وهذا هو منهج جميع الأنبياء عليهم السلام: فقد قال الله تعالى عن نوح عليه السلام: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) } [المؤمنون:23] .
وقال الله تعالى عن هود عليه السلام: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) } [الأعراف:65] .
وقال الله تعالى عن صالح عليه السلام: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) } [هود:61] 35.
وكان أهل مدين على دين إبراهيم عليه السلام الذي هو الإسلام، هو دين جميع الأنبياء، ولكنه لم يطل بهم العهد حتى غيروا دينهم الحق، وكفروا بالله، وعبدوا غير الله، وانحرفوا عن الصراط المستقيم، فغرتهم الحياة الدنيا ومتاعها الفاني، فقد كانوا أصحاب تجارة وسلع.
وكانوا على الطريق التجارية الكبيرة بين اليمن والشام، وبين العراق ومصر على ساحل البحر الأحمر، ولكن حب المال سيطر على قلوبهم وأعماهم عن اتباع الحق، فقد كانوا يعبدون الأيكة، وزيادة على كفرهم وضلالهم فقد كانوا ينقصون المكيال والميزان ويطففون فيهما، أي: يأخذون مع الزيادة، ويدفعون مع النقصان، ويأكلون المال الحرام.
ولم يكتفوا بهذه المعاملة السيئة، بل كانوا يقطعون الطريق على المارة، ويتعرضون للقوافل، فيتوعدونها ويخيفونها ويعيثون في الأرض فسادًا 36.
1.دعوته إلى الفضيلة.
وذلك من خلال دعوته إلى الخير والمعروف، فقد أخذ نبي الله شعيب عليه السلام يبسط لقومه في الكلام وهو يدعوهم للمعروف وينهاهم عن المنكر والفساد، فأراد أن يخرجهم من التعلق بالدنيا وزخارفها ويبين لهم أن أخذ المال وجمعه بالحلال خير لهم من أخذه بالظلم والخيانة وبطرق الحرام، فقال لهم برفق وحكمة: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ? ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?85?وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ? وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ? وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ?86?) [الأعراف:85 - 86] .
وقال: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ? وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) [هود:86] .
و (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أي: أي ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم إن كنتم مؤمنين من أخذ أموال الناس بالتطفيف والظلم والخيانة، ويقال (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) ، أي: مراقبة الله خير لكم 37.
وقال الراغب هو: «ما يبقى ثوابه للإنسان من الأعمال، والصحيح أنها كل عبادة يقصد بها وجه الله تعالى» 38.
والقليل من الحلال الطيب خير من الكثير من الحرام الخبيث، وذلك لأن الحلال مبارك فيه وإن قل، والحرام ممحوقٌ لا بركة فيه وإن كثر، كما قال تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) [البقرة:276] .
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الربا وإن كثر، فإن عاقبته تصير إلى قُلٍّ) 39.
2.النهي عن أشد الرذائل فُشُوًّا فيهم.
كانت هناك بعض المنكرات التي يمارسها قوم النبي شعيب عليه السلام والتي نهاهم عنها وهي:
الأول: النهي عن التلاعب بالمكاييل والموازيين في الأخذ والعطاء.
من خلال الآيات يلاحظ أن النبي شعيبًا عليه السلام أمر قومه بالوفاء بالمكاييل والموازيين أولًا، وذلك يكون بالاستقامة في الأخذ والإعطاء، ثم نهاهم عن نقصان المكاييل والموازيين زيادة في التأكيد على ذلك، وكانت هذه المعصية قد فشت فيهم في ذلك الزمن وفحشت مع كفرهم الذي نالتهم الرجفة بسببه.
الثاني: النهي عن بخس الناس أشياءهم.
والبخس في المعاملة هو: النقص والظلم والتقليل، ومعناه لا تظلموا الناس حقوقهم التي يجب عليكم أن توفوهم إياها، و {أَشْيَاءَهُمْ} أي: أموالهم وأمتعتهم مما يكال أو يوزن، وحقوقهم 40.
والنهي في قوله تعالى: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} ، عام يتناول كل حق يدخله البخس والنقص سواء أكان ذلك من الأشياء المادية أو المعنوية 41.
وقد فشا كلٌّ من هذا النوع في هذا العصر، مما أدى الى انهيار الاقتصاد، فكثير من التجار باخسون، مطففون فيما يبيعون وما يشترون، وكثير من المشتغلين بالعلوم والآداب والسياسة بخاسون لحقوق بنى جلدتهم، مُدَّعونَ للتفوق عليهم، منكرون لما خص الله به سواهم من المزايا والخصائص حسدًا عليهم وبغيًا، فيدخلون في عموم حكم الآية وهو تحريم بخس الناس أشياءهم بمختلف أنواعها 42.
الثالث: النهي عن الفساد في الأرض والعتو فيها.
ذكر الله تعالى على لسان شعيب عليه السلام أنه نهى قومه عن الفساد في الأرض بقوله: {وَلَا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف:85] .
وقوله تعالى: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) } [هود:85 - 86] .
وقوله عز وجل: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [العنكبوت:36] .
{وَلَا تُفْسِدُوا} لفظ عام يتناول جميع أنواع الفساد دقيقه وجليله، وهو نهي شامل لكل ما يمس نظام المجتمع بالظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وإفساد الأخلاق والآداب: بارتكاب الإثم والفواحش، وإفساد العمران بالجهل وعدم النظام 43.
وكذلك الإصلاح لفظ عام: والمفسرون نَصُّوا على أن الإشارة إلى الكفر بالفساد، وإلى النبوءات والشرائع بالإصلاح 44.
والمعنى: ولا تعملوا في أرض الله بمعاصيه، وما كنتم تعملونه قبل أن يبعث الله إليكم نبيه، من عبادة غير الله، والإشراك به، وبخس الناس في الكيل والوزن (بعد إصلاحها) ، يقول: بعد أن أصلح الله الأرض بالأمر بالعدل وإرسال الرسل وابتعاث النبي شعيب فيكم، ينهاكم عما لا يحل لكم، وما يكرهه الله لكم 45.
{ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، فيه إشارة إلى كل ما تقدم من أمر ونهي، أي: هو خير لكم في دينكم ودنياكم، لا تكليف إعنات، فربكم لا يأمركم إلا بما هو نافع لكم، ولا ينهاكم إلا عما هو ضار بكم، وهو على كل حال غني عنكم، ولو شاء لأعنتكم، ولكنه رحيم لا يفعل ذلك، ومعنى الخيرية إما الزيادة مطلقًا أو في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال، وإنما تتحقق لكم خيرية ما ذكر إن كنتم مؤمنين بوحدانيته وصفاته تعالى، وبرسوله وما جاءكم به عنه سبحانه من الدين والشرع، وسيأتي تعليل ذلك بعد بيان ما قيل في هذا الإيمان 46.
الرابع: النهي عن قطع الطريق.
قال عليه السلام: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} [الأعراف:86] .
نهى النبي شعيب عليه السلام قومه عن قطع الطريق الحِسِّيِّ والمعنوي؛ لأنهم كانوا يتوعدون الناس بالقتل، إن لم يعطوهم أموالهم؛ لأنهم كانوا عشارين، وذلك من قبيل بخسهم ونقصهم الكيل والوزن، وهذا نهي للعشارين ونحوهم من أخذ أموال الناس بالباطل، والسلب وقطع الطريق.
كما أنه نهاهم عن القعود على الطرقات التي توصل إليه، مخوفين من يجيئه، ليرجع عنه قبل أن يراه ويسمع دعوته، وصدهم من وصل إليه وآمن به بصرفه عن الثبات على الإيمان والاستقامة على الطريق الموصلة إلى سعادة الدارين، وابتغاؤهم جعل سبيل الله المستقيمة معوجة بالطعن وإلقاء الشبهات المشككة فيها أو المشوهة لها، وهم بعلمهم هذا ارتكبوا ضلالتين: التقليد والعصبية للآباء والأجداد، وضلالة الغلو في الحرية الشخصية التي أباحت لهم الطعن في الأديان حتى بلغوا في ذلك حد الطغيان 47.
قام النبي شعيب بدعوة قومه إلى عبادة الله وتوحيده الذي هو الأساس للإصلاح الاجتماعي والاقتصادي؛ ذلك أن إصلاح الحياة الاجتماعية والاقتصادية يكون بإقامة القسط والعدل في الموازين والمكاييل، والحفاظ على الحقوق، والقيام بحق الأمانة في التعامل، وترك الإفساد في الأرض، واستئصال سبب المنازعات والخلافات بين الناس، وإشاعة المحبة والمودة بينهم 48.
بينه النبي شعيب عليه السلام في قوله تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} .
ذهب جمهور المفسرين إلى أن الله تعالى قد أقام الحجج والبينات على صدق ما جاءهم به شعيب، مما يتبين به الحق من الباطل، ومن المفسرين من فسر البينة بالحجة والبرهان والمعجزة المحسوسة ذهابًا إلى أن النبي لما كان يدعو إلى شرع يوجب قبوله، فلا بد من دليل يعلم صدقه به، وما ذاك إلا المعجزة- قال: إن معجزة شعيب لم تذكر في القرآن، وليست كل آيات الأنبياء مذكورة في القرآن، يعني: دعوته وإرشاده.
لأنه لا بد لمدعي النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه، وإلا لم تصح دعواه، وكان متنبئًا لا نبيًا، غير أن معجزته لم تذكر في القرآن الكريم، كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيه 49.
يؤيد هذا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثلها آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليًّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) 50.
أي: إن كل نبي مرسل أعطاه الله من الآيات الدالة على صدقه وصحة دعوته ما شأنه أن يؤمن البشر على مثله 51.
وقال بعض المفسرين: عني بالبينة مجيء شعيب، وأنه لم تكن له آية إلا النبوة، ولا يخفى أن البينة أعم من المعجزة بعرفهم، فكل من أبطلت شبهة ضلاله، وأظهرت له حجة الحق الذي يدعى إليه فقد جاءته البينة؛ لأن حقيقة البينة كل ما يبين الحق، فتشمل المعجزات الكونية والبراهين العقلية، والأمم القديمة لم تكن تذعن إلا لخوارق العادات 52.
قال سيد قطب: «ولا يذكر السياق نوع هذه البينة-كما ذكرها في قصة صالح-ولا نعرف لها تحديدًا من مواضع القصة في السور الأخرى، ولكن النص يشير إلى أنه كانت هناك بينة جاءهم بها، تثبت دعواه أنه مرسل من عند الله، ويرتب على هذه البينة ما يأمرهم به نبيهم من توفية الكيل والميزان، والنهي عن الإفساد في الأرض، والكف عن قطع الطريق على الناس» 53.
[شعيب: معالم نصح شعيب عليه السلام لقومه]
أولًا: جواب مدين وكيف واجهوا دعوته:
تبين الآيات الآتية جواب قوم شعيب شعيبًا عليه السلام، وكيف واجهوا دعوته.
قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ} ، إلى قوله: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) } [الأعراف:85 - 90] .
وقال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} إلى قوله: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) } [هود:84 - 93] .
وقال تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) } إلى قوله: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) } [الشعراء:176 - 188] .
ومن خلال هذه الآيات يتبن أن رد أهل مدين على شعيب عليه السلام عما أمرهم به كان متنوعًا بين رد خطاب بخطاب والرد بالاستهزاء والإهانة والتكذيب، والرد بالتهديد بالطرد والتهجير، والرد بالتهديد بالقتل على النحو الآتي:
يبين القرآن الكريم أن قوم شعيب ردُّوا خطاب النبوة والرحمة والهداية بخطاب فيه السخرية والاستهزاء والتكذيب بما لا يليق بنبي مرسل لقومه على النحو الآتي:
أما ردهم على أمرهم بعبادة الله وحده، فقالوا: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} ، أي: هل صلاتك التي تكثر منها تأمرك بترك عبادة آبائنا وأجدادنا، وهي عبادة الأوثان والأصنام، وهذا منهم على سبيل الاستهزاء والسخرية، فهم مصرون على تقليد أسلافهم في الوثنية.
وأما الرد على ترك البخس (النقصان) في الكيل والميزان فقالوا: {أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} ، أي: وهل صلاتك تأمرك أن نترك فعل ما نريد فعله؟، ومقصودهم أن مطلبه بالعدل وأداء الزكاة منافٍ لسياسة تنمية المال وتكثيره، وهو حَجْرٌ وتقييد لحريتهم الاقتصادية.
واختلف في معنى «الصلاة» هنا، فقالت فرقة: أرادوا الصلوات المعروفة، وروي أنَّ شعيبًا عليه السلام كان أكثر الأنبياء صلاة، وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة، وقيل: أرادوا قراءتك، وقيل أرادوا: أمساجدك؟ وقيل: أرادوا: أدعواتك، وقيل: دينك الذي تدين به وأمرت باتباعه؛ لأن أصل الصلاة الاتباع، ومنه أخذ المَصْلِي في الخيل.
قال القاضي أبو محمد: وأقرب هذه الأقوال الأول والرابع، وجعلوا الأمر من فعل الصلوات على جهة التجوز، وذلك أن كل من حصل في رتبة من خير أو شر ففي الأكثر تدعوه رتبته إلى التزيد من ذلك النوع، فمعنى هذا: ألما كنت مصليا تجاوزت إلى ذم شرعنا وحالنا؟ فكأن حاله من الصلاة جَسَّرَتْهُ على ذلك فقيل: أمرته، كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45] 54.
{تَأْمُرُكَ} فيه وجهان: أحدهما: تدعوك إلى أمرنا، الثاني فيها: أن تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا يعني من الأوثان والأصنام.
{أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} ، فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: ما كانوا عليه من البخس والتطفيف.
الثاني: الزكاة، كان يأمرهم بها فيمتنعون منها، قاله زيد بن أسلم وسفيان الثوري.
الثالث: قطع الدراهم والدنانير؛ لأنه كان ينهاهم عنه، قاله زيد بن أسلم 55.
قال سيد قطب: «ولقد كانت الجاهليات- كما هي اليوم- تفصل بين العقيدة والعبادات، وبين الشرائع والمعاملات من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن قوم شعيب: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} ومن ثم يربط السياق القرآني بين قواعد التعامل في المال والتجارة والبيع والشراء، وبين هذا المعرض الخاص بالعقيدة، للدلالة على طبيعة هذا الدين، وتسويته بين العقيدة والشريعة، وبين العبادة والمعاملة، في أنها كُلَّها من مقومات هذا الدين، المرتبطة كلها في كيانه الأصيل» 56.
أجابهم شعيب بما يحسم أطماعهم بقوله: {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) } [هود:88 - 90] .
أخبروني يا قوم إن كنت على بصيرة من ربي فيما أدعو إليه، ورزقني منه رزقا حسنا، وهو النبوة والحكمة، ولا أنهاكم عن الشيء وأقع في المنهي عنه، ولا أريد إلا إصلاحكم بمقدار استطاعتي، وليس توفيقي في إصابة الحق فيما أريده إلا بالله وهدايته وعونه، وعليه توكلت في جميع أموري، ومنها تبليغ رسالتي، وإليه أنيب وأرجع. وهذا دليل على ثبات شعيب على المبدأ وإخلاص الدعوة، دون أن يخشى من قومه سوءًا.
قال تعالى: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) } [هود:87] .
{إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} ، فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم قالوا ذلك استهزاء به، قاله قتادة.
الثاني: معناه أنك لست بحليم ولا رشيد على وجه النفي، قاله ابن عباس.
الثالث: أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد على وجه الحقيقة وقالوا أنت حليم رشيد فلم تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ والحلم والرشد لا يقتضي منع المالك من فعل ما يشاء في ماله 57.
{قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} [هود:91] ، أي: ما نفهم ما تقول، ومنه سمي علم الدين فقهًا؛ لأنه مفهوم، وفيه وجهان: أحدهما: ما نفقه صحة ما تقول من البعث والجزاء، الثاني: أنهم قالوا ذلك إعراضًا عن سماعه واحتقارًا لكلامه 58.
ولم ينفعهم هذا الأسلوب أيضا، فلجئوا إلى الإهانة والتهديد، قائلين: يا شعيب، ما نفهم كثيرًا من قولك، مع أنه خطيب الأنبياء، وأنت واحد ضعيف، ولولا رهطك أو عشيرتك وقرابتك لرجمناك بالحجارة، وليس لك معزة ولا تكريم.
ويشبه هذا الذي ردوا به على نبيهم ما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) } [فصلت:5] .
{وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود:91] .
{وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} فيه سبعة تأويلات: