فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 2431

النوع الثامن: الشفاعة في أهل الكبائر من هذه الأمة ممن دخل النار، فيخرجون منها، ولكن هذا مقيد بأن يكون سالمًا من الشرك والكفر.

ودليل هذا النوع ما روي عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) 93.

وروي عنه رضي الله عنه في حديث الشفاعة الطويل، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم أرجع فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود، قال النبي صلى الله عليه وسلم: يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة) 94.

وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة) 95.

والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.

قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله: «إن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرت أنها لأهل الكبائر، وأنها لمن قد أدخل النار، من غير أهل النار والذين هم أهلها أهل الخلود فيها، بل لقوم من أهل التوحيد ارتكبوا ذنوبًا وخطايا، فأدخلوا النار لتصيبهم سفعًا منها» 96.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ثبت بالسنة المستفيضة بل المتواترة واتفاق الأمة: أن نبينا صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به، يطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم، وأنه يشفع لهم. ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد» 97.

فالشفاعة فضل من الله ومنة على عباده، ولكن عليهم ألا يتكلوا فيقعوا في الذنوب والمعاصي، فرب عمل عملته سخط الله عليك به، ولم يرض عنك، نسأل الله أن يوفقنا لطاعته ورضاه.

ثانيًا: الشافعون في الآخرة:

كما تقدم أن الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة، والإجماع، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، فكذلك دل القرآن على بعض أنواع الشفاعة، كما في قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) } [الإسراء: 79] .

وجمهور المفسرين على أن هذه الشفاعة هي الشفاعة العظمى، وهي خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهناك شفعاء آخرون دلت على شفاعتهم السنة النبوية، وهم كالتالي:

1.النبي صلى الله عليه وسلم.

والأدلة على شفاعته صلى الله عليه وسلم كثيرةٌ جدًا، فقد ثبت أيضًا في السنة النبوية أن سكنى المدينة والصبر على لأوائها وشظف العيش فيها سبب في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا) 98.

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها، وقال: المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنه إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة) 99.

وفي رواية أن أبا سعيد مولى المهري جاء إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرة، فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أن لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها، فقال له: ويحك لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة إذا كان مسلما) 100.

وثبت أن طلب الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان سبب في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة) 101.

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) 102.

والأدلة على شفاعته صلى الله عليه وسلم كثيرة جدًا قد تقدمت في المطالب السابقة فليرجع إليها.

2.الملائكة.

والدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) } [الأنبياء: 26 - 28] .

عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم-أو قال بخطاياهم-فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحما، أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل) 103.

وعن عطاء بن يزيد، قال: كنت جالسا إلى أبي هريرة، وأبي سعيد، فحدث أحدهما حديث الشفاعة والآخر منصت، قال: فتأتي الملائكة فتشفع وتشفع الرسل، وذكر الصراط، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأكون أول من يجيز، فإذا فرغ الله عز وجل من القضاء بين خلقه وأخرج من النار من يريد أن يخرج أمر الله الملائكة والرسل أن تشفع، فيعرفون بعلاماتهم، إن النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلا موضع السجود، فيصب عليهم من ماء الجنة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل) 104.

3.القرآن الكريم.

والدليل على شفاعة القرآن لأصحابه العاملين به ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (سورة من القرآن ثلاثون آية تشفع لصاحبها حتى يغفر له {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] ) 105.

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القرآن شافع مشفع، وما حل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار) 106.

4.الشهيد.

والدليل على أن الشهيد يشفع لأقاربه حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه) 107.

5.الصيام.

وثبت في السنة أن الصيام يشفع لصاحبه يوم القيام، كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه) ، قال: (فيشفعان) 108.

6.المصلون على الجنازة إذا كانوا أكثر من أربعين.

ومن فضل الله تبارك وتعالى أنه جعل الصلاة على الجنازة سببًا في شفاعة المصلين للمصلى عليه إن بلغوا الأربعين، وفي بعض الروايات يبلغون مائة.

فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة، كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه) 109.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان، فقال: يا كريب انظر: ما اجتمع له من الناس، قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته فقال: تقول: هم أربعون؟ قال: نعم، قال: أخرجوه، فإني سمعت رسول الله عليه وسلم يقول: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه) 110.

فهذا بعض ما وقفت عليه مما دلت عليه النصوص في إثبات أنهم يشفعون في الآخرة، وشفاعتهم كلها مقيدة برضى الله تبارك وتعالى لهم بالشفاعة ورضاه عن المشفوع له، نسأل الله تبارك وتعالى رضاه والجنة.

ثالثًا: المشفوع لهم:

لقد ورد في كتاب الله تبارك وتعالى أن الشفاعة لها شروط أساسية، منها رضا الله تبارك وتعالى لشافع أن يشفع، ومنها رضاه عن المشفوع.

قال الله تبارك وتعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] .

وقال: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .

وقال: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) } [النجم: 26] .

وقد ثبت في أحاديث كثيرة أن هناك من يشفع كالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره، كما تقدم في المطلب السابق، وهنا سيكون الحديث حول لمن تكون الشفاعة؟

وقد ثبت أن الشفاعة تكون يوم القيامة تكون لفضل القضاء وتخفيف هول الموقف، وكذلك تكون لأقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم، وتكون كذلك لأهل المعاصي الذين دخلوا النار ولكنهم موحدون، فإنه لا يبقى في النار موحد، وإنما هي دار المشركين الكافرين، وتكون أيضًا لمن رضي الله عنه من أهل الكبائر، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث أنس رضي الله عنه: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) 111.

قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله: إن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرت أنها لأهل الكبائر،، وأنها لمن قد أدخل النار، من غير أهل النار والذين هم أهلها أهل الخلود فيها، بل لقوم من أهل التوحيد ارتكبوا ذنوبًا وخطايا فأدخلوا النار، لتصيبهم سفعًا منها» 112.

وعن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج قومٌ من النار بعد ما مسهم منها سفعٌ، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة: الجهنميين) 113.

فالشفاعة هي لأهل الكبائر الذي دخلوا النار أن يخرجوا منها، ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي دعوة، فأريد إن شاء الله أن أختبي دعوتي، شفاعة لأمتي يوم القيامة) 114.

وعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل الله أهل الجنة الجنة، يدخل من يشاء برحمته، ويدخل أهل النار النار، ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه، فيخرجون منها حمما قد امتحشوا، فيلقون في نهر الحياة، أو الحيا، فينبتون فيه كما تنبت الحبة إلى جانب السيل، ألم تروها كيف تخرج صفراء ملتوية؟) 115.

وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير) 116.

فهذه الأحاديث دليل على خروج أهل الكبائر الموحدين الذين دخلوا النار بعد أن يعذبوا بقدر ذنوبهم، ويكون خروجهم بالشفاعة أو برحمة أرحم الراحمين تبارك وتعالى، سواءً كانوا من أهل الكبائر أو دون ذلك من الذنوب التي هي دون الشرك، فالذنوب وإن عظمت غير الشرك لا توجب لصاحبها الخلود في النار.

قال ابن القيم رحمه الله في عصاة الموحدين من أهل الكبائر: «هؤلاء هم القسم الذين جاءت فيهم الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم يدخلون النار، فيكونون فيها على مقدار أعمالهم: فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ويلبثون فيها على قدر أعمالهم، ثم يخرجون منها، فينبتون على أنهار الجنة، فيفيض عليهم أهل الجنة من الماء حتى تنبت أجسادهم، ثم يدخلون الجنة، وهم الطبقة الذين يخرجون من النار بشفاعة الشافعين، وهم الذين يأمر الله سيد الشفعاء مرارًا أن يخرجهم من النار بما معهم من الإيمان» 117.

وقال الطحاوي رحمه الله: «وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن كانوا غير تائبين» 118.

وكذلك ورد في الشرع كثير من الأعمال يحصل بسببها الشفاعة لأصحابها، نذكر بعض من ورد النص بالشفاعة له، فمنهم:

-أهل التوحيد المجانبين للشرك.

-أقارب الشهداء.

-صاحب القرآن العامل به.

-صاحب الصيام.

-من سكن المدينة وصبر على شدتها ولأوائها.

-من صلى على جنازته أكثر من أربعين.

-من التزم الدعاء بعد الأذان بطلب الوسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.

-وكل هذا لم يرد عليه دليل من القرآن الكريم، وإنما ثبت في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

رابعًا: المشفوع فيه:

الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع عند أهل السنة والجماعة ولم يخالفهم في ذلك إلا أهل البدع والضلال، وهي نائلة كل موحد لله تبارك وتعالى، ومن أذن الله له بالشفاعة، ولا يبقى في النار إلا الكفرة وأهل الشرك، فإن من أشرك بالله وكفر به فإنه مخلد في النار لا يخرج منها، بخلاف من كان موحدًا وإن كان من أصحاب الذنوب والمعاصي، فإنه يعذب في النار على قد معاصيه ثم يخرج إلى الجنة.

وقد أخبر الله تبارك وتعالى أهل الكفر وأنهم مخلدون، فقال سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) } [البقرة: 167] .

قال ابن جرير رحمه الله تعالى: «وفي هذه الآية الدلالة على تكذيب الله الزاعمين أن عذاب الله أهل النار من أهل الكفر منقضٍ، وأنه إلى نهاية، ثم هو بعد ذلك فانٍ؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثم ختم الخبر عنهم بأنهم غير خارجين من النار، بغير استثناء منه وقتًا دون وقت. فذلك إلى غير حد ولا نهاية» 119.

وقال القرطبي رحمه الله: «قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} دليلٌ على خلود الكفار فيها وأنهم لا يخرجون منها، وهذا قول جماعة أهل السنة، لهذه الآية، ولقوله تعالى: {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] » 120.

فهذه الآية دليل على خلود الكفار في النار، وظاهر هذا التركيب يفيد الاختصاص، كما يقول الشوكاني رحمه الله 121.

وقال ابن عادل الدمشقي: «احتج به على أن أصحاب الكبائر من أهل القبلة يخرجون من النار، فقالوا: لأن قوله: {وَمَا هُمْ} تخصيص لهم بعدم الخروج على سبيل الحصر؛ فوجب أن يكون عدم الخروج مخصوصا بهم، وهذه الآية الكريمة تكشف عن المراد بقوله: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) } [الانفطار: 14 - 16] .

فبين أن المراد بالفجار ها هنا الكفار؛ لدلالة هذه الآية الكريمة عليه، والله أعلم» 122.

قال الشنقيطي رحمه الله: «دل القرآن أن أصحاب النار هم الكفار، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) } [البقرة: 39] .

والخلود لا خروج معه، كما في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} ، إلى قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) } [البقرة: 165 - 167] .

وكقوله في سورة الهمزة: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) } [الهمزة: 3 - 8] أي: مغلقةٌ عليهم» 123.

فظهر بأن الكفرة وأهل الشرك مخلدون في النار أبد الآبدين، قد أغلقت عليهم، ففيها يتقلبون، ومن عذابها يتجرعون ويعذبون.

ثم إن للشفاعة أركانًا، فالمشفوع فيه أحد أركانها، وهو المنتفع بها، ولا بد من خلوها من الموانع الشرعية تدل بها الشفاعة، حتى تقبل فيه وهذا إن كان في الدنيا فمثل الشفاعة في الحدود إذا لم تبلغ السلطان أو كان في القصاص من القصاص إلى الدية، وإن كان في الآخرة فمثل الشفاعة في الذنوب والمعاصي مع خلو صاحبها عن الشرك والأكبر المحبط للأعمال.

ولا بد من توافر بعض شروط في المشفوع فيه حتى تقع له الشفاعة وينتفع بها وهي:

1.إذن الله تبارك وتعالى أن يشفع فيه ورضاه عنه.

فإذن الله تبارك وتعالى للشافع أن يشفع وللمشفوع أن يشفع له شرط أساسي في وقوع الشفاعة، قال رب العزة والجلال: (? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 255] .

وقال: (? ? ژ ژ ڑ) [يونس: 3] .

وقال: (? ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [سبأ: 23] .

قال القرطبي رحمه الله: «أي: أن الشفاعة لا تكون من أحد هؤلاء المعبودين من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام، إلا أن الله تعالى يأذن للأنبياء والملائكة في الشفاعة، وهم على غاية الفزع من الله» 124.

وقال سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 28] .

فلا يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذنه، ورضاه سبحانه له بالشفاعة، ولا ينتفع أحد بشفاعة أحد إلا برضا الله تبارك وتعالى عنه.

2.أن يكون المشفوع فيه من أهل التوحيد.

فهذا شرط أساسي لقبول الشفاعة؛ وذلك لورود الأدلة الصريحة الصحيحة بذلك، فالشفاعة في يوم الآخرة لا تكون إلا لأهل التوحيد المؤمنين، لأن الله تبارك وتعالى لا يرضى عن المشركين الكافرين، فهؤلاء قد أخبر عنهم بأن الشفاعة لا تنفعهم، فقال: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) } [المدثر: 48] .

وكذلك الآيات التي تبين أن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله ورضاه، فالله سبحانه لا يرضى عن المشركين والكافرين، ولا يأذن بالشفاعة لهم، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه؛ لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحل قابلا، فأما من وافى الله كافرا يوم القيامة فإنه له النار لا محالة، خالدا فيها» 125.

وقال القرطبي رحمه الله: «هذا دليل على صحة الشفاعة للمذنبين، وذلك أن قوما من أهل التوحيد عذبوا بذنوبهم، ثم شفع فيهم، فرحمهم الله بتوحيدهم والشفاعة، فأخرجوا من النار، وليس للكفار شفيع يشفع فيهم» 126.

فهنا الشفاعة منفية عن الكافرين الذين لم يكونوا من أهل التوحيد، ولم يكونوا من أهل الأعمال الصالحة.

فالأصل في وقوع الشفاعة وتحققها هو التوحيد، ومخالفة المشركين، وهذه الشفاعة من أهم الأمور التي يتميز بها أهل التوحيد عن غيرهم، والله تبارك وتعالى لا يرضى عن المشركين، وإنما رضاه لمن استقام على كتابه وسنة نبيه ووحده وأفرده بالعبادة وحده دون سواه.

خامسًا: آثار الشفاعة في الآخرة:

لا خلاف بين أهل السنة والجماعة على ثبوت الشفاعة في الآخرة، بل ووجوب الإيمان بها، وذلك لما تقدم من الآيات والأحاديث الواردة في إثبات ذلك، وبناء على ذلك فإن للشفاعة آثارًا وفوائد في الآخرة منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت