فهرس الكتاب

الصفحة 1107 من 2431

النبات

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «النون والباء والتاء أصلٌ واحدٌ يدل على نماء في مزروع، ثم يستعار، فالنبت معروف، يقال: نبت، وأنبتت الأرض، ونبت الشجر: غرسته، ويقال: إن في بني فلان لنابتة شر، ونبتت لبني فلان نابتة، إذا نشأ لهم نشء صغار من الولد» 1.

وقال ابن منظور: «النبت والنبات كل ما أنبت الله في الأرض فهو نبتٌ، والنبات فعله، ويجري مجرى اسمه، يقال: أنبت الله النبات إنباتًا، ونحو ذلك قال الفراء: إن النبات اسم يقوم مقام المصدر» 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي للنبات عن معناه اللغوي؛ إذ النبات في الاصطلاح يطلق على ما يخرج من الأرض على صفة النمو، وهو ذات المعنى اللغوي الذي سبق ذكره.

يقول الراغب الاصفهاني: «والنبات: ما يخرج من الأرض من الناميات؛ سواء كان له ساق كالشجر، أو لم يكن له ساق كالنجم، لكن اختص في التعارف بما لا ساق له؛ بل قد اختص عند العامة بما يأكله الحيوان، وعلى هذا قوله تعالى: {لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا} [النبأ: 15] » 3.

وقيل: «الحي النامي لا يملك فراق منشئه ويعيش بجذور ممتدة في الأرض أو في الماء وما أخرجته الأرض من شجر ونحوه، وأنبتت الأرض، أي: أخرجت النبات، والبقل نشأ وربا، ويقال: أنبت الله البقل، أخرجه من الأرض فهو منبوت» 4.

وهكذا يتبين لنا مما تقدم أن النبات هو: كل نامٍ وكل ما نبت من الأرض، كما يتبين لنا أنه لا فرق بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للنبات.

وردت مادة (نبت) في القرآن الكريم (26) مرة 5.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

فعل ماضي ... 12 ... {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [آل عمران:37]

فعل مضارع ... 5 ... {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون:20]

اسم مصدر ... 9 ... {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) } [طه:53]

وجاء النبات في القرآن على أربعة أوجه 6:

أحدها: النبات بعينه: ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ} [يونس: 24] .

الثاني: الإخراج: ومنه قوله تعالى: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} [البقرة: 261] . أي: أخرجت.

الثالث: الخلق: ومنه قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} [نوح: 17] . أي: خلقكم خلقًا.

الرابع: التربية: ومنه قوله تعالى عن مريم عليها السلام: {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [آل عمران: 37] . قال قتادة: لا تصيب الذنوب.

الزرع:

الزرع لغةً:

من الفعل زرع، بمعنى: طرح البذر في الأرض، يقال: يزرعه زرعًا وزراعةً: بذره، والاسم الزرع، وجمعه زروع، والزرع: الإنبات، يقال: زرعه الله أي: أنبته 7.

الزرع اصطلاحًا:

نفس المعنى اللغوي؛ إذ الزرع في الاصطلاح يعني: الإنبات، قال الراغب: «الزرع الإنبات، وحقيقة ذلك تكون بالأمور الإلهية دون البشرية، قال: عز وجل {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 64] .

فنسب الحرث إليهم، ونفى عنهم الزرع، ونسبه إلى نفسه، وإذا نسب إلى العبد فلكونه فاعلا للأسباب التي هي سبب الزرع، كما تقول أنبت كذا إذا كنت من أسباب نباته، والزرع في الأصل مصدر، وعبر به عن المزروع، ويقال: زرع الله ولدك، تشبيهًا، كما تقول: أنبته الله» 8.

الصلة بين الزرع والنبات:

من خلال التأمل في المعاني السابقة يظهر أن النبات عام يشمل ما له ساق وما ليس له ساق، ويشمل ما يأكله الإنسان، وما يأكله الحيوان، أما الزرع فهو خلاف الأشجار، وهو أيضا موسمي فله مواسم يزرع فيها، وأخرى يحصد فيها.

الحرث:

الحرث لغةً:

مصدر حرث، بمعنى: عمل في الأرض، وشقها، وأثارها، وأعدها للزراعة 9، قال ابن منظور: «العمل في الأرض زرعًا كان أو غرسًا، وقد يكون الحرث نفس الزرع» 10.

الحرث اصطلاحًا:

لا يختلف عن المعنى اللغوي؛ إذ هو: «إلقاء البذر في الأرض، وتهيؤها للزرع، ويسمى المحروث حرثًا» 11.

الصلة بين الحرث والنبات:

من خلال ما سبق يتبين أن الحرث هو ما يقوم به الزارع في الأرض من عملٍ لإنبات النبات والحبوب والأشجار، ويطلق على ما يخرج من تلك الأرض التي حرثت، فالحرث عمل المزارع، أما الإنبات فهو بأمر الله عز وجل، فقد يحرث المزارع أرضه ولا تنب، والحرث بذلك أخص من النبات، ولفظ النبات أعم منه، إذ النبات يشمل الحرث، ويشمل غيره مم ينبته الله عز وجل.

الشجر:

الشجر لغة:

جمع شجرة، وهي في اللغة ما كان على ساق من نبات الأرض، قال ابن فارس: «الشين والجيم والراء أصلان متداخلان، يقرب بعضهما من بعض، ولا يخلو معناهما من تداخل الشيء بعضه في بعض، ومن علوٍ في شيءٍ وارتفاع؛ فالشجر معروفٌ، الواحدة شجرة، وهي لا تخلو من ارتفاعٍ وتداخل أغصان، ووادٍ شجر: كثير الشجر، ويقال: هذه الأرض أشجر من غيرها، أي: أكثر شجرًا. والشجر: كل نبتٍ له ساقٌ» 12.

الشجر اصطلاحًا:

لا يختلف عن المعنى اللغوي؛ «الشجر من النبات ما له ساق» 13.

وذكر الرازي رحمه الله أن: «الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرقٌ راسخٌ، وأصلٌ قائمٌ، وأغصانٌ عاليةٌ» 14.

الصلة بين الشجر والنبات:

يظهر من التعريفات السابقة لكلٍ من الشجر والنبات أن الشجر ما هو إلا نوعٌ من أنواع النبات، يتميز بأن له ساقا؛ وبذلك فالنبات أعم من الشجر، فهو يشمله ويشمل غيره من النباتات التي لا سيقان لها.

إن لله عز وجل في خلقه آياتٍ بيناتٍ تدل على وجوده، وتشهد بربوبيته، وتنطق بوحدانيته، وتقر بصمديته؛ فمن تأمل في الكون من حوله، وأدار بصره في خلق ربه عز وجل، وأطلق فكره في كل ما رأت عيناه من صنع الله تعالى علم علم اليقين أن لهذا الكون موجدًا، وأن لهذا الخلق صانعًا حكيمًا؛ فهذه السموات المرفوعة، وهذه الأرض الممدودة، وتلك الجبال الرواسي، وتلك الأنهار الجواري، والسحاب المسخر بين السماء والأرض، ونزول الماء من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، واختلاف الأشجار والزروع والثمار، ونبات كل شيء، وفي كل ما خلق الله عز وجل دلالات بينة، وبراهين واضحة على أنه سبحانه الخالق الحكيم، والمدبر الخبير؛ ففي كل شيء له آية تدل على أنه الخالق الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يلد، ولم يكن له كفوًا أحد.

وكثيرًا ما يلفت الخالق الحكيم سبحانه أنظار عباده للتفكر في خلقه، ويدعوهم للتأمل في بديع صنعه، وكتاب الله عز وجل زاخر بالآيات التي تدعو العباد لذلك.

فمن ذلك قول الله عز وجل: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] .

وقوله سبحانه: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 3 - 5] .

وكم من آيةٍ في كتاب الله عز وجل ذكر فيها الخالق سبحانه عباده بما يستوجب عليهم شكره وعبادته، وحثهم على التفكر في أنفسهم، والتأمل في الكون من حولهم، وأمرهم بما يجب عليهم لربهم العظيم من العبادة والطاعة؛ فهو سبحانه الذي خلقهم، وخلق من قبلهم، وخلق الكون وجعل فيه الآيات والعبر.

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21 - 22] .

ويجد المتأمل في كتاب الله عز وجل أن الله سبحانه قد أنكر على الكافرين تغافلهم عن آيات الله عز وجل فيما حولهم من الكون، وأنكر عليهم عدم انتفاعهم بما فيها من دلائل وبراهين، قال عز وجل: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] .

وإن من عظيم آيات الله عز وجل في خلقه ذلك النبات العظيم الأصناف، الجميل البهيج؛ يخرجه الله عز وجل من الأرض الميتة بعد إنزال الماء عليها؛ فتصبح الأرض به مخضرة، ذات حسن وجمال، هذا النبات الذي جعل الله عز وجل فيه طعامًا للإنسان والحيوان، فيه الغذاء والدواء، وفيه منافع شتى للعباد، لا ينظر إليه عاقلٌ إلا ويجذب نظره، ويشد وعيه، ويأسر عقله، ويملأ حسه وشعوره، فينطق القلب قبل اللسان: سبحان من أخرجه فسواه، وسبحان من أنبته ونماه، وسبحان من جعله ألوانًا لا تعد، وأصنافًا لا تحصى، وسبحان من جعل فيه آيات لمن اعتبر، وذكرى لمن كان له بصر.

وفي المطالب الآتية -بإذن الله تعالى- بعض الوقفات مع النبات، وما فيه من دلالات القدرة، وبراهين العظمة، وعظيم الصنعة، التي تدل على عظيم الخالق المبدع المصور.

أولًا: الماء والإنبات:

إن من عظيم آيات الله عز وجل فيما خلق من النبات أنه سبحانه ينبت ذلك النبات من أرضٍ هامدةٍ ميتةٍ، لا حياة فيها، ينزل عليها الماء من السماء؛ فتهتز وتربوا، ويخرج سبحانه منها أصناف النبات وأنواع الأشجار، قال الله عز وجل منبهًا العباد لتلك الآية من آياته: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج: 5 - 6] .

فليتأمل العباد، وليتفكر العقلاء في تلك الآية العظيمة من آيات الله عز وجل؛ الأرض اليابسة القاحلة التي لا نبات فيها نزل عليها الماء بأمر الله سبحانه فتحركت واهتزت، وانتفخت وارتفعت، وأنبتت من أصناف الزروع والثمار، مختلفة الأشكال والألوان، متعددة الطعوم والروائح، حسنة المنظر، طيبة الريح، عظيمة النفع للعباد 15.

ونظير هذه الآية من كتاب الله عز وجل قوله سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39] .

فإنبات النبات آية من آيات الله العديدة، الدالة على وجوده وقدرته، الشاهدة على علمه وحكمته، والموجبة للإيمان به وتوحيده وعبادته، تنطق بأن خالقها عليمٌ حكيمٌ، وأنه لا يعجزه شيء، وهو على كل شيء قدير 16.

إنها لآيات عظيمة باهرة، لا يقدر عليها إلا الله تعالى {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99] .

إنه سبحانه ينزل الماء من السماء، فيخرج به من الأرض الميتة أصناف الزروع والثمار، معاشًا للخلق، ينبت سبحانه الزرع فيخرج الحب بعضه راكبًا فوق بعض، ويخرج سبحانه النخل ذات العذوق والثمار الدانية المتدلية، ويخرج سبحانه جنات الأعناب والزيتون والرمان، كلها متشابهة في الأوراق وفي منظر الثمر، وغير متشابهة في الطعم والرائحة، فانظروا أيها العباد في ذلك الثمر حين يثمر، وانظروا وتفكروا فيه حين يطيب وينضج، لتعلموا أن له خالقًا قديرًا، وصانعًا حكيمًا 17.

قال الرازي رحمه الله: «واعلم أنه تعالى لما ذكر الأرض والسماء، بين ما بينهما من شبه عقد النكاح؛ بإنزال الماء من السماء على الأرض، والإخراج به من بطنها أشباه النسل الحاصل من الحيوان، ومن أنواع الثمار، رزقًا لبني آدم؛ ليتفكروا في أنفسهم، وفي أحوال ما فوقهم وما تحتهم، ويعرفوا أن شيئًا من هذه الأشياء لا يقدر على تكوينها وتخليقها إلا من كان مخالفًا لها في الذات والصفات، وذلك هو الصانع الحكيم تعالى» 18.

إن الله تعالى وحده من خلق السماوات والأرض، وهو سبحانه وحده من ينزل الغيث للعباد، وينبت النبات والشجر، {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60] .

وإن هذه لحقيقة لا يمكن للعباد إنكارها، وإنها لآيات لا يمكن لعاقل أن يغفل عنها، يراها العباد مرارًا وتكرارًا، لا تغيب عن أعينهم، ولا تبعد عن نواظرهم، يقر بها الكبير والصغير، والعالم والجاهل، ولا يجرؤ أحد على نسبة تلك الآيات لنفسه، فالجميع يقر بأنه لا ينزل الغيث إلا الله، ولا يحيي الأرض سواه، ولو أنه سبحانه أمسك المطر عن العباد فمن ينزله؟ ولو أنه سبحانه لم يحيي الأرض فمن غيره يحييها؟ ولو أن سبحانه لم ينبت النبات فمن ينبته؟ قال الله عز وجل: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} [الواقعة: 63 - 70] .

وفي ذات السياق يقول الله عز وجل لافتًا أنظار العباد إلى عظيم صنعه وبديع خلقه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [الزمر: 21] .

فالماء ينزله الله من السماء، فإذا به ينابيع وعيون وأنهار تسير هنا وهناك، وتسيل في مسالكها متنقلة من مكان إلى مكان، ثم إذا بهذا الماء تحيى به الأرض بعد همودها، وإذا بها تهتز بالنبات الناضر البهيج المختلف الألوان والأصناف والأشكال، ثم إذا بهذا الزرع يبلغ غايته المقدرة له، فينضج للحصاد، ثم يتم جفافه فيصفر، فيغدو بعد ذلك حطامًا كأنه لم يكن زينة بالأمس؛ ولا بد أن لذلك كله صانع حكيم، ومدبر عليم 19.

إن النبات تبدأ حياته في الغالب بذرة أو نواة؛ توضع في الأرض، وتسقى بالماء؛ فتنفلق وتنبت، فمن الذي يفلقها ويشقها؟ ومن الذي يخرجها وينبتها؟ ومن الذي يرعاها ويحفظها؟

يجيب القرآن الكريم عن ذلك بقول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95] .

إنه الله اللطيف الخبير، يشق الحبة اليابسة، ويخرج منها النبتة الرطبة الخضراء اليانعة، ويخرج من النبتة الخضراء اليانعة الحبة اليابسة، والنواة الميتة، وهذا من عجيب صنعه، وبديع خلقه تعالى 20.

إن العبد إذا أطلق نظره، وأرسل فكره في ذلك النبات العجيب ازداد إيمانه، وعظمت معرفته بربه، وشعر عظم فضل الله عز وجل على خلقه؛ إذ الخالق الحكيم الرحيم لم ينبت للخلائق صنفًا واحدًا من النبات، ولم يجعل الخارج من الأرض منه على صورة واحدة، ولا على لون أو طعم واحد؛ بل جعل سبحانه النبات أصنافًا، وجعل البساتين والجنات، وأنواع الزروع والأشجار والثمار.

قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141] .

والمراد بالجنات المعروشات في الآية: ما انبسط من النبات على وجه الأرض وانتشر مما يعرش؛ كالعنب والقرع والبطيخ، وغير المعروشات: ما قام على ساق كالنخل والزرع وسائر الأشجار، وقيل: إن المعروشات ما أنبته الناس، وغير المعروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمار 21.

قال القرطبي: «وفي هذه إشارة إلى الآية السابقة الذكر أدلة ثلاثة؛ أحدها: قيام الدليل على أن المتغيرات لا بد لها من مغير، والثاني: التنبيه على المنة منه سبحانه علينا؛ فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاءً، وإذ خلقه ألا يكون جميل المنظر، طيب الطعم، وإذ خلقه كذلك ألا يكون سهل الجني؛ فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداءً؛ لأنه سبحانه لا يجب عليه شيء، والثالث: التنبيه على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب يصعد بقدرة الله الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأ فيها أوراق ليست من جنسها، وثمر خارج من صفته الجرم الوافر، واللون الزاهر، والجني الجديد، والطعم اللذيذ؛ فأين الطبائع وأجناسها؟ وأين الفلاسفة وأناسها؟ هل في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان؟ أو ترتب هذا الترتيب العجيب؟! كلا! لا يتم ذلك في العقول إلا لحيٍ عالمٍ قديرٍ مريدٍ، فسبحان من له في كل شيءٍ آية ونهاية» 22.

فما أعظم الخالق الحكيم، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فمن يخلق كخلقه؟! ومن يقدر على فعله؟! ومن له ملك كملكه؟! {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ - هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان: 10 - 11] .

ثانيًا: سقي النبات والزرع بماء واحد:

إنه من عجيب قدرة الله عز وجل في النبات والأشجار وما يخرج منها من الثمار أن الله تعالى يخرج من الأرض الواحدة، والتربة الواحدة، والتي تسقى بماء واحد، يخرج منها سبحانه أصناف الزروع والثمار، وألوان الفاكهة والطعام، فلينظر الإنسان وليتأمل فيما يخرج من قطع الأرض المتجاورة، ليرى زروعًا مختلفةً، وزهورًا يانعةً، وفاكهةً كثيرةً متنوعةً، وثمارًا عديدة، ولكل صنف منها طعمٌ مختلفٌ، ولونٌ متباينٌ، وحجمٌ متفاوتٌ، ولكل صنف منها خصائصه ومنافعه وفوائده، فسبحان من أبدعها، وسبحان من يرعاها، وسبحان من نوعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت