أولًا: المعنى اللغوي:
المال: ما ملكته من جميع الأشياء، ومال الرجل يمول مولًا ومؤولًا إذا صار ذا مال، وتصغيره مويل 1.
ويجمع على أموال، وهو مذكر ومؤنث. يقال هو المال وهي المال 2.
وفي المعجم الوسيط: «المال: كل ما يملكه الفرد أو تملكه الجماعة من متاع، أو عروض تجارة، أو عقار، أو نقود، أو حيوان» 3.
قال ابن الأثير: «المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم» 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
المال: كل ما يتمول به الناس من جميع الأصناف، كالذهب والفضة والأنعام والحرث وغيرها 5.
ورد (المال) في القرآن الكريم (86) مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
اسم مفرد ... 25 ... {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:46]
اسم جمع ... 61 ... {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) } [النساء:2]
وجاء المال في القرآن بمعناه في اللغة وهو ما يملك من الأعيان 7.
القنطار:
القنطار لغة:
اسم لمعيار يوزن. ويقال لما بلغ ذلك الوزن: هذا قنطار، أي: يعدل القنطار. والقنطار: جملة كثيرة مجهولة من المال 8.
القنطار اصطلاحًا:
المال الكثير والعقدة المحكمة الكبيرة منه 9.
قال ابن عطية: «وقد اختلف الناس في تحرير حده كم هو؟ وروي عن أبي بن كعب أنه ألف ومائتا أوقية، وقال به جماعة، وهو أصح الأقوال، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية» 10.
وجاء عند ابن جرير: أن العرب لا تحد القنطار بمقدار معلوم من الوزن، ولكنها تقول: هو قدر وزنٍ، واختار هذا القول؛ لأنه لو كان محددًا قدره عندها لم يكن بين متقدمي أهل التأويل فيه خلاف 11.
الصلة بين القنطار والمال:
القنطار هو المال الكثير الجزيل، بعضه على بعض 12.
النقود:
النقد لغة:
تمييز الدراهم، وإخراج الزيف منها وإعطاؤها، والانتقاد: قبضها. ويقال: الدرهم نقدٌ، أي: وازن جيد 13.
النقد اصطلاحًا:
العملة من الذهب أو الفضة أو غيرهما مما يتعامل به. ويعبر به عن العملة التي تكون بين أيدي الناس ويتعاملون بها.
والنقود: كل ما يدفع من أجل الحصول على السلع أو الخدمات، فيشمل ذلك العملات وتبادلها أو ما يقوم مقامها كالشيكات.
الصلة بين النقود والمال:
النقود هي الأموال المضروبة والتي صارت دنانير ودراهم، وتستعمل كوسيلة تبادل في البيع والشراء.
الذهب والفضة:
الذهب لغة:
الذهب مذكر عند العرب، وربما أنث، فقيل: هي الذهب، ويقال: ذهبة. وهو مكيال لأهل اليمن 14.
الفضة لغة:
أما الفضة فجمعها فضض، وقد اختصت بأدون المتعامل به من الجواهر 15.
قال القرطبي: «الذهب مأخوذ من الذهاب، والفضة مأخوذة من انفض الشيء إذا تفرق، وهذا الاشتقاق يشعر بزوالهما وعدم ثبوتهما كما هو مشاهد في الوجود» 16.
وهما من الجواهر النفيسة والمعادن الثمينة والتي تستخدم في سك النقود.
الذهب اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الفضة اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين الذهب والفضة والمال:
الذهب والفضة هما أصل المال. يقول ابن الأثير: «المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة» 17.
دلت نصوص القرآن الكريم على مكانة المال وأهميته الكبيرة في حياة الإنسان فردًا أو جماعة، كما أشارت إلى تأثيره في جميع أموره الدنيوية والأخروية وتظهر أهمية المال في القرآن في الآتي:
1.وصف المال بأنه قوام الحياة.
قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء:5] .
وصف الله تعالى المال في الآية الكريمة بأنه (قيامًا) أو (قوامًا) ، فالأموال هي الوسيلة التي جعلها الله للناس لتقوم بها معايشهم وتستقيم بها مصالحهم الدنيوية والأخروية «فلا يستطيع المرء أن يحافظ على حياته المادية إلا بالمال، فبه يأكل، وبه يشرب، وبه يلبس، وبه يبني مسكنه، وبه يصنع سلاحه الذي يدافع به عن نفسه وحرماته، وبه يطور حياته ويرقيها» 18.
وبالمال أيضًا يستطيع المرء القيام بكثير من فرائض الدين كالزكاة والحج والجهاد والعلم ونشره، وأعمال البر والإحسان والصلة والصدقة.
«فالأموال قوام الحياة، وسبب إصلاح المعاش، وانتظام الأمور، فبالمال تتقدم الأمم، وتبني صرح الحضارة، وبالمال يسعد الفرد والجماعة، وبه يتحقق النصر على الأعداء.
وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالًا يحاسبني الله عليه خير من أن احتاج إلى الناس. وعن سفيان وكانت له بضاعة يتاجر بها، وقيل له: إنها تدنيك من الدنيا. فقال: لئن أدنتني من الدنيا لقد صانتني عنها» 19.
2.تسمية المال خيرًا.
سمى الله تعالى المال «خيرًا» في كتابه العزيز - كما تقدم - وهذا مما يدل على مكانة المال وفضله، فهو ليس مذمومًا في ذاته، بل هو خير، وإنما المذموم هو فعل الإنسان فيه إن أساء استعماله، أو جعله غايةً ومقصودًا في ذاته فصار فكره وقلبه معلقًا به، وصارت أعماله ظاهرةً وباطنة من أجله، فشغله عما خلق لأجله، فأصبح لا يبالي من أي وجه حصل ذلك المال، ولا فيما أنفقه وصرفه، فذاك هو المذموم.
أما من طلبه من وجوهه المشروعة، ووضعه في مواضعه المشروعة، وشكر الله عليه، وجعله وسيلةً وطريقًا للتزود للآخرة والاستعانة به على مرضاة الله تعالى فهذا خيرٌ ولا شك.
يقول صلى الله عليه وسلم لعمرو ابن العاص: (نعم المال الصالح للمرء الصالح) 20.
وقد دعا صلى الله عليه وسلم خادمه أنس رضي الله عنه: (اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته) 21.
وقد وصف الله تعالى كثير من الأنبياء بالغنى والمال، كالأنبياء الذين أتاهم الله الملك، مثل يوسف عليه السلام، وداود وسليمان عليهما السلام.
قال تعالى في قصة سليمان: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ} [النمل:36] .
3.الامتنان بالمال وجعله من المثوبة العاجلة لعباد الله الصالحين في الدنيا.
وهذا مما يدل على فضل المال وأهميته ومكانته كما قال سبحانه في معرض الامتنان على بني إسرائيل: {وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} [الاسراء:9] .
وكذا امتن سبحانه على المؤمنين بما حصل يوم الأحزاب، فقال عز وجل: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [الأحزاب:27] .
وقال سبحانه وتعالى على لسان نوح إبان دعوته لقومه وتذكيره إياهم بنعم الله عليهم: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} [نوح:12] .
وامتن سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) } [الضحى: 8] .
وقال عز وجل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2 - 3] .
4.الأمر بالمحافظة على المال.
لأهمية المال جاءت الأوامر والتوجيهات القرآنية والنبوية بالمحافظة عليه، فكان تحريم التبذير والإسراف في الاستهلاك، والأمر بالاعتدال والتوسط فيه.
قال تعالى: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) } [الاسراء:26 - 27] .
وقال عز وجل: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف:31] .
وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) } [الفرقان:67] .
وقال صلى الله عليه وسلم: (كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسرافٍ ولا مخيلة) 22.
ونهى صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال فقال: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) 23.
ونحن نعيش اليوم في مجتمعٍ يوصف بالمجتمع الاستهلاكي، وتوصف حياتنا بـ (نمط الحياة الاستهلاكية) ، أي: إن الاستهلاك المفرط أصبح من سماتها البارزة. ولا يليق بالمسلم المهتدي بنور الشرع، ولا يجوز له أن يكون أسيرًا مستسلمًا للاستهلاك والسلبية، لا يفعل سوى أن يستهلك حتى يستهلك. بل لابد من التحكم العقلاني في أبواب الاستهلاك، وإغلاق ما يجب إغلاقه منها.
ومن المحافظة على المال الحجر على السفهاء.
قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5] .
وهو حجر لصالح المجتمع، وكذلك الحجر على الصغار والمجانين وكل من لا يحسن التصرف لصغر سن أو ضعف عقل.
كما أن أطول آية في القرآن الكريم نزلت في حفظ المال بكتابته والإشهاد عليه وهي آية المدانية في سورة البقرة 24.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) } [البقرة:282] .
5.جعل المال من الضرورات الخمس التي أمر الشرع بحفظها.
أجمع الفقهاء على أن المحافظة على المال من المقاصد أو المصالح الكلية الضرورية الخمس للشريعة الإسلامية، لذلك حرم السرقة وأوجب فيها الحد.
قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) } [المائدة:83] .
وفي الحديث: (كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه) 25.
6.تقديم ذكر المال على الولد في أكثر الآيات التي قرن فيها الأموال بالأولاد.
بل تقديمه على النفس في مواضع ذكر الجهاد - كما سيأتي لاحقًا - فهذا مما يدل على مكانة المال ومنزلته حتى قدم على النفس حال الجهاد، وعلى الولد في أكثر المواضع
أولًا: المال زينة محببة:
أخبر الله تعالى في آياتٍ من كتابه الكريم عما بثه في الأرض للناس من أنواع المتع وأصناف الزين والمنافع والملاذ، وما جعل فيها من المحاسن التي تكون سببًا لتعلق قلوبهم بها وميل نفوسهم إليها، وتسخيرها للخلق وتذليلها لخدمتهم؛ لتكن عونًا لهم على الطاعة والامتثال؛ وسبيلًا لشكر المنعم الواهب، وحذرهم من الاغترار بها والركون إليها، أو الانشغال بها عن الطاعة والواجب، والتشاغل بتحصيلها عن الحياة الحقيقية الباقية، التي لها يكون العمل ولأجلها يسعى الإنسان وإليها المصير وفيها المستقر.
ومن جملة تلك المتع والمنافع: (المال) الذي جبل الإنسان على حبه، وفطر على التعلق به، والحرص على اقتنائه؛ لأنه زينة من زين الحياة، تهفو إليه القلوب، وترغب فيه النفوس، وتطمع في تحصيله الهمم، وتبذل لحيازته وجمعه الجهود والأوقات، وتضيع من أجله وفي سبيله - أحيانًا - أهم الواجبات.
وقد جاء تأكيد هذا المعنى في القرآن الكريم بثلاثة أساليب:
الأسلوب الأول: التصريح بكون المال زينة محببة للإنسان:
قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران:14] .
قال الألوسي: «عبر عنها بالشهوات للإشارة إلى ما ركز في الطباع من محبتها والحرص عليها، حتى لكأنهم يشتهون اشتهاءها، أو تنبيهًا على خستها؛ لأن الشهوات خسيسة عند الحكماء والعقلاء، وفي ذلك تنفير منها» 26.
وقد فصل الشهوات المحببة للإنسان في آية آل عمران فبدأ بذكر النساء ثم البنين ثم ذكر المال، ولما ذكر المال فصل فيه فعدد أنواعه وأصنافه فأفاد ذلك أن المال من أعظم الشهوات والزين المحببة للإنسان، وأن كل نوع من أنواعه زينة قد تعلقت بها قلوب طائفة من البشر.
بدأ بالذهب والفضة فقال سبحانه: {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} والمراد: المال الكثير الجزيل، بعضه على بعض 27، فهو إشارة إلى كثرة المال وحضوره 28؛ ولذلك عبر عنه بقوله: {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ} .
والمقصود أن الإنسان يحب المال الكثير حبًا شديدًا ويرغب فيه؛ ولذا جاء التعبير عن هذا المعنى بذلك الأسلوب المبالغ فيه {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ} .
وقد صرح عزوجل بهذه الفطرة الإنسانية في مواضع أخرى من كتابه الكريم كما في قوله تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر:20] .
وقوله عزوجل {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات:8] .
وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) 29.
ويقول عليه الصلاة والسلام: (يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان: حب المال وطول العمر) 30.
وإنما كان الذهب والفضة محبوبين «لأنهما - كما يقول الرازي - جعلا ثمنًا لجميع الأشياء، فمالكها كالمالك لجميع الأشياء» 31.
وقال ابن عاشور: «الذهب والفضة شهوتان بحسب منظرهما، وما يتأخذ منهما من حلي الرجال والنساء، والنقدان منهما الدنانير والدراهم، فهو شهوة لما أودع الله في النفوس منذ العصور من حب النقود التي بها دفع أعواض الأشياء المحتاج إليها» 32.
ثم ثنى بذكر الصنف الثاني من المال وهو {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} والمقصود بها الخيل الحسان الرائعة المعلمة المعدة الراعية 33.
فالخيل بهذا الوصف محبوبة مرغوبة في العصور الماضية وما بعدها، فقد كانت وما زالت زينة محببة للإنسان، فلم ينسها ما تفنن فيه البشر من صنوف المراكب برًا وبحرًا وجوًا، فمع كل ما لديهم من وسائل، مازال للخيل قيمتها وقدرها وعشاقها، وما زال الناس يعتنون بركوب ظهور الخيل، وجر العربات بالأفراس ويقيمون المسابقات بين الخيول 34.
ثم ذكر الصنف الثالث من المال وهو {الْأَنْعَامِ} والمقصود بها المواشي من الإبل والبقر والغنم. فإن قيل: «نَعَمُ» فهو للإبل خاصة 35.
والأنعام بأنواعها زينة محببة للإنسان؛ لأنه في حاجة شديدة إليها في المركب والمطعم وغير ذلك من أمور المعاش.
قال تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) } [النحل:5 - 6] .
والأنعام - كما يقول ابن عاشور - زينة لأهل الوبر، فقد لا تتعلق شهوات أهل المدن بشدة الإقبال على الأنعام، لكنهم يحبون مشاهدتها، ويعنون بالارتياح إليها إجمالًا 36.
ثم ذكر سبحانه الصنف الرابع من المال وهو {الْحَرْثَ} والمقصود به حرث الأرض وشقها للزرع، فيشمل أنواع الفلاحة من زرع الحبوب أو الجنات.
فهذه أصناف المال التي نصت عليها الآية الكريمة. قال القرطبي: «قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصنافٍ من المال، كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس، أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار، وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك، وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي، وأما الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق، فتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول به» 37.
وقد ختم الله تعالى آية عمران بعد ذكر أصناف الزين والمشتهيات بقوله: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} أي: كل ما تقدم ذكره من أنواع الشهوات المحببة إلى النفوس إنما هو متاع يستمتع به في الدنيا أهلها ما داموا أحياء، فيتبلغون به فيها، ويجعلونه من وسائل معاشهم، وأسباب قضاء حوائجهم دون أن تكون عدة لمعادهم وقربة إلى ربهم، إلا ما أسلك في سبيله وأنفق منه فيما أمر به 38.
الأسلوب الثاني: تقديم المال على الولد في عدة مواضع من القرآن الكريم:
قرن الله تعالى في كتابه الكريم بين الأموال والأولاد في أربعة وعشرين موضعًا، قدمت فيها الأموال على الأولاد، وفي موضعين قدم الأولاد على الأموال.
قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) } [الكهف: 46] .
إضافة إلى التصريح في هذه الآية الكريمة بأن المال زينة، جاء المال فيها مقدمًا على الولد، فدل ذلك على مكانة المال في نفس الإنسان ومنزلته عنده وحبه له وتعلق قلبه به، ولا غرو في ذلك فهو زينة كما سماه الله تعالى.
قال القرطبي: «إنما كان المال زينة الحياة؛ لأن في المال جمعًا ونفعًا» 39.
وقال القاسمي: «تقديم المال على البنين لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمداد؛ ولكون الحاجة إليه أمس؛ ولأنه زينة بدونهم، من غير عكس» 40.
وقال وهبة الزحيلي: «تقديم المال على البنين مع كونهم أعز منه؛ لأنه أهم وأخطر، وأكثر تحقيقًا للحاجة والرغبة والهوى، فقد يكون البنون دون مال، ويكون البؤس والشقاء» 41.
الأسلوب الثالث: الامتنان بالإمداد بالمال:
ولا يكون الامتنان إلا بما هو مرغوب محبوب للنفس، ذو مكانةٍ ومنزلة وفضل عند الناس، لذلك امتن الله تعالى في عدد من آيات القرآن الكريم على عباده الصالحين بالإمداد بالمال.
ثانيًا: أقسام الناس تجاه شهوة المال:
وصف الله تعالى المال بأنه شهوة، وفطر الناس على حبه، وهو شهوة وزينة ليست خسيسة أو مذمومةً في ذاتها، ولا يقصد الشرع التنفير منها، إنما يريد من الناس أن يقتصدوا في طلبها، ويطلبوها من وجوهها المشروعة، ويضعوها في مواضعها المشروعة، وأن يشكروا الله عليها، وألا يجعلوها غاية مقصدهم في هذه الحياة، فالشرع لا يحارب الفطرة الإنسانية التي تشتهي المال وتحبه، إنما يهذبها ويضبطها ويرشدها لوضع المال في موضعه المناسب، حتى لا يطغى على غيره، ولا يستعمل في غير ما أراد الله تعالى له، وبذلك يسعد الإنسان في دينه ودنياه وآخرته.
قال ابن كثير: «وحب المال تارةً يكون للفخر والخيلاء والتكبر فيكون مذمومًا، وتارةً يكون للنفقة في وجوه البر فيكون محمودًا» 42.
وقال السعدي في تفسيره: «انقسم الناس بحسب الواقع تجاه هذه الشهوات إلى قسمين: