فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 2431

وقال تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} [القصص 47] .

فبين سبحانه أن حكمة إرسال الرسل هي قطع حجة البشر عن خالقهم 76، وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] .

فذكر سبحانه أنه لا يعذب عباده إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال رسله ولا يأخذهم قبل إقامة الحجة عليهم 77.

ثالثًا: الإهلاك له أجل مقدر:

قال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59] .

{وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} يعني ميقاتا وأجلا حين بلغوه جاءهم العذاب فأهلكناهم به، 78 وجعلنا لإهلاكهم وقتا معلوما لا يتأخرون عنه 79.

وقال تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} [الحجر: 4 - 5] .

أي: لها أجل مؤقت ومدة معروفة، لا نهلكهم حتى يبلغوها، فإذا بلغوها أهلكناهم عند ذلك 80، وفيه بيان أن هلاك الأمم الكافرة وفق أجل معلوم له لا تتجاوزه، فإنما هي سنة الله تمضي في طريقها المعلوم 81.

قال تعالى: {بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} [الكهف: 58] .

أي: لكل أمة تهلك موعدًا وأجلًا 82.

وقال تعالى: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: 81] .

أي: موعد عقابهم الصبح.

قال عامة المفسرين: لما قالوا للوط: إن موعدهم الصبح، قال: أريد أعجل من ذلك، بل لساعة يا جبريل، فقال له: أليس الصبح بقريب 83.

قال تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} [الحجر: 66] .

وقال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 65] .

يعني: تمتعوا ثلاثة أيامٍ ثم يأتيكم العذاب 84.

رابعًا: لا يقبل الإيمان حين وقوع الإهلاك:

قال تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} [ص 3] .

أي: نادوا ربهم بالاستغاثة حين لم ينفعهم ذلك 85. فليس الوقت وقت فرار من العقاب، ولا وقت هرب ونجاة من العذاب 86.

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 90 - 91] .

معناه: الآن تتوب وقد أضعت التوبة في وقتها أو: الآن آمنت 87. والاستفهام للتوبيخ على تأخره وإيمانه حيث لا ينفع 88.

قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 84 - 85] .

فأخبر أن إيمانهم لا ينفعهم عند معاينتهم العذاب؛89 وأن سنت الله التي قد خلت في عباده، ألا يقبل الإيمان عند رؤية بأس الله ومعاينة عذابه 90.

وقال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا} [الكهف: 55] .

أي: إنهم لا يؤمنون إلا عند معاينتهم بأس الله، والإيمان في ذلك الوقت لا يقبل ولا ينفعهم 91.

وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} [يونس: 50 - 51] .

يخبر عنهم أنهم إذا نزل بهم العذاب يؤمنون، ولا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت 92.

وقال تعالى: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 5] أي: إنهم يحسون بظلمهم بعد أن فات وقت الإيمان 93.

مسألة مهمة تابعة لهذا المطلب: وهي هل استثنى الله تعالى قوم سيدنا يونس عليه السلام من هذه السنه الكونية فقبل الإيمان منهم حين وقوع الإهلاك؟

وذلك في قوله تعالي: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 96 - 98] .

للمفسريين فيها ثلاثة أقوال:

الأول: أن الله عرف الصدق منهم فرفع العذاب عنهم ولم يقبله من غيرهم، أي: أنهم استثناء من سنة الله 94.

الثاني: أنهم آمنوا قبل وقوع العذاب وأن سنة الله لم تتعطل 95.

الثالث: توقفوا فقالوا: إنه لا يدرى هل آمنوا قبل معاينة العذاب أم بعده، ثم وجهوا كلا الرأيين 96.

وأكتفي هنا باختصار قول الإمام ابن تيمية في هذه المسألة، وهو ما أراه الصواب - والله أعلم- حيث قال: «إنهم رأوا دليل العذاب؛ لأن التوبة بعد معاينته لا تقبل، ولا فرق في ذلك بين أمةٍ وأمة، بل هذا حكم عام. وهم ليسوا مخصوصين بقبول التوبة، بل كل من تاب كما تابوا قبل الله توبته. وهو الصواب؛ لأن الله سبحانه قال: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} [غافر: 84 - 85] .

فأخبر سبحانه أن هذه سنته، وسنته لن تجد لها تبديلًا ولن تجد لها تحويلًا» 97.

خامسًا: عدم رجوع المهلكين للدنيا للاستدراك:

قال تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] .

أي: حرام على قرية مهلكة رجوعهم إلى الدنيا 98، أو: فحرام عليهم الرجوع الى الدنيا للتوبة. وهو من التحريم بمعنى المنع كونًا وقدرًا 99 والمعنى: وممتنع على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى الدنيا بعد إهلاكهم 100.

قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ} [يس: 32] .

أي: لا يعودون إلى الدنيا أبدًا 101، ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم من قولهم: {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: 29] .

وهم القائلون بالدور من الدهرية وغيرهم 102.

وقال تعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 49 - 50] .

يعني: يموتون ولا رجوع لهم إلى الدنيا إذا ماتوا 103.

وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99 - 100] .

ومعلوم أن هذا في كل كافر ومشرك ينادي عند موته وهلاكه، ويسأل ربه الرجوع والعود إلى الدنيا ليؤمن 104، إلا أن البرزخ حاجز بين الميت ورجوعه للدنيا 105.

سادسًا: لا يهلك الله القرى وأهلها مصلحون:

قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117]

وهذه السنة الكونية في الإهلاك تتأتى على أوجه عند المفسرين:

الأول: ما كان ربك ليهلكهم بذنب وأهلها موحدون 106، مؤمنون 107.

الثاني: وما كان ربك ليهلك القرى بظلمهم السابق، إذا رجعوا وأصلحوا، فإن الله يعفو عنهم 108.

الثالث: أي: أنه لا يهلكها بظلمٍ قليلٍ من أهلها، إذا كان الجمهور الأكبر منهم مصلحين 109.

الرابع: أنه لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا تعاطوا الإنصاف فيما بينهم، ولم يظلم بعضهم بعضًا.110

فلا يهلكهم إذا تناصفوا وإن كانوا مشركين 111، وهذا الوجه لمن فسر {بِظُلْمٍ} في الآية بأنه الشرك 112. ولهذا يقال في الأثر الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم 113.

الخامس: أي: لو كانوا مصلحين لما نزل بهم العذاب، لكنهم لم يصلحوا فنزل بهم العذاب.114، أي: يهلكها بذنوب أهلها وفجورهم وطغيانهم 115، والمعنى: أنه ما كان ربك ليهلك القرى ظالمًا لها، وأهلها مصلحون يعدلون فيما بينهم، ولا يشركون بالله ولا يكون منهم ظلم 116 وهم مصلحون في أعمالهم، غير مسيئين 117، ولكنه أهلكها بكفر أهلها بالله وتماديهم في غيهم، وتكذيبهم رسلهم، وركوبهم السيئات 118.

ومن خلال ماسبق من عرض الأوجه الخمسه يمكننا أن نجمع بينها فنقول:

ما كان من شأنه ولا من سنته سبحانه، وما صح ولا استقام عقلًا أن يهلك الله أهل هذه القرى بظلم وهم مصلحون، يتعاطون الحق فيما بينهم ويؤمنون بخالقهم، وفيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهم مقيمون على الطاعة مستمسكون بها مصلحون في أعمالهم وسياستهم 119، ثم إن شرط أن توصف الأمم بأنهم مصلحون هو القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدل عليه أن الآية التي سبقت هذه الآيه الكريمة التي نحن بصددها هي قوله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود: 116] أي: قد كان منهم أولو بقية، لكنهم لم ينهوا عن الفساد في الأرض، فأهلكوا جميعًا إلا قليلًا ممن أنجينا منهم، وهؤلاء القليل قد نهوا عن الفساد في الأرض، فنجوا 120.

سابعًا: الإهلاك يقع فجأة:

قال تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4] .

{بَيَاتًا} : أي: وقت بيات، أو إيقاعًا مفاجئًا 121.

وخص هذان الوقتان؛ لأنهما وقتا الغفلة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع 122.

والمعنى: وكثير من القرى أراد الله إهلاك أهلها، فجاءهم عذابه ليلًا وهم نائمون، أو نهارًا وهم مستريحون وقت القيلولة غافلون عن مجي العذاب 123.

قال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} [الأعراف: 97 - 99] .

أي: أجهلوا سنة الله في خلقه فأمنوا استدراجه إياهم وأخذه لهم فجأةً من حيث لا يحتسبون؟ 124. وكما قال تعالى في بني النضير {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: 2] .

وقال تعالى: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا} [الكهف: 55] .

قال مجاهد: (قبلًا) : فجأة 125.

1.أولًا: الكفر وتكذيب الرسل:

أولًا: ما أخبر به تعالى من أن الكفر سببٌ من أسباب الإهلاك.

1.ما جاء في القرآن مجملًا لبيان أن علة الإهلاك هي الكفر.

قال تعالى: {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ} [الإسراء: 69] .

فجعل الله تعالى علة الإهلاك بالغرق هنا هي الكفر، فقال تعالى: {فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ} 126،أي بسبب كفركم 127.

وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد: 10] .

ومعنى قوله تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} أي: مثل ما دمرت به القرون الأولى بسبب كفرهم 128.

2.ما جاء تعقيبًا على إهلاك عاد.

قال تعالى: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ} [هود: 60] .

فهذا تنبيه للكفار أن عادًا كفروا ربهم، فأهلكهم الله، فاحذروا كيلا يصيبكم بكفركم ما أصابهم بكفرهم 129.

3.ما جاء تعقيبًا على إهلاك ثمود.

قال تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ} [هود: 68] .

أي: هلاكًا لثمود بسبب كفرهم بربهم 130.

4.ما جاء تعقيبًا على إهلاك سبأ.

قال تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبأ: 15 - 17] .

أي: عاقبناهم بكفرهم 131.

قال الحسن: «مثلًا بمثلٍ» 132.

ثانيًا: ما أخبر به تعالى من أن تكذيب الرسل سببٌ من أسباب الإهلاك.

1.ما جاء في القرآن مجملًا لبيان أن علة الإهلاك هي تكذيب الرسل.

قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} [ص 12 - 15] .

فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل 133.

وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] .

أي: ولكن كذبوا الرسل فعاقبناهم، فبسبب هذا التكذيب أخذناهم 134.

2.ما نص عليه القران الكريم من أن تكذيب الرسل كان سببًا في هلاك أممهم.

أ- سيدنا نوح عليه السلام: قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأعراف: 64] .وفي قوله {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا} إعلام بعلة الغرق وهو التكذيب 135.

ب- سيدنا هود عليه السلام: قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 139] .

أي: فأهلكنا عادًا بتكذيبهم رسولنا، وإن في إهلاكنا عادًا لعبرة وموعظة 136.

جـ-سيدنا شعيب عليه السلام: قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 189] .

أي: فلما أقاموا على تكذيب نبيهم شعيب أخذهم عذاب الظلة 137.

د- سيدنا موسى عليه السلام: قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} [المؤمنون: 48] .

المعنى: فكذب فرعون وملؤه موسى وهارون، فكانوا ممن أهلكهم الله كما أهلك من قبلهم بتكذيبهم 138.

3.ما جاء في القرآن الكريم يشير إلى أن الكفر وتكذيب الرسل كانا سببا الإهلاك.

قال تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج: 42 - 44] .

ولقد كان الكفر وعدم الايمان تابعين للتكذيب؛ لأن الله لم يهلك قومًا بأول التكذيب، ولكن أمهلهم فإذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أهلكهم 139.

وقال تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [الرعد: 32] .

والمعنى: ولقد استهزأ الكفار السابقون، برسل بعثناهم من قبلك إليهم، فأمهلت أولئك المستهزئين، ثم أخذتهم بعقابي 140.

ثانيًا: الفسق والذنوب والمعاصي:

أولًا: الفسق:

قال تعالى: {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف: 35] .

أي: لا يهلك بعذاب الله إلا القوم الخارجون عن الطاعة 141.

قال الزجاج: «وما في الرجاء لرحمة الله شيء أقوى من هذه الآية» 142.

ثانيًا: الذنوب والمعاصي:

قال تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 11] .

أي: جازاهم بذنوبهم، وعاقبهم عليها 143.

وفيه إشعار بأن صريح المؤاخذة مناط بالذنوب 144.

وقال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة: 49] . وذكر بعض الذنوب لأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدميرهم 145.

وقال تعالى: {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [الأنعام: 6] .

أي: أهلكهم الله بسبب ذنوبهم 146.

وقال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} [الشمس: 14] .

أي: فأطبق الله عليهم العذاب، أو أهلكهم جميعًا بسبب ذنبهم 147، وحقًا لقد كان ذلك لذلك 148.

ويجمل ما سبق صاحب الظلال فيقول: «إن هذا النص في القرآن: {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} وما يماثله، إنما يقرر سنة وحقيقة أن الذنوب تهلك أصحابها، وأن الله هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم وأن هذه سنة ماضية تصير إليها الأمم حين تفشو فيها الذنوب وحين تقوم حياتها على الذنوب» 149.

ثالثًا: الظلم والإفساد:

أولًا: تقرير القرآن الكريم لحقيقة أن الظلم من أسباب الإهلاك.

قال تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45] .

نبه على سبب الاستئصال بذكر الوصف الذي هو الظلم 150.

ويقال: هذا تعليم ليحمدوه سبحانه على إهلاك الظالمين 151.

قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 47] .

وفي ذكر الظلم تنبيه على علة الإهلاك. والمعنى: هل يهلك إلا أنتم لظلمكم؟ 152.

وقال تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 162] .

الرجز: العذاب وقوله: {بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} الباء سببية، أي: بسبب كونهم ظالمين 153.

قال تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} [الأنفال: 54] .

قال الرازي: «والمراد منه: أن الله تعالى إنما أهلكهم بسبب ظلمهم، وأقول في هذا المقام: اللهم أهلك الظالمين وطهر وجه الأرض منهم» 154.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [يونس: 13] . أي: أن الهلاك كان عند ظلمهم وبسببه 155.

وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [هود: 102] .

وجملة {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} في موضع الحال، وفائدة هذه الحال الإشعار بأن عقابهم كان بسبب ظلمهم 156.

قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 13] .

أي: لنهلكن من تناهى في الظلم من المشركين 157.

وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [الكهف: 59] .

أي: وتلك القرى من عاد وثمود وأصحاب الأيكة أهلكنا أهلها لما ظلموا. أي: عند ظلمهم 158.

كما أخبر الله تعالى بأن إهلاك قوم سيدنا نوح وعاد وثمود ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام كان بسبب ظلمهم، كما سيتبين لنا ذلك من الآيات التالية:

1.قوم سيدنا نوح عليه السلام.

قال تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى? ?50?وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى? ?51?وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ ? إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى? ?52?) [النجم: 50 - 52] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت