فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 2431

وقد جاء القرآن الكريم يفند هذه الترهات، حيث قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص 27] .

يقول النحاس: «كانوا يقولون: ليست ثم عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يسعدان باللذات وغصب الأموال، والمظلوم يشقى؛ لأنهما يصيران إلى شيء واحد، فرد الله جل وعز هذا عليهم بأنه ما خلق السماء والأرض وما بينهما باطلًا لأن الذي ادعوه باطل وذلك منهم ظن» 40.

ومن ثم فقد ذكر الله تعالى في كتابه الحكيم صفاتًا ممدوحة لعباده المؤمنين منها: أنهم يقولون: أن خلق الله تعالى للسماوات والأرض كله حكمة، وأنه لا يصدر عنه سبحانه أي نقص ولا عيب كاللهو والعبث، كما في قوله: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .

قال الزمخشري: «المعنى: ما خلقته خلقًا باطلًا بغير حكمة، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك» 41.

وقد أكد البيضاوي تلك الحكم وفصل بعضها قائلًا: «بل خلقته لحكم عظيمة من جملتها: أن يكون مبدأ لوجود الإنسان، وسببًا لمعاشه، ودليلًا يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك لينال الحياة الأبدية والسعادة السرمدية في جوارك» 42.

فمنشأ هذا الفساد في الاعتقاد عند الكفار: هو سوء ظنهم بالله تعالى؛ ولهذا جاء الله تعالى على لسانهم بالقول {سُبْحَانَكَ} بعد النفي السابق؛ لينزهوه وأفعاله عن سوء ظن الكافرين.

وبين الفينة والأخرى تطل هذه الأفكار المبطلة للدين علينا برأسها، فينجر خلفها من حدث سنه، ولم تجثو ركبتاه طويلًا في طلب العلم النافع، فيستزلهم الشيطان، بالرغم من أن دواءهم في بضع آيات ونصوص كريمة عظيمة.

قلنا فيما سبق إن القرآن الكريم نفى البطلان عن أفعال الله تعالى، ونفى كذلك الباطل عن القرآن نفسه، وسبب النفي لبطلانه قائم على نفس الأصل السابق، من كون القرآن كلام الله تعالى، وهو صفة من صفاته الكاملة؛ إذن كلماته التي هي جزء من صفة الكلام له كاملة.

قال تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] .

يقول ابن كثير: «أي: ليس للبطلان إليه سبيل؛ لأنه منزلٌ من رب العالمين؛ ولهذا قال: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} أي: حكيم في أقواله وأفعاله، حميد بمعنى محمود، أي: في جميع ما يأمر به وينهى عنه الجميع، محمودة عواقبه وغاياته» 43.

وقد ورد عن قتادة قوله في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} في الآية التي قبلها تماما: «أعزه الله لأنه كلامه، وحفظه من الباطل» 44.

ولقد ذكر الماوردي أنهم اختلفوا في الباطل على خمسة معاني هي: إبليس أو الشيطان أو التبديل أو التعذيب أو التناقض والاختلاف 45.

ورجح الطبري أن معناها: «لا يستطيع ذو باطل بكيده تغييره بكيده، وتبديل شيء من معانيه عما هو به، وذلك هو الإتيان من بين يديه، ولا إلحاق ما ليس منه فيه، وذلك إتيانه من خلفه» 46.

ولقد تكفل ربنا سبحانه بحفظ كتابه كما ذكر في مواضع كثيرة، منها قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .

إنا للقرآن حافظون من كل ما قد يزاد فيه أو ينقص منه من باطل سواء كان الشيطان أو غيره؛ فأحكامه وفرائضه محفوظة بحفظ الله الذي خص هذا الكتاب المجيد بها من دون الكتب الأخرى، التي أوكل حفظها للرهبان والقساوسة لحكمة بالغة 47.

-يتنوع الإبطال بين المدح والذم، فتارة يكون ممدوحًا، وتارة يكون مذمومًا، ومن ذلك:

أولًا: الإبطال المحمود:

1.إبطال الباطل.

يقول الحق تبارك وتعالى: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 8] .

وقد سبق أن إبطال الباطل يكون بإعدامه ومحقه بكل أشكاله وصوره، كما قلنا إن إحقاق الحق يعني إظهاره 48، بإظهار دلائله وتقويته، وقمع رؤساء الباطل وقهرهم 49.

وهذا جواب لسؤال قد يعرض مفاده: إن الحق حقٌ لذاته، والباطل باطل لذاته، إذن ما المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل؟

فالكثير من الرعاع يغره انتفاخ الباطل، إذ إنه لا ينظر بعين الحق والعلم، بل بميزان المادة، وبالتالي فإنه من الضروري لمثل هؤلاء أن يبطل الباطل، وتطمس رايته وتنكس، وكثير من هؤلاء ينبغي الأخذ بأيديهم ببيان بطلان الباطل وأهله لهم، وإلا ضلوا وتاهوا في زخارف الباطل.

2.إبطال السحر.

فهذا موسى صلى الله عليه وسلم يثق بموعود الله تعالى له بمنع آثار ما صنع الكفرة من السحرة، حيث قال الله تعالى عنه: {فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81] .

«أي سيمحقه بالكلية بما يظهره على يدي من المعجزة فلا يبقى له أثرٌ أصلًا أو سيظهر بطلانه للناس، والسين للتأكيد» 50.

والجملة «استئنافية لبيان ما يوقن به موسى من مآل هذا السحر، ويجوز أن تكون خبرًا لما قبلها، ويكون التقدير: ما جئتم به الذي هو السحر، إن الله سيبطله بما جئت به من الحق، وعلل حكمه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} وهو قاعدة عامة مبينةٌ لسنة الله في تنازع الحق والباطل، والصلاح والفساد، ويدخل فيها سحرهم فإنه باطلٌ وفساد، أي لا يجعل عمل المفسدين صالحًا، والسحر من عمل فرعون وقومه المفسدين» 51.

وبمتابعة ما حدث مع موسى عليه السلام، وبمتابعة الآيات الأخرى لمعرفة صحة اليقين الذي اعتمد عليه سيدنا موسى عليه السلام، سنجد النصر والمعية الربانية الكاملة لموسى عليه السلام؛ فقد أخبرنا الله تعالى بخبر مفاده: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 118] .

نعم إنه جندي الله المبعوث منه سبحانه، فكيف لا يؤيده بنصره، وهل يصح الإيمان ويبقى منه شيء إن لم يكن جازمًا بتلك المعية وذلك التأييد؟!.

فصفة الشك وعدم اليقين بنصر الله تعالى هي من صفات المنافقين، كما بينه تعالى في غزوة الخندق، عندما حوصر المؤمنون والمنافقون في المدينة، وازداد الخوف وبلغت القلوب الحناجر من شدة الخوف، حتى ظهرت صفات المنافقين فقال الله عنهم: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب: 10] .

وهكذا يجب على المسلمين اليوم إزالة ما تلبد على مشاعرهم الإيمانية، فموعود الله تعالى بهزيمة الباطل وأهله مرتبطة بقوة إيمانهم، وتغييرهم ما فيهم من الباطل، وحينها سيكون النصر لا محالة حليفنا، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] .

ثانيًا: الإبطال المذموم:

الأعمال الصالحة:

جاء التوجيه الإلهي لعباده المؤمنين باجتناب ما يحبط ثواب عملهم من ترك طاعة الله ورسوله، وفعل ما يشبه فعل الكفار، ومن ذلك قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] .

ولقد ذكر العلماء بعض ما يبطل الثواب على اختلاف بينهم، من الكفر والرياء والسمعة والكبائر 52.

فالله تعالى يخبر «عمن كفر وصد عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى: أنه لن يضر الله شيئًا، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضةٍ من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات» 53.

ثم صرح سبحانه بمبطل لثواب الأعمال وخاصة الصدقات، وهو الرياء والمن والأذى عند التصدق، حيث قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] .

وفائدة هذا التمثيل البليغ في الآية لتقريب الصورة الذهنية لتصبح واقعًا محسوسًا، وبالتالي يقوم المؤمن بتجرع مرارته نفسيًا قبل حصوله، حتى لا يتذوقه واقعًا في آخرته.

يقول الخازن: «الرياء يبطل الصدقة ولا تكون النفقة مع الرياء من فعل المؤمنين، لكن من فعل المنافقين؛ لأن الكافر معلن بكفره غير مراء به {فَمَثَلُهُ} أي مثل هذا المرائي بصدقته وسائر أعماله {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} هو الحجر الأملس الصلب، وهو واحد وجمع، فمن جعله جمعًا قال واحده صفوانة، ومن جعله واحدًا قال: جمعه صفي. {عَلَيْهِ تُرَابٌ} أي: على ذلك الصفوان تراب {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} يعني المطر الشديد العظيم القطر {فَتَرَكَهُ صَلْدًا} يعني ترك المطر ذلك الصفوان صلدًا أملسًا لا شيء عليه من ذلك التراب، فهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن المنان بصدقته يؤذي الناس، يرى الناس أن لهؤلاء أعمالًا في الظاهر، كما يرى التراب على الصفوان، فإذا جاء المطر أذهبه وأزاله، وكذلك حال هؤلاء يوم القيامة، تبطل أعمالهم وتضمحل؛ لأنها لم تكن لله تعالى كما أذهب الوابل ما على الصفوان من التراب» 54.

-لقد وصف القرآن الكريم مجموعة من السلوكيات الناتجة عن الأفراد أو الجماعات بالبطلان، سواء كانت صادرة من كافر أم من مسلم، فلا فرق بين الفاعلين في وصف بعض أفعالهم بالبطلان، ومن تلك السلوكيات:

أولًا: أكل أموال الناس بالباطل:

لقد نهى الله تعالى الناس عن الظلم فحرمه أشد تحريم، ورتب عليه العقوبات الجسيمة، والعذاب الشديد، وجعل ظلم العباد فيما بينهم لا يسقط فيه الحق بالتقادم، حتى يمتنع الإنسان عن ظلم أخيه؛ فقد فطر الإنسان على الأنفة من طلب المسامحة من الغير، والذي هو من شروط التوبة في الاعتداء على حقوق العبيد، ولقد بين القرآن العظيم إحدى صور الظلم بين الناس، ألا وهي: أكل أموالهم بينهم بالباطل والظلم.

وتتعدد طرق أكل الباطل من: «الإغارة ومن الميسر، ومن غصب القوي مال الضعيف، ومن أكل الأولياء أموال الأيتام واليتامى، ومن الغرر والمقامرة، ومن المراباة» 55، والرشوة المحرمة والخيانة بأشكالها المختلفة، ومنها الغش والنصب، وغير ذلك 56.

ومن خلال تتبع الآيات التي نهت عن الصور السابقة يتبين أنها ترتسم في ثلاث مراحل، هي:

المرحلة الأولى: بيان أن أكل الأموال بالباطل من صفات كفرة أهل الكتاب.

تعددت حالات أكل أهل الكتاب لأموال الناس بالباطل كما ذكر القرآن الكريم؛ حيث قال تعالى عنهم: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 161] .

ومن تلك الحالات الكثيرة الرشاوى التي كانوا يأخذونها على الحكم، كما قال تعالى عنهم: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 62] .

يقول البغوي: «وأكلهم أموال الناس بالباطل، من الرشا في الحكم، والمآكل التي يصيبونها من عوامهم، عاقبناهم بأن حرمنا عليهم طيباتٍ، فكانوا كلما ارتكبوا كبيرةً حرم عليهم شيءٌ من الطيبات التي كانت حلالًا لهم» 57.

ومن تلك الحالات أيضًا التي أكلوا فيها أموال الناس بغير حق: أنهم كانوا يكتبون الكتب ويقولون بأنها موحاة من الله تعالى؛ لتأخذ قدسية دينية، كما قال سبحانه عنهم: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] .

«كان من أكلهم أموال الناس بالباطل، ما كانوا يأخذون من أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ثم يقولون: {هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، وما أشبه ذلك من المآكل الخسيسة الخبيثة، فعاقبهم الله على جميع ذلك، بتحريمه ما حرم عليهم من الطيبات التي كانت لهم حلالًا قبل ذلك» 58.

المرحلة الثانية: التحذير من مشابهة أهل الكتاب في أكل الأموال بالباطل.

يقول الله تعالى مخاطبًا المؤمنين بخبر مفاده النهي عن المشابهة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] .

ويلفت انتباهنا الشعراوي إلى مجموعة من اللطائف، منها: أن الأكل للمال يكون بشراء الطعام والشراب به، وليس أكل المال نفسه، وهذا من الاستعارة - والذي يظهر أنه لا يمنع من أنهم كانوا يأخذون أنواعًا من الأطعمة والأشربة جزاء الرشاوى، فهي أيضا تسمى مالًا-؛ كذلك يبين أن أكل المال قسمان: أكلٌ بالحق وأكلٌ بالباطل -كما هو حال بعض الأحبار والرهبان هنا-، ويبين ذلك قائلًا: «هناك أكلًا من أموال الناس بالحق في عمليات تبادل المنافع، فالتاجر يأخذ مالك ليعطيك بضاعة، ويذهب التاجر ليشتري بها بضاعة وهكذا، وقانون الاحتياط هنا في أن يكون هناك رهبان وأحبار محافظون على تعاليم الدين، ولا يأكلون أموال الناس بالباطل، وهذا ظاهر في قول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} ولم يقل جل جلاله: كل الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل، بل قال: {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ} ؛ لأنه قد يوجد عدد محدود من الأحبار والرهبان ملتزمون، والله لا يظلم أحدًا؛ لذلك جاء بالاحتمال» 59.

المرحلة الثالثة: النهي بخطاب مباشر للمؤمنين من أكل أموالهم بالباطل.

يقول ربنا سبحانه: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188] .

كذلك ورد التحريم في الكثير من الأحاديث الشريفة، كحديث أبي بكرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فإن دماءكم وأموالكم - قال محمدٌ وأحسبه قال - وأعراضكم، عليكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب) 60.

ويجب علينا ابتداء أن ننتبه للفارق في اللفظ بين الآيتين الأوليين، وهذه الآية من حيث إضافة المال في الأوليين إلى الناس دون الآكلين من الأحبار والرهبان، بينما في الثانية إلى نفس المؤمنين، وذلك -والله أعلم- «لما كان كل واحد منهما منهيًا ومنهيًا عنه، كما قال: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} » 61، صح أن يجمع حينئذ الآكل والمأكول، ولمحمد رشيد رضا كلام نفيس يعلل فيه ما سبق بوجه آخر يقول فيه: «واختار لفظ {أَمْوَالَكُمْ} وهو يصدق بأكل الإنسان مال نفسه للإشعار بوحدة الأمة وتكافلها، وللتنبيه على أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لمالك؛ لأن استحلال التعدي وأخذ المال بغير حق يعرض كل مال للضياع والذهاب، ففي هذه الإضافة البليغة تعليلٌ للنهي، وبيانٌ لحكمة الحكم، كأنه قال: لا يأكل بعضكم مال بعضٍ بالباطل؛ لأن ذلك جناية على نفس الآكل، من حيث هو جناية على الأمة التي هو أحد أعضائها، لا بد أن يصيبه سهم من كل جناية تقع عليها، فهو باستحلاله مال غيره يجرئ غيره على استحلال أكل ماله عند الاستطاعة ... وفي الإضافة معنى آخر قاله بعضهم، وهو للتنبيه على أنه يجب على الإنسان أن ينفق مال نفسه في سبيل الحق، وألا يضيعه في سبيل الباطل المحرمة» 62.

وهكذا يحذر الله المؤمنين من التعرض لأموال بعضهم البعض بالباطل؛ حتى لا يعم الفساد، ويضيع مقصود الشريعة في حفظ المال، ثم ختم ربنا التحذير ببيان تحريم الإدلاء بتلك الأموال المأكولة بالباطل إلى الحكام، والإدلاء بها إلى الحكام له معنيان: الأول: ليبرروا لهم أن هذا الباطل هو حق لهم، وذلك من خلال الرشوة، وهو باطل؛ لأن كل إنسان مسؤول عن فعله 63.

وهذا القول رجحه ابن عطية وأشار لمعنى لطيف فيها مفاده: «ترشوا بها على أكل أكثر منها، فالباء إلزاق مجرد، وهذا القول يترجح؛ لأن الحكام مظنة الرشا إلا من عصم وهو الأقل، وأيضًا فإن اللفظتين متناسبتان، تدلوا من أرسل الدلو والرشوة من الرشا، كأنها يمد بها لتقضى الحاجة» 64.

والثاني: أنهم يذهبون للتحاكم إلى الحكام إذا علموا أن الحجة تقوم لهم، كأن لا تكون على الجاحد بينة، أو يكون مال أمانة كاليتيم وغيره، والباء في كلمة (بها) باء السببية 65.

ثانيًا: الجدال بالباطل:

يستخدم الكثير من الناس الجدال بالباطل وسيلةً لإثبات باطلهم، وهذا يدل على ضعف الحجة أو انعدامها؛ إذ لو كان الدليل الواضح حاضرًا لكان استحضاره من قبل المجادل غاية من الغايات، مصداق ذلك قوله سبحانه: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} [الكهف: 56] .

وحتى تتضح صورة الموقف علينا أن نبين من المقصودين في الآية، ومن خلال النظر في كلام أهل التفسير نجد أنهم بين معمم ومخصص؛ فمنهم من يرى أنها عامة في الرسل الكرام في جدال أقوامهم لهم بالباطل، وأن الباطل الذي يجادلون به هو أنهم بعثوا من البشر، مع أن الأصل أن يكونوا من الملائكة 66.

ومنهم من يرى أنها في كفار قريش وغيرهم من المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، واعتبروا أن من الباطل الذي جادلوه به -تكذيبًا له وللحق ومنه القرآن - قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرنا عن حديث فتية ذهبوا في أول الدهر لم يعرف من شأنهم شيء، وعن رجل بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وعن الروح، وما أشبه ذلك من أمور 67.

والراجح أنه لا مانع من الجمع بين القولين؛ فقد استخدم الكفار في كل حين كل وسيلة لإثبات الباطل ودحض الحق، وما كانت مجادلتهم للرسول صلى الله عليه وسلم بدعًا عمن سبقه من الرسل.

ويقصد بالدحض عدم إثبات الحق، بل وإزالته، وهو مأخوذ من (دحض) وهو الطين الذي يزهق فيه الإنسان؛ لذا يسمى المكان الذي تزل فيه القدم وتنزلق: مكان دحضٌ 68.

وللباء في قوله تعالى: {بِالْبَاطِلِ} معنيان:

الأول: أنها للملابسة، بمعنى أن الكفار وهم يجادلون الرسل كانوا ملابسين للباطل.

والثاني -وهو الأقرب-: أنها للآلة، وذلك بتنزيل الباطل منزلة الآلة 69.

إذن هدف الكفار منذ سيدنا نوح عليه السلام وحتى خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم أن يبطلوا الحق ويدحضوه، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر: 5] .

قال الطبري: «وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم إياه، وخصومتهم له الحق الذي جاءهم به من عند الله، من الدخول في طاعته، والإقرار بتوحيده، والبراءة من عبادة ما سواه، كما يخاصمك كفار قومك يا محمد بالباطل» 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت