وقوله: (حَتَّى? يُؤْمِنَّ) غاية للنهي، فإذا آمن زال النهي؛ ولذلك إذا أسلم المشرك ولم تسلم زوجته تبين منه، إلا إذا أسلمت عقب إسلامه بدون تأخير 178.
والمعنى: أي: يدخلن في دين الله؛ ودخولهن في دين الله يلزم منه التوحيد.
فالحاصل أن التزويج بين الكفار والمسلمين ممنوع في جميع الصور إلا صورة واحدة، وهي تزوج الرجل المسلم بالمرأة المحصنة الكتابية، والنصوص الدالة على ذلك قرآنية كما رأيت.
والحكمة من تحريم نكاح كل كافرة تحقيق أمرين:
الأمر الأول: المفاصلة بين عباد الله المؤمنين، وأعدائهم الكافرين، في تكوين نواة الأمة، وهي الأسرة؛ لأن النواة الفاسدة تثمر نباتًا فاسدًا.
الأمر الثاني: تأكيد الولاء بين المسلمين، وتقويته في أساس الأمة، وهي الأسرة.
ولا يشكل على هذا جواز نكاح الكتابيات؛ لأنه لا ضرر على المسلم في نكاح الكتابية، فجانب الضرر على عقيدة المسلم مأمون، مع ما فيه من مصلحة للطرف الآخر، وذلك أن يبعد الكتابيات عن ملة الكفر، ويمنعهن من إظهار الكفر في بيوت أزواجهن، ويفرض عليهن إسلام الأبناء والبنات من الأزواج المسلمين، مع ما أوجبه الله على الأزواج المسلمين من إحسان عشرتهن، ومعاملتهن بالمعروف، فيكون هذا وسيلة لاستدراجهن وأقربائهن إلى الإسلام.
ومن الحكم أيضًا في تخصيص حل نكاح نساء أهل الكتاب دون غيرهم من الكفار إيجاد أرضية مشتركة ببيننا وبينهم من الإيمان بالله وبرسله وكتبه على وجه الإجمال، فكان هذا عاملًا محفزًا لدعوتهم؛ ليبين لهم الهدى فيما ضلوا فيه.
ومع هذا فمنهم من فرق بين الزواج من الكتابية في دار الإسلام ودار الحرب، فأجازه في الأول، ولم يجزه في الثاني؛ لأن الزوجة الكتابية في بلاد الحرب تكون أكثر تمسكًا بدينها، وأخلاقها وعاداتها، وأقل ميلًا إلى دين زوجها، وأخلاقه، بل إنه ليخشى على زوجها المسلم أن يتأثر بمحيط الكفر الذي يعيش فيه، ويخشى أكثر على ذريته من التدين بدين أمهم التي تربيهم عليه.
فقد ذكر القرطبي رحمه الله: أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربًا؟ فقال: «لا يحل، وتلا قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى? يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29] .
قال المتحدث: حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه -يعني: أن إبراهيم يقول بالتحريم-، وكره مالك تزوج الحربيات، لعلة ترك الولد في دار الحرب؛ ولتصرفها في الخمر والخنزير» 179.
فإن قيل: فقد قال تعالى: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [المجادلة: 22] .
والنكاح يجلب المودة؛ لقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ?) [الروم: 21] .
وقد نهانا عن مودتهم، فيجب ألا نواصلهم؟!
والجواب: قيل: المودة المنهي عنها هي الدينية لا المودة النفعية أو الشهوية، فإنا إذا أوددناهم لنفع ما، فإنما نود النفع كمودتنا لذمي يعيننا على مدافعة المشركين، فقوله: (يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) عنى بها المودة الدينية 180.
وقد أشارت الآية إلى وجه الحكمة في تحريم زواج المسلمة من الكافر حتى يسلم؛ لأن في إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها إلى دينه، والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثرون من الأفعال، ويقلدونهم في الدين، وإليه وقعت الإشارة في آخر الآية بقوله عز وجل: (أُولَ?ئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) لأنهم يدعون المؤمنات إلى الكفر، والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار؛ لأن الكفر يوجب النار، فكان نكاح الكافر المسلمة سببًا داعيًا إلى الحرام، فكان حرامًا.
وحرمة زواج المسلمة بغير المسلم -من كتابي أو مشرك- مبنية على أن الزوج له القوامة على المرأة، والتوجيه للحياة الأسرية، وأن أولاده منها ينسبون إليه، وينشئون على دينه، ويتبعونه في الأحكام قبل سن التكليف، وهذا إجحاف بالزوجة، والذرية، بخلاف زواج المسلم من كتابية؛ فالإسلام يضمن لها حرية البقاء على دينها، لكن أولاده منها يحكم لهم بالإسلام.
كما أن الكتابية حين تقترن بمسلم تقترن بزوج يؤمن بنبيها، وسائر أنبياء الله، ولا يفرق بين أحد منهم، في حين أن الكتابي من يهودي أو نصراني لا يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنه خاتم الأنبياء، فكيف يسوغ أن يجمعه عقد واحد، ويظله سقف واحد مع مسلمة؟!
وقوله: (وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ) أي: امرأة مؤمنة حرة؛ لأن سبب نزولها العيب على من تزوج أمة، وترغيبه في نكاح حرة مشركة (خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) هذه الجملة تعليل للنهي عن نكاح المشركات، مؤكدة بلام الابتداء؛ وقوله تعالى: (خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ) أطلق الخيرية؛ ليعم كل ما كان مطلوبًا في المرأة.
ووقع في الكشاف: حمل الأمة على مطلق المرأة؛ لأن الناس كلهم إماء الله وعبيده 181، وهذا باطل من جهة المعنى، ومن جهة اللفظ، أما المعنى: فلأنه يصير تكرارًا مع قوله: (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ) ؛ إذ قد علم الناس أن المشركة دون المؤمنة، وبقيت المقصود من التنبيه على شرف أقل أفراد أحد الصنفين على أشرف أفراد الصنف الآخر.
وأما من جهة اللفظ: فلأنه لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة، ولا إطلاق العبد على الرجل إلا مقيدين بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم: يا عبد الله، ويا أمة الله، وكون الناس إماء الله وعبيده إنما هو نظر للحقائق، لا للاستعمال، فكيف يخرج القرآن عليه 182.
وجملة: (أُولَ?ئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) تعليل لما سبق؛ والمشار إليه فيها أهل الشرك، أي: يدعون الناس إلى النار بأقوالهم وأفعالهم وأموالهم؛ حتى إنهم يبنون المدارس والمستشفيات، ويلاطفون الناس في معاملتهم خداعًا ومكرًا؛ ولكن قد بين الله نتيجة عملهم في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ? وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى? جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال: 36] .
وقيل: معناه يدعون إلى ترك المحاربة والقتال، وفي تركهما وجوب استحقاق النار.
وقيل: المعنى أن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيوافق، فيكون من أهل النار، والذي يدل عليه ظاهر الآية: أن الكفار يدعون إلى النار قطعًا، إما بالقول، وإما أن تؤدي إليه الخلطة والتآلف والتناكح، والمعنى: أن من كان داعيًا إلى النار يجب اجتنابه لئلا يستميل بدعائه معاشره فيجيبه إلى ما دعاه فيهلك.
وفي هذه الآية تنبيه على العلة المانعة من المناكحة في الكفار، لما هم عليه من الالتباس بالمحرمات من: الخمر والخنزير، والانغماس في القاذورات، وتربية النسل، وسرقة الطباع من طباعهم، وغير ذلك مما لا تعادل فيه شهوة النكاح في بعض ما هم عليه، وإذا نظر إلى هذه العلة فهي موجودة في كل كافر وكافرة، فتقتضي المنع من المناكحة مطلقًا 183.
وفي الآية دلالة من باب أولى على النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع؛ لأنه إذا لم يجز التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة، فالخلطة المجردة من باب أولى، وخصوصًا الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم، كالخدمة ونحوه 184.
وقوله: (وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) أي: سرتكم، ونالت إعجابكم في جمالها، وخلقها ومالها وحسبها، وغير ذلك من دواعي الإعجاب. وفيه تنبيه على دناءة المشركات، وتحذير من تزوجهن، ومن الاغترار بما يكون للمشركة من حسب أو جمال أو مال.
وضمير: (وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) يعود إلى المشركة، (وَلَوْ) وصلية للتنبيه على أقصى الأحوال التي هي مظنة تفضيل المشركة، فالأمة المؤمنة أفضل منها حتى في تلك الحالة 185. فإن قيل: كيف جاءت الآية بلفظ: (خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ) مع أن المشركة لا خير فيها؟ فالجواب من وجهين:
الأول: أنه قد يرد اسم التفضيل بين شيئين، ويراد به التفضيل المطلق، أي: مجرد الوصف -وإن لم يكن في جانب المفضل عليه شيء منه-، كما قال تعالى: (. أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) [الفرقان: 24] .
الثاني: أن المشركة قد يكون فيها خير حسي من جمال ونحوه؛ ولذلك قال تعالى: (وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) فبين سبحانه وتعالى أن ما قد يعتقده ناكح المشركة من خير فيها، فإن نكاح المؤمنة خير منه 186.
والمقصود أن من لم يستطع تزوج حرة مؤمنة فليتزوج أمة مؤمنة خير له من أن يتزوج حرة مشركة، فالأمة هنا هي المملوكة، والمشركة الحرة بقرينة المقابلة بقوله: (وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ) فالكلام وارد مورد التناهي في تفضيل أقل أفراد هذا الصنف على أتم أفراد الصنف الآخر، فإذا كانت الأمة المؤمنة خيرًا من كل مشركة، فالحرة المؤمنة خير من المشركة بدلالة فحوى الخطاب التي يقتضيها السياق؛ ولظهور أنه لا معنى لتفضيل الأمة المؤمنة على الأمة المشركة، فإنه حاصلٌ بدلالة فحوى الخطاب لا يشك فيه المخاطبون المؤمنون؛ ولقوله: (وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) فإن الإعجاب بالحرائر دون الإماء.
رغب القرآن الكريم في صور من النكاح نوضحها فيما يأتي:
أولًا: نكاح العفيفات المؤمنات:
حث الإسلام على الزواج من الحرة المؤمنة في حالة الطول، أي: القدرة على نكاح الحرة.
قال تعالى: (مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ? وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ? بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ? فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ?) [النساء: 25] .
وذلك أن الحرة تحصنها الحرية؛ وتعلمها كيف تحفظ عرضها، وكيف تصون حرمة زوجها، فهن محصنات هنا لا بمعنى متزوجات؛ ولكن بمعنى حرائر، محصنات بالحرية وما تسبغه على الضمير من كرامة، وما توفره للحياة من ضمانات.
فالحرة ذات أسرة وبيت وسمعة ولها من يكفيها، وهي تخشى العار، وفي نفسها أنفة وفي ضميرها عزة، فهي تأبى السفاح والانحدار، ولا شيء من هذا كله لغير الحرة 187.
وحذر من التزوج من الإيماء، وفي التحذير من نكاح الإيماء وجوهٌ، منها:
-أن الولد يتبع الأم في الحرية والرق، فيصير الولد رقيقًا، وقد قيل: أي: حر تزوج بأمةٍ فقد رق نصفه، يعني: يصير ولده رقيقًا؛ ولهذا قال الله تعالى: (وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ) أي: عن نكاح الإماء.
-أن الأمة تكون قد تعودت الخروج والبروز والمخالطة للرجال، وصارت في غاية الوقاحة، وربما تعودت الفجور.
-أن حق المولى عليهم أعظم من حق الزوج، ولا تخلص للزوج كخلوص الحرة، وربما احتاج الزوج إليها جدًا، ولا يجد إليها سبيلًا لحبس السيد لها.
-أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول بيع الأمة يوجب طلاقها تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يسافر المولى بها وبولدها، وذلك من أعظم المضار.
-أن مهرها ملك لمولاها، فلا تقدر على هبته لزوجها، ولا إبرائه بخلاف الحرة، فلهذه الوجوه لم يؤذن في نكاح الأمة إلا على سبيل الرخصة 188. ومن ثم فهي ليست محصنة، وحتى إذا تزوجت فإن رواسب من عهد الرق تبقى في نفسها، فلا يكون لها الصون والعفة والعزة التي للحرة، فضلًا على أنه ليس لها شرف عائلي تخشى تلويثه، مضافًا إلى هذا كله أن نسلها من زوجها كان المجتمع ينظر إليهم نظرة أدنى من أولاد الحرائر، فتعلق بهم هجنة الرق في صورة من الصور، وكل هذه الاعتبارات كانت قائمة في المجتمع الذي تشرع له هذه الآية.
فلهذه الاعتبارات كلها آثر الإسلام للمسلمين الأحرار ألا يتزوجوا من غير الحرائر، إذا هم استطاعوا الزواج من الحرائر، وجعل الزواج من غير الحرة رخصة في حالة عدم الطول، مع المشقة في الانتظار 189.
فقال الله تعالى في هذه الآية: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا) (وَمَن) هنا شرطية، وهو الظاهر، ويجوز أن تكون موصولة 190.
والطول: الغنى والسعة، ويطلق على العلو، مصدر طال طولًا، وهو مفعول (يَسْتَطِعْ) أو مصدر له؛ لتقارب معناهما، و (أَن يَنكِحَ) بدل منه على الأول، أو مفعول به على الثاني، أي: لأن ينكح 191.
والطول يستلزم المقدرة على المناولة؛ فلذلك يقولون: تطاول لكذا أي: تمطى ليأخذه، ثم قالوا: تطاول بمعنى: تكلف المقدرة (وأين الثريا من يد المتطاول) فجعلوا لطال الحقيقي مصدرًا (بضم الطاء) وجعلوا لطال المجازي مصدرًا (بفتح الطاء) وهو مما فرقت فيه العرب بين المعنيين المشتركين 192.
فدل قوله: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا) على أن الحرائر كانت مهورهن أعلى من مهور الإماء، فيأخذ منه من طرف خفي مشروعية مهر المثل، فللحرائر سنة في الصداق، وللإماء سنة في الصداق، أي: قدر معين، وهذا القدر ليس بثابت، بل هو يختلف من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان.
ودلت الآية على أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين؛ وهما:
-ألا يجد مهر حرة، ولا ثمن أمة.
-وأن يخاف العنت 193.
ومع هذا فالصبر عن نكاحهن أفضل لما فيه من تعريض الأولاد للرق، ولما فيه من الدناءة والعيب، وهذا إذا أمكن الصبر، فإن لم يمكن الصبر عن المحرم إلا بنكاحهن وجب ذلك؛ ولهذا قال: (وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ?) .
وقوله: (لْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) المراد بالمحصنات: الحرائر، بدليل مقابلتهن بالمملوكات، فإن حريتهن أحصنتهن عن ذل الرق والابتذال وغيرهما من صفات القصور والنقصان 194.
وقد وصف المحصنات هنا بالمؤمنات جريًا على الغالب، ومعظم علماء الإسلام على أن هذا الوصف خرج للغالب، ولعل الذي حملهم على ذلك أن استطاعة نكاح الحرائر الكتابيات طول إذ لم تكن إباحة نكاحهن مشروطة بالعجز عن الحرائر المسلمات، وكان نكاح الإماء المسلمات مشروطًا بالعجز عن الحرائر المسلمات، فحصل من ذلك أن يكون مشروطًا بالعجز عن الكتابيات أيضًا بقاعدة المساواة.
وعلة ذلك أن نكاح الأمة يعرض الأولاد للرق، فلذلك ألغوا الوصف هنا، وأعملوه في قوله: (مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ?) وشذ البعض فاعتبروا رخصة نكاح الأمة المسلمة مشروطة بالعجز عن الحرة المسلمة، ولو مع القدرة على نكاح الكتابية، وكأن فائدة ذكر وصف المؤمنات هنا أن الشارع لم يكترث عند التشريع بذكر غير الغالب المعتبر عنده، فصار المؤمنات هنا كاللقب في نحو: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) 195196.
والمعنى: ومن لم يجد طول حرة أي: ما يتزوج به الحرة المسلمة فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم) فلينكح امرأة، أو أمة من النوع الذي ملكته أيمانكم (مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ?) حال من الضمير المقدر في ملكت الراجع إلى (ما) أي: من إمائكم المسلمات 197.
وظاهر هذه الآية الكريمة أن الأمة لا يجوز نكاحها ولو عند الضرورة إلا إذا كانت مؤمنة، بدليل قوله: (مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ?) فمفهوم مخالفته أن غير المؤمنات من الإماء لا يجوز نكاحهن على كل حال، وهذا المفهوم يفهم من مفهوم آية أخرى، وهي قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ?) [المائدة: 5] .
فإن المراد بالمحصنات فيها: الحرائر على أحد الأقوال، ويفهم منه أن الإماء الكوافر لا يحل نكاحهن، ولو كن كتابيات 198.
والذي يظهر من جهة الدليل -والله تعالى أعلم- جواز وطء الأمة بملك اليمين، وإن كانت عابدة وثن، أو مجوسية؛ لأن أكثر السبايا في عصره صلى الله عليه وسلم كفار العرب وهم عبدة أوثان، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم وطأهن بالملك لكفرهن، ولو كان حرامًا لبينه 199.
قال ابن القيم في (زاد المعاد) ما نصه: «ودل هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين، فإن سبايا أوطاس لم يكن كتابيات، ولم يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، مع أنهم حديثو عهد بالإسلام، ويخفى عليهم حكم هذه المسألة وحصول الإسلام من جميع السبايا، وكن عدة آلاف بحيث لم يتخلف منهن عن الإسلام جارية واحدة، مما يعلم أنه في غاية البعد، فإنهن لم يكرهن على الإسلام، ولم يكن لهن من البصيرة والرغبة والمحبة في الإسلام ما يقتضي مبادرتهن إليه جميعًا، فمقتضى السنة، وعمل الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده جواز وطء المملوكات على أي دين كن، وهذا مذهب طاووس وغيره، وقواه صاحب (المغني) فيه ورجح أدلته» 200.
وفي قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم) تأنيس بنكاح الإماء، وإزالة الاستنكاف منه، أي: أعلم بتفاضل ما بينكم، وبين أرقائكم في الإيمان، فربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة، وإيمان المرأة من إيمان الرجل، فلا ينبغي للمؤمن أن يطلب الفضل والرجحان إلا باعتبار الإيمان والإسلام، لا بالأحساب والأنساب.
ولهذا قال: (بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) أي: أنتم وأرقاؤكم متناسبون، نسبكم من آدم، ودينكم الإسلام، كما قيل 201:
الناس من جهة التمثال أكفاء
أبوهمُ آدم والأم حواء
فبينكم وبين أرقائكم المؤاخاة الإيمانية، والجنسية الدينية، لا يفضل حر عبدًا إلا برجحان في الإيمان، وقدم في الدين 202.
والخطاب في (بِإِيمَانِكُم) للمؤمنين ذكورهم وإناثهم، حرهم ورقهم، وانتظم الإيمان في هذا الخطاب، ولم يفردن بذلك، فلم يأت -والله أعلم-: (بِإِيمَانِهِنَّ) ؛ لئلا يخرج غيرهن عن هذا الخطاب. والمقصود: عموم الخطاب؛ إذ كلهم محكوم عليه بذلك 203.
والإضافة في قوله: (أَيْمَانُكُم) وقوله: (مِّن فَتَيَاتِكُمُ) ؛ للتقريب، وإزالة ما بقي في نفوس العرب من احتقار العبيد والإماء، والترفع عن نكاحهم وإنكاحهم، وكذلك وصف المؤمنات، وإن كنا نراه للتقييد، فهو لا يخلو مع ذلك من فائدة التقريب؛ إذ الكفاءة تعتمد الدين أولًا 204.
والضمير في قوله: (فَانكِحُوهُنَّ) أي: المملوكات. وذكر بعد الأمر بنكاحهن بيان كيفية ذلك، فقال: (بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) وشرط الإذن لئلا يكون سرًا وزنًا؛ ولأن نكاحهن دون ذلك اعتداء على حقوق أهل الإماء.
ومعنى: (أَهْلِهِنَّ) أي: سيدهن واحدًا أو متعددًا. وفي اشتراط إذن الموالي دون مباشرتهم للعقد إشعار بجواز مباشرتهن له.
والأهل هنا بمعنى: السادة المالكين، وهو إطلاق شائع على سادة العبيد في النصوص الشرعية، وهو من مصطلحات القرآن تلطفًا بالعبيد، كما وقع النهي أن يقال: أطعم ربك، وضئ ربك، اسق ربك، بل يقال: سيدي مولاي، ولا: يقال عبدي أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي 205، ووقع في حديث بريرة: (فذهبت إلى أهلها) 206 وأبوا إلا أن يكون الولاء لهم.
والآية دليل على ولاية السيد لأمته، وأنه إذا نكحت الأمة بدون إذن السيد فالنكاح مفسوخ، ولو أجازه سيدها، واختلف في العبد: فقيل: هو كالأمة، وقيل: إذا أجازه السيد جاز، ويحتج بها لاشتراط أصل الولاية في المرأة احتجاجًا ضعيفًا، واحتج بها على عكس ذلك؛ إذ سمى الله ذلك إذنًا، ولم يسمه عقدًا، وهو احتجاج ضعيف؛ لأن الإذن يطلق على العقد، لا سيما بعد أن دخلت عليه باء السببية المتعلقة بـ (انكحوهن) 207.
فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده، ليس لعبده أن يتزوج إلا بإذنه، كما جاء في الحديث: (أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر) 208 أي: زانٍ.
وقوله تعالى: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: ولو كن إماء، فإنه كما يجب المهر للحرة فكذلك يجب للأمة. وإضافة الأجور إليهن دليل على أن الأمة أحق بمهرها من سيدها؛ ولذلك قال مالك في كتاب الرهون من المدونة: إن على سيدها أن يجهزها بمهرها 209.
وليعلم أنه لا يجوز نكاح الإماء إلا إذا كن (مُحْصَنَاتٍ) أي: عفيفات عن الزنا (غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) أي: زانيات علانية (وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) أي: أخلاء في السر. بهذه الشروط التي ذكرت في الآية.
وقوله: (ذَ?لِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ ?) أي: خاف الزنا، وهو في الأصل انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر أعظم من موافقة الاسم بأفحش القبائح، وإنما سمى الزنا به؛ لأنه سبب المشقة بالحد في الدنيا، والعقوبة في العقبى.
ثم ختم الآية بقوله: (وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ) أي: إذا استطعتم الصبر مع المشقة إلى أن يتيسر له نكاح الحرة؛ فذلك خير؛ لئلا يوقع أبناءه في ذل العبودية المكروهة للشارع لولا الضرورة؛ ولئلا يوقع نفسه في مذلة تصرف الناس في زوجه 210. وختم هذه الآية بقوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) بهذين الاسمين الكريمين (الغفور والرحيم) لكون هذه الأحكام رحمةً بالعباد، وكرمًا وإحسانًا إليهم، فلم يضيق عليهم، بل وسع غاية السعة. ولعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات، يغفر الله بها ذنوب عباده، كما ورد بذلك الحديث: (ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له) 211.
ثانيًا: إنكاح الأيامى والصالحين:
أمر الله تعالى بتزويج الأيامى والصالحين من العبيد، فقال: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى? مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ? إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [النور: 32] .
والمعنى: زوجوا من لا زوج له من الأحرار والحرائر، أي: من الرجال والنساء، والمراد بذلك مد يد المساعدة بكل الوسائل حتى يتسنى لهم ذلك، كإمدادهم بالمال، وتسهيل الوسائل التي بها يتم ذلك الزواج والمصاهرة.
والخطاب في قوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى) لكل من تصور أن ينكح في نازلة ما، فهم المأمورون بتزويج من لا زوج له. فهو خطاب للأولياء أن ينكحوا أيامهم من أكفائهن، إذا دعون إليه؛ لأنه خطاب خرج مخرج الأمر الحتم؛ فلذلك يوجه إلى الولي دون الزوج. وقد يكون خطاب للأزواج أن يتزوجوا الأيامى عند الحاجة 212.
وقرئ: (من عبيدكم) والجمهور على (عِبَادِكُمْ) والمعنى واحد، إلا أن قرينة الترفيع بالنكاح يؤيد قراءة الجمهور.