فهرس الكتاب

الصفحة 748 من 2431

التسبيح

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (س ب ح) تدل على معنيني: أحدهما: جنسٌ من العبادة، ومنه التسبيح، وهو تنزيه الله جل ثناؤه من كل سوء. والمعنى الآخر: جنسٌ من السعي، وهو السبح والسباحة، وهو العوم في الماء 1.

يتبين مما سبق أن للتسبيح في اللغة معنيين: أحدهما: التنزيه والتبرئة من السوء، والآخر: قول: (سبحان الله) ، والمعنى الثاني راجع إلى المعنى الأول 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

يعد التسبيح من الألفاظ الشرعية التي اشتهرت في الشرع أكثر من اشتهارها في اللغة، والمعنى الاصطلاحي (الشرعي) للتسبيح هو نفس المعنى اللغوي، لا يختلف عنه، أي: بمعنى تنزيه الله عن السوء، وقد ورد هذا المعنى للتسبيح عن النبي صلى الله عليه وسلم 3، وعن ابن عباس رضي الله عنه، وعن كثير من أئمة السلف والخلف 4.

وقال أبو السعود: «والتسبيح تنزيه الله تعالى وتبعيده اعتقادًا وقولًا وعملًا، عما لا يليق بجنابه سبحانه» 5.

وقال ابن القيم: «ومعنى هذه الكلمة - يعني (سبحان الله) - تنزيه الرب وتعظيمه وإجلاله عما لا يليق به» 6.

وبهذا يمكن أن نخرج بتعريف اصطلاحي للتسبيح بأنه: تنزيه الله عز وجل في الاعتقاد والقول والعمل، عما لا يليق به سبحانه.

وردت مادة (سبح) في القرآن (92) مرة، يخص التسبيح منها (87) مرة 7.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 4 ... {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) } [الحديد:1]

الفعل المضارع ... 20 ... {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة:30]

فعل الأمر ... 2 ... {فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) } [ق:40]

المصدر ... 2 ... {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44]

اسم المصدر ... 41 ... {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) } [يوسف:108]

اسم الفاعل ... 2 ... {وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) } [الصافات:166]

وجاء (التسبيح) في القرآن بمعناه اللغوي، وهو تنزيه الله جل ثناؤه من كل سوء 8. ولم يخرج عن هذا المعنى.

التقديس:

التقديس لغة:

مشتق من الفعل (قدس) بمعنى: طهر، والتقديس هو التطهير والتبريك، وتقدس أي تطهر، من ذلك قيل للسطل: القدس؛ لأنه يتقدس منه، أي: يتطهر، وسمي بيت المقدس بذلك لأنه البيت المطهر، والمكان الذي يتطهر به من الذنوب، والتقديس: تنزيه الله عز وجل 9.

التقديس اصطلاحًا:

التقديس: التطهير الإلهي، والتعظيم لله عز وجل، والتطهير هنا غير التطهير الذي هو إزالة النجاسة المحسوسة 10.

الصلة بين التقديس والتسبيح:

اللفظان يحملان نفس المعنى من تبعيد الله عن السوء؛ إلا أن التقديس أعم من التسبيح؛ إذ كل مقدس مسبح، وليس العكس؛ فالتسبيح يختص بالله عز وجل دون سواه، أما التقديس فلا يختص به سبحانه؛ بل يستعمل في حق الآدميين وغيرهم من المخلوقات، فيقال: فلان رجل مقدس: إذا أريد تبعيده عن مسقطات العدالة ووصفه بالخير، ولا يقال: رجل مسبح، ويقال: قدس الله روح فلان، ولا يقال: سبحه، ويقال: الأرض المقدسة، ولا يقال: الأرض المسبحة 11.

وذكر بعض المفسرين: أن التسبيح يكون بتنزيه الله عز وجل بالقول والعمل، والتقديس تنزيه الله عز وجل باعتقاد صفات الكمال المناسبة للذات العلية 12.

كل ما في القرآن الكريم من تمجيد الله عز وجل لنفسه العلية؛ وذكر أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبيان قدرته وعظمته، والحديث عن آياته وآلائه، وقوته وجبروته سبحانه وتعالى، كل ذلك يدخل في تسبيح الله عز وجل لنفسه، وهذا كثير في كتاب الله عز وجل لا يمكن حصره؛ ومن أمثلته آية الكرسي، وسورة الإخلاص، وأواخر سورة الحشر، وغير ذلك كثير في كتاب الله عز وجل.

والذي نريد بيانه في هذا المبحث هو ما ورد من تسبيح الله عز وجل لنفسه في كتابه العزيز بلفظ التسبيح الصريح، ولقد سبح الله عز وجل نفسه العلية في كتابه العزيز -بلفظ التسبيح- في مواضع كثيرة، بلغت سبعة وعشرين موضعًا.

وباستقراء الآيات التي سبح الله عز وجل فيها نفسه نجد أن الله عز وجل قد نزه نفسه فيها عن الولد، وعن الشريك، وعن أن يلحقه نقص أو ضعف.

أولًا: تنزيه الله عز وجل نفسه عن اتخاذ الولد:

لقد ورد في كتاب الله عز وجل آيات تسع نزه الله عز وجل فيها نفسه المقدسة -بلفظ التسبيح- عما وصفه به المشركون المفترون من نسبة الولد له سبحانه، ففي سورة البقرة يقول سبحانه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] .

بين سبحانه في هذه الآية أن جميع ما في السماوات والأرض مملوك له، وعبيد له سبحانه، وفي هذا بيان للمانع عقلًا من اتخاذ الولد 13.

وفي سورة النساء قال سبحانه: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 171] .

فبين سبحانه في هذه الآية أيضًا أن {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ، فلا شريك له سبحانه، فكل الخلق -في السماوات والأرض- له، وعيسى عليه السلام وأمه مريم من جملة ما في السموات وما في الأرض؛ فكيف يكون عيسى إلهًا أو ولدًا لله وهو مخلوق لله عز وجل؟! 14.

وفي سورة يونس قال سبحانه: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يونس: 68] .

فأخبر سبحانه أنه {هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فأقام الحجة على بطلان قول المشركين؛ حيث بين أنه سبحانه هو الغني الذي لا يفتقر إلى غيره، فكيف إذًا يحتاج إلى ولد أو بنت فيستغني به وهو الغني الحميد؟! وبرهان آخر على غناه أن له ما في السموات وما في الأرض، فالجميع خلقه وملكه، فهل يعقل أن يتخذ السيد المالك عبدًا من عبيده ولدًا له 15.

وفي سورة النحل سبح الله عز وجل نفسه عما نسبه إليه المشركون من أن له البنات، فقال عز وجل: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57] .

وفي التسبيح في هذه الآية تعجب من قول أولئك المشركين، حيث جعلوا لأنفسهم ما يشتهون من البنين، ونسبوا ما يكرهون من البنات لله عز وجل، ففضحهم الله عز وجل، وقال في الآية التالية لتلك الآية: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58 - 59] .

وفي سورة مريم والأنبياء والمؤمنون نزه الله عز وجل نفسه عن اتخاذ الولد، {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} [المؤمنون: 91] .

فهو سبحانه بيده كل شيء {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [مريم: 35] .

وكل المخلوقات ملكه وطوع أمره، حتى الملائكة العظام - الذين قال عنهم المشركون أنهم بنات الله- ما هم إلا عباد لله، مكرمون عنده في منازل عالية، ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولًا وفعلًا، لا يتقدمون بين يديه بأمر، ولا يخالفونه فيما أمرهم به؛ بل يبادرون إلى فعله، وهو سبحانه محيط بهم، عليم خبير، فلا يخفى عليه منهم خافية {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26 - 28] 16.

وفي سورة الزمر بين الله عز وجل بطلان ما نسبه إليه المبطلون من اتخاذ الولد؛ بأن بين أنه سبحانه له ملك كل شيء، وهو سبحانه الذي يعبده كل شيء، {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الزمر: 4] .

ولو كان له ولد لم يكن له عبدًا، فأنى يكون له ولد، وهو الواحد الذي لا شريك له في ملكه وسلطانه، والقهار لخلقه بقدرته، فكل شيء له متذلل، ومن سطوته خاشع، فتعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد؛ فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي كل شيء فقير إليه، وهو الغني عما سواه، قهر الأشياء فدانت له وذلت وخضعت، تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا 17.

وفي آيتي الزخرف يسبح الله عز وجل نفسه عن اتخاذ الولد بقوله سبحانه: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الزخرف: 81 - 82] .

قال القرطبي: «المعنى: قل يا محمد: إن ثبت لله ولد فأنا أول من يعبد ولده؛ ولكن يستحيل أن يكون له ولد؛ وهو كما تقول لمن تناظره: إن ثبت بالدليل فأنا أول من يعتقده؛ وهذا مبالغة في الاستبعاد؛ أي لا سبيل إلى اعتقاده. وهذا ترقيق في الكلام، والمعنى على هذا: فأنا أول العابدين لذلك الولد؛ لأن تعظيم الولد تعظيم للوالد. وقال مجاهد: المعنى إن كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده وحده، على أنه لا ولد له. وقال السدي أيضًا: المعنى لو كان له ولد كنت أول من عبده على أن له ولدًا؛ ولكن لا ينبغي له ذلك سبحانه» 18.

وفي سورة الصافات نزه الله عز وجل نفسه عما نسبه المبطلون {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 158 - 159] .

لقد افترى المشركون بهتانًا عظيمًا، وقالوا زورًا كبيرًا؛ إذ زعموا أن بين الله وبين الجن نسبًا؛ حيث زعموا أن الملائكة بنات الله، وأن أمهاتهم من الجن، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي: والحال أن الجنة قد علمت أنهم محضرون بين يدي الله ليجازيهم عبادًا أذلاء، فلو كان بينهم وبينه نسب، لم يكونوا كذلك، {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} ، الملك العظيم، الكامل الحليم، سبحانه عما يصفه به المشركون 19.

وفي الآية الأخرى من السورة {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 180] .

«ينزه تبارك وتعالى نفسه ويقدسها ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون، تعالى وتنزه وتقدس عن قولهم علوًا كبيرًا، ولهذا قال تبارك وتعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ} أي ذي العزة التي لا ترام {عَمَّا يَصِفُونَ} أي عن قول هؤلاء المعتدين المفترين» 20.

ثانيًا: تنزيه الله عز وجل نفسه عن الشريك:

ورد في كتاب الله عز وجل عشر آيات نزه الله عز وجل فيها نفسه -بلفظ التسبيح- عن أن يكون له شريك يشاركه في الخلق أو الملك أو الحكم 21.

وقد ساق الله عز وجل -في هذه الآيات- لعباده الأدلة الساطعة والبراهين القاطعة المقنعة على بطلان القول باتخاذ الشريك؛ فالله سبحانه غني عن الشركاء، فهو خالق جميع المخلوقات، فكيف لمخلوق أن يشارك الخالق؟!

قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100] .

ومن أعظم الأدلة التي ساقها الله عز وجل على نفي الشريك: قوله سبحانه في آية الإسراء: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 42 - 43] .

فلو كان هناك آلهة أخرى لتسابقوا وتنافسوا إلى ذي العرش لإزالة ملكه والتغلب عليه، أو المعنى لو كان آلهة أخرى لسعوا إلى ذي العرش يبتغون رضاه لأنهم دونه، وفي ذلك كله ردٌ على أولئك المشركين الذين نسبوا لله الشريك، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا 22.

وكذلك آية الأنبياء {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] ، «فلو كان في السموات والأرض آلهة أخرى سوى الله عز وجل تدبر أمرهما، لفسدتا، ولخرجتا عن نظامهما البديع، الذي لا خلل فيه ولا اضطراب؛ وذلك لأن تعدد الآلهة يلزمه التنازع والتغالب بينهم، فيختل نظام الكون، ويضطرب الأمر، ويعم الفساد في العالم، ولما كان المشاهد غير ذلك؛ إذ كل شيء في هذا الكون يسير بنظام محكم دقيق، دل الأمر على أن لهذا الكون كله إلهًا واحدًا قادرًا حكيمًا لا شريك له» 23.

أما في آية المؤمنون فقد نزه الله عز وجل نفسه عن اتخاذ الشريك، مبينًا دليلًا قطعيًا آخر على وحدانيته واستغنائه عن الشركاء {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] .

قال ابن القيم: «فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين؛ فإن الإله الحق لابد أن يكون خالقًا فاعلًا، يوصل إلى عابده النفع، ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى بشركة الإله الآخر معه؛ بل إن قدر على قهره وتفرده بالإلهية دونه فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب به، كما ينفرد ملوك الدنيا عن بعضهم بعضًا بممالكهم، إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه، فلابد من أحد أمور ثلاثة: إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه، وإما أن يعلو بعضهم على بعض، وإما أن يكون كلهم تحت قهر إله واحد، وملك واحد، يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم عليه ولا يمتنعون من حكمه عليهم، فيكون وحده هو الإله الحق وهم العبيد المربوبون المقهورون» 24.

وفي آية القصص {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68] .

«يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه، وقوله: {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك، ولهذا قال: {سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئًا» 25.

أما في آية الروم فقد نزه سبحانه نفسه مبينًا بعض أفعاله التي لا يقدر عليها إلا هو سبحانه، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم: 40] . فهل يقدر الشركاء على شيء من ذلك؟ 26.

ثالثًا: تنزيه الله عز وجل نفسه عن النقائص من خلال بيان عظمته وقدرته:

سبح الله عز وجل نفسه في كتابه العزيز عن كل ما نسبه إليه الكافرون المفترون، وعن كل ما قد يظنه المبطلون من نقص أو عجز أو سوء، ومجد سبحانه نفسه ببيان بعض مظاهر قدرته وعظمته، وبيان بعض أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وورد ذلك في كتاب الله عز وجل بلفظ التسبيح الصريح في تسعة مواضع 27 في سبع سور، وهذه المواضع هي:

قوله تعالى في سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1] .

حيث «ينزه تعالى نفسه المقدسة ويعظمها؛ لأن له الأفعال العظيمة، والمنن الجسيمة، التي من جملتها أنه أسرى بعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام -الذي هو أجل المساجد على الإطلاق- إلى المسجد الأقصى -الذي هو من المساجد الفاضلة وهو محل الأنبياء-؛ فأسري به في ليلة واحدة، إلى مسافة بعيدة جدًا، ورجع في ليلته، وأراه الله من آياته ما ازداد بها هدى وبصيرة وثباتًا وفرقانًا، وهذا من اعتنائه ولطفه به صلى الله عليه وسلم؛ حيث يسره لليسرى في جميع أموره، وخوله نعمًا فاق بها الأولين والآخرين» 28.

وفي سورة النمل يقص علينا ربنا عز وجل قصة موسى عليه السلام عندما قال لأهله -في طريق عودته إلى مصر-: {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 7 - 8] .

ففي ذيل الآية الأخيرة نزه الله عز وجل نفسه المقدسة عن كل نقص أو سوء قد يتطرق إلى بعض العباد؛ فنزه سبحانه نفسه عن مشابهة المخلوقات، يفعل سبحانه ما يشاء، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم، المباين لجميع المخلوقات، لا تكتنفه الأرض والسموات؛ بل هو الأحد الصمد المنزه عن مماثلة المحدثات 29.

أما في آيتي سورة الروم: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 17 - 18] .

فيسبح الله عز وجل نفسه، ويأمر عباده أن يسبحوه في هذه الأوقات، وقد حمل كثير من المفسرين المقصود بالتسبيح في هاتين الآيتين على الصلوات الخمس المفروضة.

قال ابن الجوزي: «قال المفسرون: المعنى فصلوا لله حين تمسون، أي حين تدخلون في الظهيرة، وهي وقت الزوال، وعشيًا: أي وسبحوه عشيًا، وهذه الآية قد جمعت الصلوات الخمس؛ فقوله: {حِينَ تُمْسُونَ} يعني به صلاة المغرب والعشاء، {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} يعني به صلاة الفجر، {وَعَشِيًّا} العصر، {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} الظهر» 30.

وفي سورة يس سبح الله عز وجل نفسه في موضعين: الأول: قوله: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} [يس: 36] .

والآخر: قوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 82 - 83] .

وفي كلا الموضعين ينزه الله عز وجل نفسه ببيان بعض مظاهر عظمته وقدرته، وبديع خلقه وعظيم سلطانه وملكوته، فتنزه من خلق الأزواج والأصناف جميعًا، من النبات والحيوان والإنسان ومما لا نعلم 31، وتنزه من بيده ملك كل شيء، وخزائن كل شيء، المتصرف في كل شيء، والجميع راجع إليه سبحانه 32.

وفي سورة الزمر بيان لعظيم قدرة الملك سبحانه وتعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت