أولًا: المعنى اللغوي:
يرجع أصل الترهيب إلى الفعل الثلاثي (رهب) بالكسر يرهب رهبةً، ورهبًا بالضم ورهبًا بالتحريك، أي: خاف، ورهب الشيء رهبًا ورهبًا ورهبةً: خافه، والاسم الرّهب والرّهبى والرّهبوت والرهبوت، يقال: رجلٌ رهبوتٌ بفتح الهاء أي: مرهوب، وأرهبه واسترهبه أخافه 1.
قال تعالى: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] . أي: تخوفونهم.
قال تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40] . أي: فخافون، الرهبة والرهب مخافة مع تحرز واضطراب، وتعني: الخوف والفزع، قال سبحانه: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ} [الحشر: 13] .
فيرجع معنى الترهيب إلى التخويف بالعقاب والفزع والاضطراب 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرّفه عبد الرحمن النحلاوي بتعريفين:
«وعيد وتهديد بعقوبة تترتب على اقتراف إثم أو ذنب، مما نهى الله عنه، أو التهاون في أداء فريضة مما أمر الله به» .
وعرّفه أيضًا بقوله: «تهديد من الله يقصد به تخويف عباده، وإظهار صفة من صفات الجبروت والعظمة الإلهية؛ ليكونوا دائمًا على حذر من ارتكاب الهفوات والمعاصي» 3.
وقيل: «وعيد وتهديد من الله سبحانه و تعالى بعقوبة عاجلة أو آجلة؛ لتخويف العباد من اقتراف الذنوب والمعاصي، أو التهاون في أداء الفرائض التي أمر الله بها» 4.
فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي؛ إذ يرجع معنى الترهيب لغة إلى التخويف بالعقاب والفزع والاضطراب.
وردت مادة (رهب) في القرآن الكريم (12) مرة، يخص موضوع البحث منها (8) مرات 5.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 1 ... {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} [الأعراف:116]
الفعل المضارع ... 2 ... {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) } [الأعراف:154]
فعل الأمر ... 2 ... {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) } [البقرة:40]
مصدر ... 3 ... {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} [القصص:32]
وجاء (الترهيب) في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو الخوف والفزع، أو مخافة مع تحرز واضطراب 6، ومنه قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء:90] . يعني: طمعًا وخوفًا 7.
التخويف:
التخويف لغة:
الإخافة، وهو إدخال الخوف في نفس المخاطب 8.
التخويف اصطلاحًا:
إدخال الفزع في قلب المخاطب 9؛ حثًّا على التّحرّز من ارتكاب محظور 10.
الصلة بين الترهيب والتّخويف:
الترهيب أعم من التخويف، فالترهيب يكون بالتخويف وبغيره.
التهديد:
التهديد لغة:
التّخويف 11، والتوعّد بالعقوبة 12.
التهديد اصطلاحًا:
زعزعة أمن المخاطب بالوعيد 13، وتخويفه بأمر مكروه مفسد لحاله.
الصلة بين الترهيب والتهديد:
التهديد: الوعيد والتّخويف بالعقوبة 14، فيتعلق بالعقوبة المحققة لمن أعرض عن الإنذار، والترهيب أعم.
الوعيد:
الوعيد لغة:
التّهديد بالشّرّ 15.
الوعيد اصطلاحًا:
إنذار بما سيحدث من دمار ونكبات 16.
الصلة بين الترهيب والوعيد:
الوعيد يكون حاصلًا عن غضبٍ، قد يسكن ويزول 17 بزوال سببه، أما الترهيب فهو أعم.
الترغيب:
الترغيب لغة:
يقول الراغب الأصفهاني: «والرّغبة والرّغب والرّغبى: السّعة في الإرادة» 18، والرغبة إرادة الشيء والسعة في الإرادة، فإذا قيل: رغب فيه وإليه؛ اقتضى الحرص عليه إذا أراده، والرغيبة العطاء الكثير لكونه مرغوبًا فيه.
الترغيب اصطلاحًا:
«وعد من الله سبحانه و تعالى لعباده فيه تحبيب وإغراء بمصلحة، أو لذة أو متعة عاجلة أو آجلة، يتبعه حرص وإرادة، مقابل القيام بعمل صالح أو ترك عمل سيء؛ طاعة لله سبحانه و تعالى» 19.
الصلة بين الترهيب والترغيب:
أن الترهيب فيه إثارة للخوف والقلق، ويؤثّر في النفس تنغيصًا، بينما الترغيب يعزز الأمن والاطمئنان، ويؤثر في النفس سرورًا، وعليه فإن اللفظين متضادان.
إنّ المتدبر لآيات القرآن الكريم يجد أنّ أسلوب الترهيب جاء على أربعة أنواع:
أولًا: أن يأتي الترهيب في آية واحدة مستقلة:
وقع هذا النوع في كثير من الآيات القرآنية التي جاء الترهيب فيها بآية مستقلة بذاتها، مثل قوله تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51] .
يقول الشنقيطي في تفسيره: «نهى اللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة جميع البشر عن أن يعبدوا إلهًا آخر معه، وأخبرهم أنّ المعبود المستحقّ لأن يعبد وحده واحدٌ، ثمّ أمرهم أن يرهبوه، أي: يخافونه وحده؛ لأنّه هو الّذي بيده الضّرّ والنّفع، لا نافع ولا ضارّ سواه» 20، ومن الأمثلة على هذا النوع أيضًا قوله تعالى في سورة النمل: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 90] .
ذكر الشوكاني ما أجمع عليه أهل التأويل في بيانه لهذه الآية: «إنّ المراد بالسّيّئة هنا الشّرك، ووجه التّخصيص قوله: {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} فهذا الجزاء لا يكون إلّا بمثل سيّئة الشّرك، ومعنى: {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} أنّهم كبّوا فيها على وجوههم وألقوا فيها وطرحوا عليها، يقال: كببت الرّجل: إذا ألقيته لوجهه فانكبّ وأكبّ، وجملة {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} بتقدير القول: أي: يقال ذلك، والقائل: خزنة جهنّم، أي: ما تجزون إلّا جزاء عملكم» 21، ومن الآيات الدالة على هذا النوع قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة: 20] .
فهذا نوع من أنواع الترهيب إلى أولئك الذين فسقوا وخرجوا عن طاعة الله، فهؤلاء مقرّهم النار التي جمعت الشقاء والعذاب، فكلما ظنوا بأنهم سوف يخرجون منها أعيدوا وردّوا للعذاب مرة أخرى، واشتد عليهم الكرب، فيقال لهم -إذلالًا وإهانة-: ذوقوا العذاب الذي كنتم تكذبون به في دنياكم بسبب إنكاركم البعث والحساب 22.
ثانيًا: أن يأتي الترهيب في آيتين متتابعتين:
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} [النمل: 3 - 6] .
يقول الإمام الطبري: «إن الذين لا يصدّقون بالدار الآخرة، وقيام الساعة، وبالمعاد إلى الله بعد الممات والثواب والعقاب، {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} يقول: حبّبنا إليهم قبيح أعمالهم، وسهّلنا ذلك عليهم. {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} يقول: فهم في ضلال أعمالهم القبيحة التي زيّناها لهم يتردّدون حيارى يحسبون أنهم يحسنون» 23، فكان جزاء هؤلاء العذاب كالقتل والأسر في الدنيا، وفي الآخرة كانوا أشد الناس خسارة لفوات المثوبة واستحقاق العقوبة 24.
وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان: 6 - 7] .
« {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي} ما يلهي عن طاعة الله، ويصد عن سبيله، مما لا خير ولا فائدة فيه {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: ليضل الناس عن طريق الهدى، ويبعدهم عن دينه القويم، بغير حجة ولا برهان {وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} أي: ويتخذ آيات الكتاب المجيد سخرية واستهزاءً، وهذا أدخل في القبح، وأغرق في الضلال {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} أي: لهم عذاب شديد مع الذلة والهوان {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا} أي: وإذا قرئت عليه آيات القرآن {وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا} أي: أعرض وأدبر متكبرًا عنها كأنه لم يسمعها، شأن المتكبر الذي لا يلتفت إلى الكلام، ويجعل نفسه كأنها غافلة {كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا} أي: كأن في أذنيه ثقلًا وصممًا يمنعانه عن استماع آيات الله {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: أنذره يا محمد بعذاب مؤلمٍ، مفرطٍ في الشدة والإيلام، ووضع البشارة بأشد العذاب» 25.
وهكذا نجد أن القرآن الكريم ذكر آيات كثيرة في كتابه تندرج تحت هذا النوع من أنواع الترهيب؛ حتى يكون المسلم على حذرٍ من الوقوع في أي معصية أو ذنب، يستحق بسببهما العذاب سواء في الدنيا أو الآخرة.
ثالثًا: أن يأتي الترهيب في مقطع قرآني:
قال تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} [النبأ: 21 - 30] .
يقول الزحيلي في تفسيره: « {مِرْصَادًا} موضع رصد، يرصد فيه خزنة النار للطّاغين الكافرين، الذين طغوا بمخالفة أوامر ربهم، {مَآبًا} مرجعًا ومأوى، لابثين مقيمين، {أَحْقَابًا} دهورًا لا نهاية لها، جمع حقب، وواحدها حقبة، وهي مدة مبهمة من الزمان، {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا} برودة الهواء، ويطلق أيضًا على النوم، {وَلَا شَرَابًا} أي: ما يشرب تلذذًا لتسكين العطش، {إِلَّا حَمِيمًا} الحميم: الماء الحارّ الشديد الغليان، {وَغَسَّاقًا} قيح وصديد أهل النار الدائم السيلان من أجسادهم، {جَزَاءً وِفَاقًا} أي: جوزوا بذلك جزًاء موافقًا لأعمالهم وكفرهم، فلا ذنب أعظم من الكفر، ولا عذاب أعظم من النار، {لَا يَرْجُونَ} لا يخافون أو لا يتوقعون {حِسَابًا} محاسبة على أعمالهم لإنكارهم البعث، {بِآيَاتِنَا} القرآن {كِذَّابًا} تكذيبًا كثيرًا، {وَكُلَّ شَيْءٍ} أي: من الأعمال {أَحْصَيْنَاهُ} ضبطناه، {كِتَابًا} أي: ضبطناه بالكتابة، {فَذُوقُوا} أي: فيقال لهم في الآخرة عند وقوع العذاب عليهم: ذوقوا جزاءكم، {فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} أي: فوق عذابكم» 26.
ومن الأمثلة على الترهيب في مقطع قرآني، ما وصفه الله سبحانه وتعالى من العذاب لأهل النار، في قوله تعالى في سورة الواقعة: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} [الواقعة: 41 - 44] .
يقول جلال الدين المحلي: « {فِي سَمُومٍ} ريح حارّة من النّار تنفذ في المسامّ {وَحَمِيمٍ} ماء شديد الحرارة {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} دخان شديد السّواد، {لَا بَارِدٍ} كغيره من الظّلال {وَلَا كَرِيمٍ} حسن المنظر» 27.
وبعد هذه الآيات ذكرت لنا السورة أسباب استحقاق هؤلاء الكفار للعذاب في أنهم كانوا منعّمين بالحرام في الدنيا، وكانوا يصرّون على الشرك بالله، وأنكروا البعث والجزاء، ثم جاءت الآيات لتصف لنا أنواعًا أخرى من العذاب، فقال سبحانه وتعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} [الواقعة: 51 - 56] .
يقول القاسمي في تفسيره: « {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ} أي: الجاهلون المصرّون على جهالاتهم، والجاحدون للبعث، {لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ} وهو من أخبث شجر البادية في المرارة، وبشاعة المنظر، ونتن الريح {فَمَالِئُونَ} منها {الْبُطُونَ} أي: من ثمراتها الوبيئة البشعة المحرقة، {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ} أي: الماء الذي انتهى حره وغليانه، {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} أي: الإبل التي بها الهيام، وهو داء لا ريّ معه؛ لشدة الشغف والكلب، بها {هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} أي: جزاؤهم في الآخرة» 28.
رابعًا: أن يأتي الترهيب في سورة قرآنية:
من أنواع الترهيب في القرآن الكريم ما جاء في سورة قرآنية، مثل ما جاء في سورة الهمزة.
قال سبحانه وتعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} [الهمزة: 1 - 9] .
يقول الطبري: « {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ} الوادي يسيل من صديد أهل النار وقيحهم، {لِكُلِّ هُمَزَةٍ} : لكل مغتاب للناس، {الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ} ولم ينفقه في سبيل الله، ولم يؤدّ حق الله فيه، ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه، يحسب أن ماله الذي جمعه وأحصاه وبخل بإنفاقه مخلّده في الدنيا، فمزيل عنه الموت، ثم أخبر -جلّ ثناؤه- أنه هالك ومعذّب على أفعاله ومعاصيه التي كان يأتيها في الدنيا، فقال -جل ثناؤه-: {لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ} ليقذفنّ يوم القيامة في الحطمة، والحطمة: اسم من أسماء النار، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ} وأيّ شيء أشعرك يا محمد ما الحطمة، ثم أخبره عنها ما هي، {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} يقول: التي يطلع ألمها ووهجها القلوب، {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ} يعني: على هؤلاء الهمازين اللمازين {مُؤْصَدَةٌ} : مطبقة، {عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} أنهم يعذّبون بعمد في النار، والله أعلم كيف تعذيبه إياهم بها» 29.
من خلال ما سبق بيانه، ظهر لنا أنّ القرآن الكريم استخدم أنواع الترهيب المختلفة في كتابه، وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على أنّ القرآن الكريم لم يغفل هذا الجانب؛ لأهميته في حياة المسلم، وأثره الكبير في استقامة الإنسان على طاعة ربه وامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ كي ينجو من العذاب الذي أعدّه الله سبحانه وتعالى لمن عصاه وأشرك به، ويفوز بالجزاء العظيم، والنعيم المقيم الذي أعدّه لعباده المتقين.
يسعى الشيطان جاهدًا ليوقع الإنسان في الضلال والغواية، ويجعله يرتكب جرائم عديدة، أخطرها تلك التي تتعلق بحق الله سبحانه و تعالى، كالكفر والشرك والنفاق، وقد رهّب سبحانه و تعالى من هذه الجرائم ورتّب عليها عقوبات زاجرة؛ حتى تكون مانعة للإنسان من الوقوع فيها، فإن الشرك خطره كبير، فهو من أكبر الكبائر، ومن أعظم الظلم، فهو سبب في عدم مغفرة الذنب، كذلك النفاق أشد خطرًا من الكفر والشرك، وقد جاءت الآيات القرآنية تحذّر من الوقوع فيه، وقد توعّد الله سبحانه و تعالى المنافقين بالعذاب الشديد يوم القيامة، وإن الكفر من الجرائم المتعلقة في حق الله سبحانه وتعالى؛ لأنه منافٍ للإيمان، ومحبط للعمل، فقد رتّب الله سبحانه و تعالى على مرتكبي هذه الجرائم أشد العقوبات وأبشعها؛ لأنها من الأعمال السيئة؛ كي تكون رادعة للإنسان في حياته الدنيا وزاجرة له، وسوف نتحدث في هذه السطور عن مجالات الترهيب في القرآن كالكفر والشرك والنفاق، والأعمال السيئة والعقاب:
أولًا: الكفر:
إنّ الكفر والشرك والنفاق من الجرائم المتعلقة بحق الله سبحانه وتعالى.
ولذا فقد رهّب الله سبحانه وتعالى من هذه الأمور، ورتّب عليها العقوبات، وهذا ما سنتحدث عنه:
ويعدّ الكفر من الجرائم المتعلقة بحق الله؛ لأنه منافٍ للإيمان، وقد ذم الله سبحانه و تعالى الكفر.
وبيّن سوء عاقبته على الكافرين في كثير من آيات القرآن الكريم، وتوعّدهم بالعذاب والهلاك، ومن صور الوعيد ما يلي:
1.العذاب الأليم.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] .
بيّن سبحانه و تعالى حال أولئك الكافرين ومصيرهم، فهم يكفرون بآيات الله، وهي الدلائل الواضحة، وما بعث به رسله، ويقتلون مع ذلك النبيين بغير حق ولا سبب موجب للقتل، ويقتلون الذين يأمرونهم من أتباع الأنبياء المؤمنين الصالحين، فكان مصيرهم العذاب أليم 30.
2.العذاب المهين.
قال تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة: 90] .
توعّد الله سبحانه وتعالى الكافرين بالعذاب المهين وهو الذي يهين صاحبه ويذله في الدنيا والآخرة؛ وذلك بسبب كفرهم بالله وما أنزل على رسله 31.
3.الضلال المبين.
قال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136] .
{وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، وبمحمد وما جاء به من عند الله.
يقول السعدي في تفسيره: «واعلم أن الكفر بشيء من هذه المذكورات، كالكفر بجميعها؛ لتلازمها وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض» 32.
وقد بيّن سبحانه و تعالى جزاء من يكفر بهذه المذكورات {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} فإنه يعني: فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار عن محجّة الطريق إلى المهالك؛ لأن كفر من كفر بذلك، خروجٌ منه عن دين الله الذي شرعه لعباده، والخروج عن دين الله فيه الهلاك والبوار، وفيه الضلال عن الهدى 33.
4.لعنة الله والملائكة على الكافرين.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [البقرة: 161] .
يقول ابن كثير في تفسيره: «ثم أخبر تعالى عمن كفر به، واستمر به الحال إلى مماته بأنّ {عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي: في اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي لا يخفّف عنهم العذاب فيها، أي: لا ينقص عما هم فيه، ولا هم ينظرون، أي لا يغيّر عنهم ساعة واحدة ولا يفتر، بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك» 34، وقال سبحانه و تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا} [الأحزاب: 64] .
5.شراب الكافرين من الحميم.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 4] .
يخبر سبحانه و تعالى عن أولئك الذين جحدوا وحدانية الله، ورسالة رسوله صلى الله عليه وسلم، بأن لهم شرابًا من ماء حارٍّ شديد الحرارة، يشوي الوجوه ويقطّع الأمعاء، ولهم عذاب موجع بسبب كفرهم وضلالهم 35.
6.الكافرون لا مولى لهم، ولا ناصر ينصرهم.
قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11] .