فهرس الكتاب

الصفحة 1083 من 2431

وما رجّحه الشنقيطي هو الراجح -والله أعلم-؛ فالله تعالى خلق الجنّ والإنس وأراد منهم أن يعبدوه، وهذه إرادة شرعيّة، أي أنّه سبحانه أمرهم بعبادته؛ فيطيعه من وفّقوا للطاعة، ويعصيه من لم يوفّقوا لها، وليست إرادة الله تعالى في الآية إرادة كونيّة؛ إذ لو كانت كذلك للزم أن يكون العباد جميعهم عابدين لله تعالى؛ لأنّ الإرادة الكونية لا تخالف ولا تعارض.

[انظر: العبادة: مكانة العبادة]

ثانيًا: الاستخلاف:

أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة، خلقًا من خلقه يخلف بعضهم بعضًا، قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل 103، يقومون بتنفيذ أمر الله تعالى على أرضه، وإمضاء أحكامه 104، واختار الله تعالى آدم عليه الصلاة والسلام وذريّته لتلك المهمة العظيمة، وقد أخبر سبحانه ملائكته بذلك الأمر، قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] .

فالمراد بالخليفة في الآية الكريمة: إمّا آدم بتنفيذ أوامره سبحانه، وإمّا أن يكون المراد آدم عليه الصلاة والسلام وذريته، وقال بعض المفسرين: سمّى الله آدم عليه الصلاة والسلام خليفة؛ لأنّه صار خلفًا من الجنّ الذين كانوا يسكنون الأرض قبله 105.

ولا شكّ أنّ مقصد استخلاف الإنسان في الأرض تابع لمقصد العبادة لله تعالى؛ إذ إنّ الله تعالى أراد من عباده أن يعبدوه، وجعلهم خلفاء في الأرض ليقوموا عليها بالعبادة المطلوبة منهم، والعبد بعمارته لأرض الله تعالى من خلال تنفيذ شرعه سبحانه، وفعل ما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، يكون بذلك قد حقّق العبودية المطلوبة منه لله تعالى؛ إذ إنّ العبادة اسم جامع لكلّ ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة.

ثالثًا: الابتلاء:

لقد ذكر الله تعالى في غير آية من كتابه العزيز أنّ المقصد والحكمة من خلق السماوات والأرض، والموت والحياة، هي ابتلاء العباد واختبارهم أيهم أحسن عملًا، فمن هذه الآيات قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7] .

وقوله تعالى في سورة الكهف: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7] .

وفي مطلع سورة الملك: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 1 - 2] .

ومعنى قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ} أي: يختبركم، والاختبار من الله تعالى هو إظهار ما يعلم سبحانه من خلقه 106، فهو سبحانه بأمره ونهيه للعباد أراد أن يظهر ما قد علم منهم من طاعة وعصيان، فهو سبحانه يفعل بهم ما يفعل المبتلي 107.

ومعنى قوله تعالى: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} أي: كل الصفات التي تجعل العمل أحسن في ميزان الحق فهي واردة هنا، بلا تخصيص بصفة دون غيرها، ولم يقل: أكثر عملًا، بل أحسن عملًا، ولا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا لله عز وجل، على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمتى فقد العمل واحدًا من هذين الشرطين حبط وبطل 108.

وهذا المقصد من الخلق تابع للمقصد الأكبر، وهو العبادة؛ إذ إنّ أمر الله تعالى عباده بعبادته وطاعته والاستسلام لأمره ونهيه بمنزلة الاختبار والامتحان لهم؛ فمن استجاب لربّه فقد فاز وأفلح، ومن عصى وأدبر فقد خاب وخسر.

رابعًا: الاختلاف:

إنّ من مقاصد خلق الله تعالى للعباد أنّه سبحانه و تعالى أرادهم أن يكونوا مختلفين؛ ولو أراد سبحانه أن يجعلهم مجتمعين على أمّة واحدة لفعل؛ ولكنّه سبحانه أرادهم مختلفين.

وقد أخبر سبحانه وتعالى عن ذلك في قوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 118 - 119] .

وقد اقتضت حكمته أن لا يزالوا مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم، متّبعين للسبل الموصلة إلى النار، كل يرى الحقّ، فيما قاله، والضلال في قول غيره، وقوله: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} أي: اقتضت حكمته أنّه خلقهم مختلفين؛ منهم المؤمن ومنهم الكافر؛ ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون والمختلفون، والفريق الذين هدى الله، والفريق الذين حقّت عليهم الضلالة؛ ليتبيّن للعباد عدل الله سبحانه وحكمته، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء 109.

وعلى هذا يمكن الجمع بين الآيتين: الآية الأولى، قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .

والآية الأخرى، قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118 - 119] .

بأنّ الإرادة -التي أرادها الله تعالى من عباده- في الآية الأولى إرادة شرعيّة، حيث أمر الله تعالى عباده بعبادته وطاعته، والآية الأخرى تدل على الإرادة الكونيّة القدريّة 110؛ فالله سبحانه قدّر من الأزل، وكتب عنده في اللوح المحفوظ أنّ الناس سيختلفون، وهذا ما أراده الله تعالى، أراد سبحانه أن يكون له أهل إيمان وطاعة، يجزيهم الجنّة والنعيم، وأراد أن يكون من عباده أهل كفر وضلال، يملأ بهم جهنّم، والله تعالى يفعل ما يريد، {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد: 41] .

وهذا المقصد لخلق العباد تابع للمقصد الأكبر وهو العبادة؛ فإنّ الله تعالى خلق العباد وأراد منهم أن يعبدوه، وهو سبحانه يعلم أنّ منهم من يستجيب ويطيع، ومنهم من يأبى ويعصي، ويعلم سبحانه أنّهم سيختلفون، وسيفترقون إلى فريقين؛ فريق السعداء الذين أطاعوا ربّهم، وفريق الأشقياء الذين عصوا أمر ربّهم، وكلّ ذلك أراده الله تعالى.

[انظر: الاختلاف: الاختلاف سنة الله في الخلق]

لا شكّ في أنّ الخلق يدلّ على وجود الخالق، ولا ريب أنّ عظم الخلق يدلّ على عظم الخالق سبحانه وتعالى، وإنّ العبد كلّما تفكّر فيما حوله من مخلوقاتٍ لله تعالى؛ من سماءٍ، وأرضٍ، وجبالٍ، وأشجارٍ، وأنهارٍ، وأصناف الدّواب والطيور، يزداد إيمانًا بعظمة الخالق سبحانه، بديع السماوات والأرض، الذي فطر هذا الكون {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2] .

ولا شكّ أنّ في هذا الخلق العظيم -الذي تعجز عن مجرد تصوّر عظمته واتساعه عقول البشر- لا شكّ أنّ فيه دلالات عظيمة، وبراهين جليلة، لا يغفل عنها إلا من أعمى الله بصره، وأصمّ أذنه، وعطّل عقله، وختم على قلبه.

ولقد مدح الله تعالى عباده الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض، ويستدلون بما حولهم من خلق عظيم، وآيات باهرة على عظيم قدرة ربّهم تعالى، وعلى صدق رسله، وصدق وعده، وتحقق وعيده، قال سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190 - 191] .

فخلق الله تعالى فيه دلالات عظيمة، وبراهين بيّنة جليلة، أراد الله تعالى من عباده أن يقفوا عليها، ويسترشدوا بها، وفيما يلي وقفة مع أهم دلالات الخلق.

أولًا: دلالة الخلق على استحقاق الخالق للعبودية:

إنّ الفطر السليمة، والعقول البصيرة تدرك أنّ من خلق وأوجد، واعتنى بخلقه لهو جدير وحده بأن يطاع ويعبد، فكيف يعبد سواه؟! ومن يستحق العبادة إلا إياه؟! وهل يستوي من خلق بمن هو مخلوق لا يملك حتى نفسه؟! {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17] .

وهل يستوي من أبدع هذا الكون وجعل فيه تلك الآيات الباهرة، والنعم المستفيضة بمن لا يقدر على نفع نفسه، قال الله تعالى مخبرًا عن نفسه العلية، ممتنًا على عباده، هاديًا لهم ومرشدًا: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) } [النحل: 14 - 17] .

وما أكثر الآيات في كتاب الله تعالى التي يوجّه الله تعالى فيها عباده إلى التأمل والتفكر في ملكوت السماوات والأرض؛ ليعلموا من ذلك عظمة الخالق المبدع، وليعلموا أنّه لا يجوز أن يعبد غيره، ولا ينبغي أن يدعى سواه، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21 - 22] .

ففي هذه الآيات وأمثالها في كتاب الله تعالى استدلّ الله تعالى لعباده على وجوب عبادته وحده دون سواه بأنّه سبحانه وحده هو الخالق المدبّر؛ فما دام أنّه سبحانه الخالق، وهو سبحانه الذي خلق العباد من العدم، وأنعم عليهم بالخلق والإيجاد، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، فهو سبحانه المستحق وحده للعبادة 111.

إنّ مما تقرّه العقول وتسلّم له الألباب أنّ المخلوق ضعيف محتاج إلى خالقه، وهو مربوب لربّه الذي أوجده وربّاه، ولا يمكن له أن يستغني عنه بأي حال، وإذا كان الأمر كذلك فهل يجوز أن يعبد ذلك المخلوق الضعيف من دون خالقه؟! قال الله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ} [الأنعام: 100] .

ففي هذه الآية ردّ الله تعالى على أولئك الضالين المشركين بكلمة واحدة؛ إذ قال سبحانه: {وَخَلَقَهُمْ} ، والضمير في هذه الكلمة إما عائد على أولئك المشركين، فيكون المعنى: أنّ هؤلاء المشركين جعلوا من لم يخلقهم شريكًا لخالقهم في العبادة وهذه غاية الجهالة؛ إذ المستحق للعبادة هو الخالق لا غيره، وإمّا أن يكون الضمير عائدًا على المعبودين من دون الله تعالى، فيكون المعنى: أن المشركين اتخذوا شركاء في العبادة، وهؤلاء الشركاء هم أصلًا مخلوقون لله تعالى، فكيف يناسب أن يعبدوا من دونه سبحانه؟! 112.

وقد أنكر الله -تعالى في آيات كثيرة من كتابه العزيز- على من عبدوا مخلوقات مثلهم، لا تخلق شيئًا؛ وإنّما هي مخلوقة أصلًا.

قال الله تعالى: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16] .

قال الشنقيطي رحمه الله: «أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أنه هو المستحق لأن يعبد وحده؛ لأنه هو الخالق ولا يستحق من الخلق أن يعبدوه إلا من خلقهم وأبرزهم من العدم إلى الوجود» 113.

وقال سبحانه في آيات أخرى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان: 3] .

وبيّن سبحانه حال تلك المعبودات من دونه فقال: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النحل: 20 - 21] .

وما أعظم ذلك البيان الرّبّاني الذي فيه إيقاظ للقلوب الغافلة، وتنبيه للعقول الضالة، التي ظنت -ولو لحظة واحدة- أنّه يجوز أن يعبد غير الله تعالى من مخلوقات ضعيفة فانية، ضعيفة عاجزة، يقول سبحانه وتعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ} [الأعراف: 191 - 195] .

إنّ هذه المخلوقات في غاية العجز والضعف، لا تملك لنفسها -فضلًا عن غيرها- نفعًا ولا ضرًّا، فكيف يقدم من كان عنده عقل على عبادة من كان هذا حاله؟!

إنّ الله تعالى هو خالق كلّ شيء، ولا خالق غيره، وكل ما سواه سبحانه مخلوق له، فوجب أن يكون وحده المعبود، ووجب ألا يصرف شيء من العبادة لغيره، {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 102] .

ثانيًا: دلالة الخلق على قدرة الخالق على البعث:

إنّ من الدلالات العظيمة التي يدلّ عليها خلق الله تعالى الدلالة على قدرته سبحانه وتعالى على البعث، وإعادة الموتى للحياة من جديد؛ لأجل أن يحاسبوا على أعمالهم، وقد كان كفّار العرب ومن جاء بعدهم من الكفار ينكرون تلك الحقيقة العظيمة، فجاء القرآن الكريم بأعظم الأدلة وأصدقها لإثبات هذه الحقيقة العظمى.

وقد استدلّ القرآن الكريم على حقيقة البعث بعدة أدلة، من أهمها دليل الخلق، وهو دليل بديهي، يوجبه العقل، ويستلزمه المنطق، ولا يمكن أن يطرأ عليه شكٌّ أو ريب.

ويتلخص دليل الخلق على البعث في أنّ الله تعالى الذي خلق الخلق أوّل مرة قادر على إعادة الخلق مرة أخرى؛ فالذي أوجدهم أولًا يوجدهم ثانيًا، بل العقل يقتضي أن تكون الإعادة أهون من الإيجاد الأول.

وقد ورد في كتاب الله تعالى آيات كثيرة تثبت حقيقة البعث بدلالة الخلق، فالذي خلق هذا الكون العظيم، وفطر السماوات والأرض، قادر سبحانه على بعث العباد بعد موتهم.

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأحقاف: 33] .

ومن استدلال القرآن الكريم على حقيقة البعث بدلالة الخلق أنّ الله تعالى دعا أولئك المتشككين في حقيقة بعثهم إلى تذكر أصل خلقتهم، كيف كانوا في الأصل ترابًا، ثمّ تناسلوا من نطفة، ثم علقة، ثمّ مضغة، إلى أن صاروا بشرًا مكتملين.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} [الحج: 5] .

يدعوهم ربّهم إلى النظر إلى مبدأ خلقهم؛ ليزول ريبهم؛ ويذهب شكّهم في قضية البعث والحساب 114.

إنّ العقل يستلزم أن يكون الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني، وهذا ما أخبر به القرآن الكريم، قال الله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104] .

وقال سبحانه ردًّا على من سألوا: من يعيدنا بعد الموت والفناء؟ {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء: 51] .

إنّ دليل الخلق أول مرّة على الخلق مرّة أخرى دليل قوي عظيم، لا يرفضه إلا من فقد عقله، ونسي أصله، فبحسب الإنسان أن يذكر نشأته الأولى؛ ليعلم أن الله تعالى قادر على البعث والإحياء؛ لذا بيّن الله تعالى أنّ من أنكروا البعث قد نسوا أصلهم، ونسوا نشأتهم الأولى.

قال سبحانه وتعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] .

فكان الرّدّ من الله تعالى على ذلك الجاحد بتذكيره بخلقه الأول: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79] .

قال الشنقيطي رحمه الله: «ولأجل قوة دلالة هذا البرهان المذكور على البعث بيّن جل وعلا أنّ من أنكر البعث فهو ناسٍ للإيجاد الأول، كقوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} [يس: 78] ؛ إذ لو تذكر الإيجاد الأول على الحقيقة لما أمكنه إنكار الإيجاد الثاني» 115، ومثل هذه الآية قوله تعالى: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) } [مريم: 66 - 67] .

[انظر: البعث: منهج القرآن في تقرير مبدأ البعث]

وردت العديد من الآيات التي تدعو إلى التفكر والتأمل في خلق الله تعالى، والتي تدلل على وحدانية الله تعالى، وقدرته، ومن هذه الآيات:

أولًا: قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] .

وقد اشتملت هذه الآية على ثماني آيات كونية عظيمة دالة على عظمة الخالق تعالى وقدرته، وفيها دعوة للتفكر والتأمل في خلق الله تعالى.

أول هذه الآيات الدالة على عظم خالقها، هي السماوات، فالسماء على ارتفاعها طبقات مفصولة ومرفوعة بغير عمد، واتساعها، وكواكبها السيارة، وبروجها، ودوران فلكها، لهي من أكبر الآيات الدالة على قدرة المولى تعالى، وثانيها الأرض في مدها، وبسطها، وكثافتها، وانخفاضها، وجبالها، وبحارها، وقفارها، ووهادها، وعمرانها، وما فيها من المنافع العظيمة من معادن عظيمة بداخلها، والتي تشهد على وحدانية خالقها 116.

ثم جاءت الآية الثالثة والمتمثلة في اختلاف الليل والنهار وتتابعهما دون تأخر، كما قال الله تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] .

تارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتقارضان، كما قال تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [فاطر: 13] .

فكل ذلك دليل على الخالق المبدع 117.

قال الخازن: «والآية في الليل والنهار أن انتظام أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة يكون في النهار، وطلب النوم والراحة يكون في الليل، فاختلاف الليل والنهار إنما هو لتحصيل مصالح العباد» 118.

أما الآية الرابعة فمتمثّلة في قوله تعالى: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} [البقرة:164] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت