قوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106] .

أما ما ورد بصيغة السؤال فكثير، ومنه قوله تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة: 76] ... وغيرها من الآيات.

ويلحظ على هذه الآيات جميعًا عدة أمور:

أولها: تفيد الآيات كلها صراحة عدم قدرة الأوثان على دفع الضر عن نفسها، فضلًا عن عابديها.

ثانيها: يلحظ في بعضها تقديم نفي الضر على النفع، والبعض الآخر العكس، وإنما يقدم الضر على النفع؛ لأن التحرز عن الضر أهم من تحري النفع 81، أو هو من قبيل درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، أو التخلية قبل التحلية.

وإنما قدم النفع على الضر في آيات؛ لأن جلب النفع محبب إلى النفس ومرغوب، والله أعلم.

ثالثها: تنوع الصيغ في بيان هذه الصفة للدلالة على كمال الإقناع وإقامة الحجة، فمن لم يقتنع بالأسلوب الخبري نفعه أسلوب النفي أو النهي أو السؤال ... وقلبنا أساليب القرآن حتى يوقن ويهتدي، وإلا قامت عليه الحجة والبرهان، والله أعلم.

رابعها: الآيات تفيد في مجملها إخبار المشركين أنه «لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم الله به من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا يقدر أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله به من صحة الأبدان، وسعة الأرزاق، فإن الضار والنافع هو الله تعالى، لا من تعبدون من دونه، ومن لم يقدر على النفع والضر لا يكون إلهًا» 82، وعليه فمن لا يملك شيئًا منهما لا يصلح للإلهية على الإطلاق!.

ومما يدخل في نفي جلب النفع: عدم استطاعة الأصنام جلب الرزق لأحد من الخلق على الإطلاق، كما صرح بذلك في قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [النحل: 73] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت