فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 2431

فهذه الآية تتحدث عن بني إسرائيل الذين أنعم الله تعالى عليهم، وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة، وفضلهم على عالمي زمانهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم، فاختلفوا واتبعوا أهواءهم، فبين الله تعالى أنهم لن يغنوا عن النبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى شيئًا، وأن المتصفين بالظلم لا ولاية بينهم وبين الله تعالى، والله جل جلاله المتصف بجميع صفات الكمال والجلال والجمال هو ولي المتقين الذين همهم الأعظم هو الاتصاف بالحكمة عن طريق اتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط الله تعالى وعذابه، ولا ولاية بينه وبين الظالمين 30.

3.الصلاح.

يقول الله عز وجل على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف:196] .

وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب المشركين قائلًا: لا أبالي بكم وبشركائكم؛ لأن وليي هو الله عز وجل الذي أنزل القرآن العظيم الناطق بأنه وليي وناصري، وإن شركاءكم الذين تعبدونهم من دون الله تعالى لا يستطيعون نصر أنفسهم فضلًا عن نصركم أنتم، فالله عز وجل من عادته أن يتولى الصالحين من عباده، وينصرهم ولا يخذلهم 31.

وهكذا تتضح ولاية الله تعالى الخاصة بأوليائه وأصفيائه المؤمنين المتقين الصالحين.

رابعًا: آثار ولاية الله للمؤمنين:

إن المؤمنين عندما يتخذون الله عز وجل حبيبًا ووليًّا فلا يتولون غيره، ولا يشركون به شيئًا، ويوالون أولياءه، ويتبرؤون من أعدائه، فإن الله تعالى سوف ينعم عليهم من مَنِّهِ وإحسانه الشيء الكثير، فتظهر عليهم آثار ولاية الله تعالى لهم.

ومن هذه الآثار: قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس:62 - 64] .

والمعنى: إن أولياء الله تعالى الذين يتولونه بإخلاص العبادة له وحده، ويتوكلون عليه، ولا يتخذون من دونه أندادًا، ولا أولياء، ولا شفعاء، فإنه لا خوفٌ عليهم يوم القيامة مما يخاف منه غيرهم من أهوال الموقف وعذاب الآخرة، كما أنهم لا يحزنون من لحوق مكروه بهم، أو ذهاب محبوب عنهم؛ لأنهم لا يقصدون بذلك إلا نيل رضا الله عز وجل، وكذلك لا خوف عليهم في الحياة الدنيا مما يخاف منه غيرهم من الكفار وضعاف الإيمان، فليس هذا الجزاء إلا لأولياء الله تعالى الذين جمعوا بين الإيمان الصحيح بالله جل جلاله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبين ملكة التقوى له عز وجل، فهؤلاء لهم البشرى في الحياة الدنيا بالنصر وحسن العاقبة، وباستخلافهم في الأرض ما أقاموا شرع الله تعالى، ونصروا دينه، وأعلوا كلمته 32.

ويقول الله عز وجل في موضع آخر: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:127 - 126] .

والمعنى: أن هذا البيان الذي جاء به القرآن الكريم، أو طريق التوحيد، وإسلام الوجه إلى الله جل جلاله، هو الطريق الذي ارتضاه الله تعالى مستقيمًا لا ميل فيه إلى إفراط أو تفريط في الاعتقاد والأخلاق والأعمال، ولا اعوجاج فيه إلى النظر إلى الغير والشرك به، فقد بينت أحكامه، وفصلت شرائعه، وميز فيه الخير من الشر، ولكن هذا التفصيل، وهذا البيان ليس لأي شخص، إنما هو {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} يذكرون المعارف والحقائق التي هي مستقرة في استعدادهم فيهتدوا بها؛ لأنهم هم الذين علموا، فانتفعوا بعلمهم.

وأعد الله تعالى لهم الجزاء الجزيل، والأجر الأوفى، وهو الجنة التي سماها الله عز وجل دار السلام؛ وذلك لسلامتها من كل عيب ونقص وآفة وكدر، وهمٍّ وغمٍّ، إلى غير ذلك من المنغصات والمكدرات التي كانت في الدنيا، فيلزم من هذا أن يكون نعيم الجنة في غاية الكمال، بحيث لا يقدر على وصفه الواصفون من نعيم الروح والقلب والبدن.

كما أن الله تعالى هو الذي يتولى تدبيرهم وتربيتهم، حيث لطف بهم في جميع شؤون أمورهم، وأعانهم على طاعته في الدنيا، ويسر لهم كل طريق إلى محبته، كلُّ هذا بسبب أعمالهم الصالحة التي قدموها في دنياهم، وقصدوا بها رضا مولاهم جل جلاله 33.

هذا وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: (إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته) 34.

فبين النبي عز وجل أنه من عادى لله تعالى وليًّا فقد بارز الله تعالى بالمحاربة.

خامسًا: أسباب الحرمان من ولاية الله:

من خلال النظر في آيات الموضوع نجد أن أسباب الحرمان من ولاية الله عز وجل تتمثل في الآتي:

1.الكفر.

فالشخص الذي لا يؤمن بالله عز وجل كيف يكون الله تعالى وليه وناصره في الدنيا وفي الآخرة؟ يقول الله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ? ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ? إِنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?20?يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ ? وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ?21?وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ? وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ?22?وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَ?ئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَ?ئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?23?) [العنكبوت: 20 - 23] .

والمعنى: يأمر الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يخاطب المشركين الكافرين المنكرين قضية البعث بعد الممات أن يسيروا في الأرض، فينظروا كيف بدأ الله تعالى الأشياء وأوجدها من عدم، ولم يتعذر عليه شيء من ذلك، فكذلك لا يتعذر عليه إعادتها مرة أخرى بعد فنائها، فإن الله تعالى قادر على ذلك، ولا يعجزه شيء.

وبعد إعادتهم بعد فنائهم، يعذب الله تعالى منهم على ما أسلف من ذنوب في حياته، ويرحم منهم من تاب وآمن وعمل صالحًا، ثم يبين الله تعالى لهم أن رجوعهم ومآلهم هو إلى الله جل جلاله، ثم يتوعدهم ويتهددهم بأنهم لن يعجزوا الله تعالى في الأرض ولا في السماء، ولن يكون لهم من دون الله عز وجل من ولي يلي أمورهم، ولا نصير ينصرهم من دون الله تعالى إن أراد بهم سوءًا، كما لا يمنعهم منه أحد إن أراد أن يوقع عقوبته عليهم.

ثم يذكر الله تعالى أن الذين كفروا بحججه تعالى، وأنكروا أدلته، وجحدوا لقاءه والرجوع إليه يوم القيامة، فهؤلاء يئسوا من رحمة الله تعالى في الآخرة عند معاينتهم ما أعد الله تعالى لهم من العذاب الموجع 35.

ويقول الله تعالى أيضًا: (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ?64?خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ?65?) [الأحزاب: 65 - 64] .

أي: إن الله عز وجل لعن الكافرين فخذلهم وطردهم من رحمته، وأعد لهم في الآخرة جهنم ماكثين فيها أبدًا بلا انقطاع، فلا يجدون فيها وليًّا قريبًا ينفعهم، ولا نصيرًا مانعًا يمنعهم من عذاب الله عز وجل 36.

2.النفاق.

إن الشخص المنافق هو الذي يظهر خلاف ما يبطن، حيث يظهر الإسلام، ويخفي الكفر، فخطره على الإسلام والمسلمين أشد من خطر الكفار؛ لأن عداءهم للمسلمين غير واضح ولا ظاهر، فمن اتصف بهذه الخصلة السيئة يحرم نفسه من ولاية الله عز وجل له في الدنيا والآخرة.

يقول الله تعالى: وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ? وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ? إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ?13?وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ?14?وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ? وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ?15?قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ?16?قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ? وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ?17?) [الأحزاب: 13 - 17] .

ففي هذه الآيات يبين الله عز وجل حال المنافقين في غزوة الأحزاب حيث تواصوا فيما بينهم بالفرار عندما ظنوا أن المسلمين سوف ينهزمون في المعركة، وعندها لا يكون لهم نصيبٌ من الغنائم، فتعللوا بانكشاف بيوتهم، وضياع ما فيها، مع علمهم أنهم يكذبون في عذرهم هذا، فهم جبناء لا يريدون إلا مجرد الفرار مع أنهم عاهدوا الله تعالى سابقًا أنهم لن يولوا الأدبار.

لكن لما ظهر الجد لم يساعدهم الصدق، ولم يتذكروا أن الله تعالى سوف يسألهم عن العهود التي قدموها، فيعاقبهم على ما أذنبوا. عندئذٍ يأمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم أن الفرار من المعركة خوف القتل أو الموت لن ينفعهم؛ لأن الآجال إذا حان وقتها فلا تأخير لها، ولا تقديم عليها، وإن بقوا أحياء فلن يكون متاعهم في الدنيا إلا قليلًا.

كما يخبرهم أيضًا أنه من الذي يمنعهم من الله عز وجل إن أراد أن يوقع بهم مكروهًا، أو يحقق لهم أمرًا مرجوًا، ومن الذي يصرف عنهم دونه عدوًا؟! 37.

3.اتباع الهوى.

إن من لم يأتمر بأوامر الله تعالى، وينتهي عما نهى الله تعالى عنه، فإنه يعرض نفسه للحرمان من ولاية الله تعالى، وحفظه ورعايته ونصرته له.

يقول الله عز وجل: (وَلَنْ تَرْضَى? عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى? حَتَّى? تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ? قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى? ? وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ? مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ?120?) [البقرة:120] .

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرجو إيمان أهل الكتاب قبل غيرهم؛ لذلك كبر عليه إعراضهم عن إجابة دعوته، فأراد الله تعالى أن ييئسه من الطمع في إسلامهم، فعلق رضا أهل الكتاب عن النبي صلى الله عليه وسلم بما هو مستحيل أن يحدث، فليس غرض اليهود ومبلغ الرضا منهم ما يقترحونه عليه من الآيات، وما يوردونه من الأمور التي فيها تشدد وتعنت، فإنك يا محمد لو جئتهم بكل ما طلبوه تعنتًا لم يرضوا عنك، ثم أخبره الله تعالى بأنهم لن يرضوا عنك حتى يدخل في دينهم، ويتبع ملتهم.

ثم أمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بقوله: (إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى?) [البقرة:120] .

أي: أن الهدى الحقيقي محصور فقط في اتباع ما أمر الله تعالى به، لا فيما أنتم عليه من الكتب المحرفة، والشرائع المنسوخة، ثم أتبع ذلك بوعيد شديد للنبي صلى الله عليه وسلم إن فكر في اتباع أهوائهم، وحاول إرضاءهم وتلبية طلباتهم، ولا يخفى ما في هذا من تعريض لأمة النبي صلى الله عليه وسلم، وتحذيرًا لهم من أن يقعوا في شيء من ذلك، فإن لم يمتثلوا لأمر الله عز وجل حينئذٍ لن يجدوا من يكون لهم وليًا وناصرًا من عذاب الله عز وجل؛ لأن الله تعالى أعلمهم حقيقة اليهود وما هم عليه 38.

يقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى? عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى? حَتَّى? تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ?) [البقرة:120] .

«فتلك هي العلة الأصيلة، ليس الذي ينقصهم هو البرهان، وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك على الحق، وأن الذي جاءك من ربك الحق، ولو قدمت إليهم ما قدمت، ولو توددت إليهم ما توددت، لن يرضيهم من هذا كله شيء، إلا أن تتبع ملتهم وتترك ما معك من الحق. إنها العقدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان إنها هي العقيدة. هذه حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة» 39.

ويقول الله جل جلاله: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ? وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ? قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ? إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ ?36?وَكَذَ?لِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ? وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ?37?) [الرعد:37 - 36] .

هناك قولان في المقصود بـ (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) وهما:

الأول: هم أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذين آتاهم الله عز وجل القرآن، فهم يفرحون بهذا القرآن النازل على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم اليهود والنصارى ينكرون بعض القرآن.

الثاني: المسلمون من اليهود أمثال عبد الله بن سلام وأصحابه، فهؤلاء قد ساءهم ذكر اسم الله تعالى (الرحمن) في القرآن الكريم مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كثر ذكره في القرآن فرحوا به، فأنزل الله تعالى الآية.

ويقصد بـ (الْأَحْزَابِ) مشركي مكة، فلما عقد النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم صلح الحديبية، كتب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، فاعترضوا قائلين: ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة، يعنون به مسيلمة الكذاب، وكانوا لا ينكرون اسم الله تعالى.

فيأمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول: (قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ) ثم يذكر الله عز وجل أنه كما أنزل القرآن الكريم على محمد صلى الله عليه وسلم، فأنكره الأحزاب، كذلك أنزل الحكم والدين عربيًا، فنسب إلى العرب؛ لأنه نزل بلغتهم، فكذب به الأحزاب، ثم توعد الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم أنه إن اتبع أهواء أهل الكتاب في الملة بعد ما جاءه من العلم الصحيح من الله تعالى، فلن يجد منه عز وجل ناصرًا ولا حافظًا 40.

4.الضلال.

وهو عكس الهداية والتوفيق، فمن كان على ضلالة فكيف يكون الله تعالى وليه وناصره؟!

يقول الله عز وجل: (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ? وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ ? وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى? وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ? مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ? كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ?97?) [الإسراء:97] .

أي: من وفقه الله تعالى إلى الهداية فهو المهتدي، فهؤلاء سبق لهم حكم الله تعالى بالإيمان، فوجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق عليهم حكم الله تعالى بالضلال، استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال، وأن يوجد من يصرفهم عنه حين يحشرهم الله عز وجل على وجوههم خزيًا عميًا وبكمًا، لا يبصرون ولا ينطقون، فمقرهم ودارهم هي جهنم، كلما تهيأت للانطفاء، سعرها الله تعالى بهم، فلا يفتر عنهم العذاب، ولا يخفف عنهم من عذابها، فلم يظلمهم الله تعالى؛ بل جازاهم بسبب كفرهم بآيات الله تعالى، وإنكارهم البعث وكمال قدرته تعالى 41.

ويقول الله عز وجل مخبرًا عن حال أصحاب الكهف عندما كانوا بداخله: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ? ذَ?لِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ? مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ? وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ?17?) [الكهف:17] .

فأيها المخاطب إنك ترى الشمس إذا طلعت فإنها تميل عن كهفهم جهة اليمين، وإذا غربت تقطعهم وتبعد عنهم جهة الشمال، وحال الشمس هذه كرامة لهم من الله عز وجل؛ لئلا تؤذيهم بحرها، وقد كانوا في متسع من الكهف بحيث لا تصيبهم الشمس لا في ابتداء النهار ولا في آخره، وذلك الصنيع هو من دلائل قدرة الله تعالى الباهرة، فمن يوفقه الله تعالى للإيمان، ويرشده إلى طريق السعادة، فهو المهتدي حقًا، ومن يضلله الله تعالى بسوء عمله فلن تجد له من دون الله تعالى من يهديه ويرشده 42.

ونلمح من قصة أصحاب الكهف أن هؤلاء الفتية كانوا حريصين على الهداية واتباع دين الله عز وجل؛ لذلك كان الله تعالى لهم مؤيدًا وناصرًا، فلم يخذلهم، ولم يدع أيدي الشر تطالهم؛ بل أكرمهم الله جل جلاله بهذه الكرامة الباهرة، فمن يصدق الله يصدقه الله، وفي المقابل من لم يكن في داخله استعداد للهداية، فلن يجد له وليًا ومرشدًا إلى طريق الهداية والسعادة.

ويقول الله تعالى في موضع آخر: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ ? وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى? مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ?44?وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ? وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ ?45?وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ? وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ?46?) [الشورى:44 - 46] .

حيث يخبر الله جل جلاله أنه وحده المنفرد بالهداية والإضلال، وأن من يضلله الله تعالى فبسبب ظلمه لنفسه بالمعاصي والذنوب والآثام، فما له من ولي يتولى أمره ويهديه 43، فكان ضلاله وعدم هدايته إلى طريق الرشاد سببًا من أسباب الحرمان من ولاية الله تعالى له، كما قال الله تعالى: (. وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ? أُولَ?ئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الأحقاف:32] .

5.الظلم.

يقول الله عز وجل: (وَكَذَ?لِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى? وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ? فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ?7?وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَ?كِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ? وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ?8?) [الشورى:8،7] .

والمعنى: أن الله تعالى أوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم القرآن وهو كلام عربي، واقتضت الحكمة الإلهية اختيار الأمة العربية لتكون أول من يتلقى الإسلام وينشره بين الأمم، ولو روعي فيه جميع الأمم المخاطبة بدعوة الإسلام لاقتضى أن ينزل القرآن بلغات لا تحصى، لكن الله عز وجل اختار له أفضل اللغات، كما اختار إنزاله على أفضل البشر، وهذا الإنزال لأجل إنذار المشركين من أهل مكة ومن حولها ما ينذرونه من العذاب في الدنيا والآخرة، وتنذرهم أيضًا يوم القيامة وما يكون فيه من أهوال وشدائد، وسمي بالجمع؛ لأن الخلائق تجمع فيه للحساب، ففريق من هذه الخلائق سيكون في الجنة، وفريق آخر سيكون في النار.

وهذا أمرٌ شاء الله تعالى تقديره بأن أوجد من أسبابه بحكمته، فلو شاء لقدر أسباب اتحادهم على عقيدة واحدة من الهدى، فيكونون جميعًا في نفس المصير في الجنة، ولكن الله جل جلاله شاء مشيئة أخرى جرت وفق حكمته، وهي أنه تعالى خلقهم على قابلية واستعداد للهدى والضلال، كما مكنهم من كسب أفعالهم، ووضح لهم طريق الخير من الشر، فكان منهم المهتدون، وهم الذين شاء الله تعالى إدخالهم في رحمته، ومنهم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بحرمانها من الهداية، وظلموا غيرهم بالتعدي على حقوقهم فتجاوزوا الحد، فهؤلاء ليس لهم ولي يدفع عنهم ما حاق بهم، ولا نصير يثأر لهم 44.

6.عمل السيئات.

يقول الله عز وجل: (ٹ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ? مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ?123?) [النساء:123] .

أي: ليس أمر النجاة والتزكية بالأماني التي يمني بها أهل الكتاب أنفسهم، وهي عبارة عن أحاديث وتوهمات وتخيلات مجردة عن العمل الصالح، فقد أخبر الله تعالى عن هذه الأماني عندما قالوا: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى? ? تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ?) [البقرة:111] .

فإن مجرد الانتساب إلى أي دين كان لا يفيد صاحبه شيئًا إن لم يأت بعمل صالح يبرهن على صدق دعواه، لذلك يقول الله: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) .

والسوء هي كلمة شاملة لأي ذنب كان صغيرًا أم كبيرًا، قليلًا أم كثيرًا، دنيويًا أم أخرويًا.

والناس في هذا الأمر درجات لا يعلمها إلا الله تعالى، فمنهم مقل ومنهم مكثر، ومن كان عمله كله سوءًا -وهذا لا ينطبق إلا على الكافر- فإذا مات دون توبة إلى الله عز وجل جوزي بالخلود في العذاب الأليم يوم القيامة.

وحينئذٍ ليس له ولي يحصل له المطلوب به، ولا نصير يدفع عنه المرهوب إلا الله تعالى. أما من كان مستقيمًا في أغلب أحواله، ويعمل الصالحات، ويصدر عنه من بعض الذنوب الصغيرة، فما يصيبه من همٍ أو غمٍ، أو أذى في نفسه، أو ماله، أو أهله، فإنها مكفرات لهذه الذنوب التي قدرها الله تعالى لطفًا بعباده 45.

كما يحذر الله عز وجل عباده من اللهو واللعب، وإضاعة العمر فيما لا يفيد، فضلًا عن عمل السيئات والذنوب، فيأمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ? وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ? لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ(70) [الأنعام:70] .

أي: يا أيها الرسول دع الذين اتخذوا دينهم -الذي كان يجب أن يتبعوا تعاليمه، ويهتدوا به- اتخذوه لعبًا ولهوًا، فإنهم لما عملوا هذه الأعمال التي ختم الله تعالى بها على قلوبهم، ودس بها على نفوسهم، ولم يعملوا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.

فأضاعوا أعمارهم فيما لا يفيد، وهو اللعب، وشغلوا أنفسهم عن الجد والعمل المفيد، وهو اللهو، وغرتهم الحياة الدنيا، وغرهم بالله الغرور، فيا أيها الرسول أعرض عن هؤلاء، ولا تبال بأمثالهم، ولكن ذكر بالقرآن من يخاف وعيدي؛ لأنهم هم المنتفعون بالامتثال لأوامري، والاجتناب لنواهي؛ لئلا تبسل نفس بما كسبت، أي قبل اقتحام العبد للذنوب، وتجرئه على الله عز وجل.

فذكرها يا محمد وعظها؛ لترتدع وتنزجر عن فعل ما لا يليق بالمؤمنين، فلن يكون لهذه النفس ولي ولا شفيع إن أحاطت بها ذنوبها، ومن ثم فلا ينفعها أحد من الخلق، لا قريب ولا صديق، ولا يتولى أمرها أحد من دون الله تعالى، كما لا يشفع لها شافع، وإن افتدت نفسها بملء الأرض ذهبًا، فلا يقبل منها ولا يفيد، فأولئك الموصوفون بتلك الصفات هم الذين أهلكوا أنفسهم وحرموها من الخير، فجزاؤهم ماء حار يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، وعذاب أليم بسبب ما كانوا يكفرون به 46.

7.الاستكبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت