فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 2431

وكذلك يدخل فيه نفي النصرة عنها، كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} [يس: 74 - 75] . والله أعلم.

ثالثًا: بيان أنها لا تستطيع أن تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة لله رب العالمين:

من الصفات التي وصف بها القرآن الأوثان، ورد بها على عابديها بيان أنها مخلوقة ومربوبة لله رب العالمين، فهي لا تستطيع أن تخلق شيئًا على الإطلاق، ولا تملك مثقال ذرة من ذلك، فكيف تملكه لعابديها! وجاء هذا الرد في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها: قوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191] .

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 20 - 22] .

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73] .

وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان: 3] ... والآيات في هذا الشأن وفيرة ومتنوعة، مما يدل على أهمية هذا الموضوع، واعتناء القرآن به.

والله تبارك وتعالى يجلي لنا في هذه الآيات بعضًا من صفات الأصنام، ويبين حقيقتها لعابديها ولجميع المؤمنين، ومن أوضح صفاتها أنها مخلوقة ومربوبة لله رب العالمين أو أنها مصنوعة بأيدي عابديها، فهم الذين نحتوها، واتجهوا إليها بالعبادة «والمقصود إقامة الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية، فهي لا تقدر على خلق أي شيء على الإطلاق» 83.

والأوثان لا تصلح للإلهية لأن «من حق المعبود أن يكون خالقًا لعابده لا محالة» 84.

فالآيات ترد على عبدة الأوثان ببيان أوصافها لهم علهم يثوبون لرشدهم، ويرجعون عن غيهم ويتركون عبادتها إلى عبادة الله تعالى.

وهكذا جلى الله تعالى حقيقة الأصنام، وبين ماهيتها وكنهها، وأنها أحقر المخلوقات؛ إذ أنها لا تستطيع حتى دفع الضر عن نفسها، ولا تستطيع النصرة فضلًا عن كونها مخلوقة .. إذًا فلم يبق شيء يعبدها عابدوها من أجله، فكيف يتوجهون إليها بالعبادة والدعاء؟! اللهم لا يفعل ذلك إلا المغفلون والدهماء.

هذا والملاحظ على الآيات هنا: أنها جاءت بعدة أوصاف للأوثان، وهي:

الوصف الأول: كونها لا تخلق شيئًا على الإطلاق، فضلًا عن كونها مخلوقة مربوبة لله رب العالمين، أو ينحتها العابدون بأيديهم، وليس قوله تعالى: {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا} تكرارًا لما سبقه من قوله: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} لأن «المذكور هناك أنهم لا يخلقون شيئًا، والمذكور هنا أنهم أيضًا لا يخلقون شيئًا وهم مخلوقون لغيرهم، فكان هذا زيادة في المعنى، وكأنه تعالى بدأ بشرح نقصهم في ذواتهم وصفاتهم، فبين أولًا أنها لا تخلق شيئًا، ثم ثانيًا كونها مخلوقة لغيرها» 85.

الوصف الثاني: جاء في قوله: {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} أي هذه الأصنام إنما هي موتى لا حياة ولا حراك فيها «فلو كانت آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي: غير جائز عليها الموت، كالحي الذي لا يموت سبحانه، وهذه الأصنام على العكس من ذلك» 86.

الوصف الثالث: كونها لا تعلم عن البعث شيئًا، وهذا ما ذيلت به الآية الثانية من سورة النحل {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} .

وفائدة وصف الأصنام بهذا: «التهكم بالمشركين، وأن آلهتهم لا تعلم وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت يجازون فيه على عبادتها؟.

وقيل: معناه: أن الأصنام لا تعرف متى يبعثها الله تعالى» 87.

وكلا المعنيين مرادان من الآية، إلا أن الراجح أولهما لما فيه من التهكم بأولئك الجهال الذين عبدوا الأصنام من تلقاء أنفسهم دونما حجة مقنعة.

ولكن كيف وصفت الأصنام بأنها أموات مع كونها جمادات لا يصح أن يطلق عليها هذا الوصف؟

والجواب: «أن القوم لما وصفوا تلك الأصنام بالإلهية قيل لهم: ليس الأمر كذلك، بل هي أموات لا تعرف شيئًا، فجاءت العبارة على وفق معتقدهم فيها» 88.

أرأيت كيف ضل العرب وغيرهم ردحًا من الزمان بتوجههم إلى هذه الأحجار بالعبادة والدعاء، وكيف رد القرآن عليهم، وفند شبههم بما لا يبقى لهم معه أدنى حجة، ولقد أفادتنا هاتان الآيتان جديدًا، وهذا الجديد تمثل في ذكر ثلاث صفات مجتمعة للأصنام.

وجاء التصريح بها «للتنبيه على كمال حماقة المشركين، وأنهم لا يعرفون ذلك إلا بالتصريح» 89، لا التلميح أو التلويح. والله تعالى أعلى وأعلم.

لقد تعبد العرب للأصنام وقدسوها بأمور عديدة، يذكر البحث هنا بعضًا مما ذكره القرآن الكريم، ولكن في ثوب المعالجة التفسيرية، وأول ما يطالعنا من هذه المظاهر:

أولًا: عبادة الأصنام، والعكوف عليها، والتوجه إليها بالدعاء والتضرع:

والقرآن الكريم تحدث عن هذا المظهر في كثير من آياته، والآيات في هذا الشأن أكثر من أن تحصى، فعن العبادة والدعاء يقول الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ} [الأعراف: 194 - 195] .

وقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] .

وفي العكوف عليها والاستمساك بها يقول الله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] .

وقال تعالى: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء: 71] .

وقال أيضًا: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 51 - 52] ... الآيات.

وبما أن المقام لا يتسع لتناول جميع هذه الآيات ونظائرها مفردة بالشرح والدراسة، فإن البحث يشير إجمالًا إليها وإلى أهم ما تحتويه:

الدعاء يرد في القرآن الكريم على معانٍ من أهمها:

-العبادة: وذلك مثل قوله تعالى: (قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا) يعني: أنعبد، ومنه آياتنا محل الدراسة.

-القول: ومنه قوله تعالى: (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ?5?) [الأعراف: 5] . يعني: ما كان قولهم إذ جاءهم عذابنا إلا أن قالوا: إنا كنا ظالمين.

-النداء: ومنه قوله: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ?10?) [القمر: 10] . أي: فنادى ربه.

-الاستغاثة: فذلك قوله تعالى: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: 23] . أي: استغيثوا بهم 90.

والآيات التي معنا جاء الدعاء فيها بمعنى العبادة، ويحتمل أن يكون بمعنى التسمية، فمعنى «تدعون من دون الله» أي: «تعبدونهم وتسمونهم آلهة» 91.

وأقول: يحتمل أن يكون الدعاء على حقيقته من طلب قضاء الحوائج وتلبية المصالح التي يتوجهون بها إلى آلهتهم. والله أعلم.

وهنا يخاطب الله تعالى المشركين عباد الأوثان، موبخًا إياهم على عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع بقوله: إن الذين تدعونهم عباد أمثالكم، مخلوقون ومربوبون لله رب العالمين، لا يخرجون عن طوعه وأمره؛ لأنهم مملوكون له، كما أنتم له مماليك، فإن كنتم صادقين في اعتقادكم فيها، فادعوها ولتستجب لدعائكم إذا ما دعوتموها، وإلا فأيقنوا أنها لا تنفع ولا تضر؛ لأنهما إنما يكونان ممن يملكهما وهو الله تعالى 92.

ولكن لم وصف الله الأصنام بأنها «عباد» مع أن هذا اللفظ لا يطلق إلا على العقلاء من البشر؟

وللجواب نقول: وصفت بذلك من حيث كونها مملوكة مسخرة، فصح إطلاق لفظ «العباد» عليها لذلك، وقيل: وصفت بذلك بناء على أن المشركين لما ادعوا أنها تضر وتنفع وجب أن يعتقدوا فيها كونها عاقلة فاهمة؛ فلذا ورد هذا اللفظ على حسب ما يعتقدون.

وقيل: إن هذا اللفظ «عباد» ورد في معرض الاستهزاء بهم، وسيق على سبيل الفرض والتقدير، كأنه قيل: إن قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء أمثالكم، فإن ثبت ذلك فلا فضل لهم عليكم، فلم جعلتم أنفسكم عبيدًا، وجعلتموها آلهة وأربابًا» 93.

ولا مانع من الجمع بين هذه الأوجه جميعها؛ لأنه لا تدافع بينها، فالأصنام مملوكة لله فهي من عباده، والمشركون يعتقدون فيها النفع والضر، فخوطبوا على حسب ما يعتقدون استهزاء وسخرية بهم، وبهذا يتم الجمع بين الوجوه الثلاثة.

والله تعالى هنا يذكر عن عباد الأصنام أمرين:

الأول: عبادتهم للأصنام.

الثاني: أنهم جعلوها شفعاء لهم عند الله.

أما الأول: فقد نبه على فساده من وجهين:

أحدهما: أن المعبود لابد وأن يكون أكمل قدرة من العابد، وهذه الأصنام لا تنفع ولا تضر ألبتة، وأما هؤلاء الكفار فهم قادرون على التصرف في هذه الأصنام تارة بالإصلاح وأخرى بالإفساد، وإذا كان العابد أكمل حالًا من المعبود كانت العبادة باطلة.

ثانيهما: أن العبادة أعظم أنواع التعظيم، فهي لا تليق إلا بمن صدر منه أعظم أنواع الإنعام، من حياة وقدرة وعقل ونحوها، وهذا لا يصدر إلا من الله تعالى فوجب أن لا تليق العبادة إلا به سبحانه 94.

والأمر الثاني الذي حكاه الله عنهم: قولهم عن الأصنام: أنها ستشفع لهم عند الله تعالى، وإنما صدر عنهم هذا القول «لتوهمهم أنهم ليسوا أهلًا للاشتغال بعبادة الله تعالى، بل يشتغلون بعبادة الأصنام، ويدعون أنها تشفع لهم عند الله تعالى» 95.

هذا بالنسبة للعبادة والدعاء والتضرع، أما بالنسبة للعكوف فقد عرفه الراغب بقوله: «العكوف: الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له» 96.

وقال صاحب البصائر: «العكوف على الشئ: الإقبال عليه مواظبًا. وعكفه يعكفه ويعكفه عكفًا: حبسه، والقوم حوله: استداروا، وقوم عكوف: عاكفون» 97.

هذا والملاحظ على آيات «العكوف» أمور، هي:

الأول: ورد التعبير عن العكوف في قصة بني إسرائيل بالفعل المضارع «يعكفون» للدلالة على تجدد عكوف هؤلاء القوم على عبادة الأصنام، وأنهم يجددون ذلك لها حينًا بعد حين، وكان التعبير بالمضارع هنا مناسبًا لأن أحداث القصة تناسب ذلك، فبنو إسرائيل مروا عليهم بعد خروجهم من البحر، ونجاتهم من فرعون -عليه اللعنة-.

الثاني: وورد التعبير عن العكوف في بقية الآيات بالاسم «عاكفين-عاكفون- عاكفًا» للدلالة على الدوام والاستمرار، وأن المشركين في عهد إبراهيم عليه السلام عبروا عما يجيش في صدروهم من طول المكث، وعدم وجود نية التحول عن عبادة الأوثان إلى غيرها.

الثالث: الاستفهام في الآيات مجازي بمعنى التحقير والتقرير، وقد كان إبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة أصنام، ولكنه سألهم ليريهم أن ما كانوا يعبدونه ليس مستحقًا للعبادة؛ لما ترتب على جوابهم من أوصاف معبوداتهم التي هي منافية للعبادة 98.

الرابع: لما سألهم إبراهيم عليه السلام عن الذي يعبدونه لم يقتصروا على ذكره فقط، بل أجابوا بما يزيد عليه، فقالوا: (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) [الشعراء: 71] .

ولم يقتصروا على أن يجيبوا بقولهم: «أصنامًا» للدلالة على ابتهاجهم وافتخارهم بعبادهم هذه؛ لذا أتوا بقصتهم كاملة 99.

الخامس: عبروا بقولهم: (فَنَظَلُّ) لأنهم كانو يعبدونهم بالنهار دون الليل، أو معناه: الدوام 100، والله أعلم.

ثانيًا: ذبح الذبائح والقرابين باسم الأصنام:

هذا هو المظهر الثاني من مظاهر تقديس الأصنام وعبادتها، وجاء الحديث عن هذا المظهر في القرآن الكريم في ثوب تحريم الذبح والإهلال لغير الله تعالى في أربع آيات من القرآن الكريم وهي -حسب ورودها في المصحف- كما يلي:

قوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ? فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ? إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [البقرة: 173] .

وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [المائدة: 3] .

وقوله: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ?) [الأنعام: 121] .

وقوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ?) [النحل: 115] .

هذه الآيات المباركات تكشف لنا عن لون من ألوان تعبد الوثنيين لأصنامهم، وهو أنهم كانوا يذبحون الذبائح باسمها، ويرفعون أصواتهم بها عند الذبح، وينذرون النذور لها، ويتزلفون بمختلف القرابين؛ لذا فإن ربنا سبحانه وتعالى نهى المسلمين عن مثل هذه الصور المحرمة، والشركيات الباطلة.

وأصل الإهلال -كما يقول الراغب- رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل لكل صوت، وبه شبه إهلال الصبي إذا ولد، حيث يستهل صارخًا، وقوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ) أي ما ذكر عليه اسم غير اسم الله وهو ما كان يذبح لأجل الأصنام 101 لأجل التقرب لها، والظفر بحسن المنزلة لديها.

وحرم الله تعالى أكل ما ذبح على غير اسمه تعالى «لخبثه معنويًا؛ لأنه ذكر عليه اسم غير خالقه المنعم به عند ذبحه، ولولا ذلك لكان حلالًا، وسمي الذكر إهلالًا لما فيه من الإهلال، أي: رفع الصوت .. » 102.

ولقد كان أهل الجاهلية يذبحون باسم أصنامهم، وكان عند كل صنم مذبح يذبحون فيه القرابين، ومن مظاهر تعبدهم عند الذبح أنهم كانوا يأخذون بعضًا من دماء هذه القرابين، ويلطخون بها الأصنام تخليدًا لذكرى تعبدهم بالذبح عندها، ومن جهلهم أنهم كانوا يذبحون ذبائح كثيرة يلقونها بجوار الصنم زاعمين أنها للآلهة فلا يقربها أحد، ويكون مصيرها في النهاية الهلاك، أو طعمة للسباع والطيور ... ولا حول ولا قوة إلا بالله.

هذا وإن الآيات عامة في «تحريم ذبيحة الوثني والمجوس والمعطل، فهي كلها حرام كذبيحة من ذكر اسم غير الله عليها» 103.

ومن ضمن المحرمات المذكورة في الآيات: قوله تعالى: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى) والنصب: هي الحجارة التي تنصب حول الكعبة وما جاورها لتذبح عندها الذبائح، وكانوا يلطخون أصنامهم بدمائها.

وفي ذلك يقول بعض العلماء «النصب: حجارة ينصبونها حول الكعبة، وكانوا يذبحون عندها للأصنام، ويلطخونها بتلك الدماء، ويضعون اللحوم عليها» 104.

هذا ولقد كان أهل الجاهلية «يسمون ذبائح الغنم التي جعلوها لأصنامهم، وأنصابهم تلك بـ «العتائر» والعتيرة في كلام العرب: الذبيحة، والمذبح الذي يذبحون فيه لها يسمى العتر» 105.

وهذا النهي في آية الأنعام في قوله: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) مخصوص بما إذا ذبح على اسم النصب، ويدل عليه وجوه:

أحدها: قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) حيث أجمع المسلمون على أنه لا يفسق آكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية.

ثانيها: قوله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى? أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) ، وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة.

ثالثها: قوله تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) وهذا مخصوص بما ذبح على اسم النصب، يعني: لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت باسم الأوثان فقد رضيتم بإلهيتها، وذلك يوجب الشرك 106.

هذا والملاحظ على الآيات أمور، وهي:

الأول: «تكرر قوله: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ) في الآيات للتأكيد على تحريم هذا الأمر، فلقد كان الذبح لغير الله من الأمور العادية عند الجاهلين، وكانوا يفعلونه على أنه من أمور حياتهم الطبيعية، حتى استفحل فيهم هذا الأمر، وانتشر وأصبح من الصعب عليهم قسرهم عن هذه العادات مرة واحدة بأمر واحد؛ لذا كان من حكمة القرآن البالغة أن كرر تحريم هذه الأمور مرات ومرات؛ حتى يستأصل شأفة الداء من عندهم، وعلى هذا فالتكرار للتأكيد والتقوية، وترسيخ المعنى في الأذهان.

الثاني: غايرت آية النحل آية سورة البقرة في الأسلوب حيث أخر لفظ «به» عن قوله: «لغير الله» فآية النحل تقول: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ) وآية البقرة تقول: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ) فما سر التقديم والتأخير؟

وأجيب عن ذلك بأن «تقديم الباء في (به) هو الأصل، فإنه يجري مجرى الألف، فكان كحرف من الفعل، فكان الموضع الأول- أي: آية سورة البقرة- أولى بما هو الأصل ليعلم ما يقتضيه اللفظ، ثم قدم فيما سواه ما هو المستنكر -وهو الذبح لغير الله- وتقديم ما هو المستنكر أولى؛ ولهذا جاز تقديم المفعول على الفاعل، والحال على ذي الحال .. » 107، وعلى الثاني وردت آية النحل.

الثالث: حذف من آية النحل قوله: « (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) وذكر في آية البقرة، وذلك لأنه لما قال في آية البقرة: (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) صريحًا -وهذا هو الموضع الأول: اكتفى به في غيره تضمينًا؛ لأن قوله في آخر الآية: (غفور رحيم) ہ) دل على أنه لا إثم عليه» 108، والله تعالى أعلم.

أرأيت معي كيف أفادتنا هذه الآية الكريمة من المعاني الجديدة التي تنبض بالحيوية والجدة مع أنها مكررة ألفاظها من قبل، إذًا لا تخلو إعادة من إفادة، ولا تكرار من جديد، وهذا هو شأن القرآن دومًا، فجميع كلماته بل حروفه تنبض كلها بالجدة والنضارة ... ألا فليخسأ أعداء الله، فإن الله حافظ كتابه، وراد كيدهم في نحورهم: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [التوبة: 32] .

ثالثًا: الاستقسام بالأزلام عند الأصنام:

من مظاهر تقديس العرب للأصنام الاستقسام بالأزلام عندها، ولقد جاءت الإشارة إلى هذا المظهر في آيتين من كتاب الله، وكلتا الآيتين وردتا في سورة المائدة.

الأولى: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) إلى أن قال: (أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ? ذَ?لِكُمْ فِسْقٌ) [المائدة: 3] الآية.

والثانية: قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: 90] .

والأزلام: عبارة عن عيدان دقيقة متخذة من شجر متين، يتسم بالصلابة والقوة، وسمت بعلامات ميزت بعضها عن بعض، والاستقسام بها معناه: «طلب القسم، أي: معرفة ما يقسم للإنسان ويقدر» 109.

أو «هو طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح» 110.

كيفية الاستقسام بالأزلام:

كان العرب إذا أراد أحدهم السفر للتجارة أو الغزو ونحوهما، أو أراد زواجًا، أو حفر بئر، أو أراد معرفة نسب ولدٍ ما ... أو غير ذلك من أمور حياتهم الغيبية جاءوا إلى الأصنام، واستقسموا بالأزلام عندها، واستقرؤوها الغيب، وكان في أحد هذه الأزلام «افعل» ، وفي الآخر «لا تفعل» ، والثالث «لا شيء فيه» ويجعلونها في قدح معين، ثم يحركها سادن الصنم، ويأتي المستقسم ليأخذ واحدًا من هذه العيدان، فإن خرج الآمر ائتمروا، وإن خرج الناهي انتهوا، وإن خرج الثالث أعادوا الضرب حتى يخرج أحدهما 111.

سبب استقسامهم بالأزلام:

لقد استقسم العرب بالأزلام، واستقرؤوها الغيب، «لأنهم كانوا في حيرة من أمرهم، فأديان شتى، وقبائل متفرقة، لا نظام معين يردون إليه، ولا حكومة موحدة يرجعون إليها، وصحراؤهم تبسط عليهم جناح الأمن حينًا، وتسدل عليهم الحروب أحيانًا، فضلًا عن سوء أحوال المعيشة واضطرابها بين جوع وشبع، وفقر وغنى .. إلخ، وكانت هذه الأمور وغيرها مثار قلق وحيرة واضطراب لديهم، فكان لابد لهم من مذهب عنهم الحيرة والقلق، فلجأوا إلى وسائل شتى، ظنوها تجلب إليهم الطمأنينة، فلجأوا إلى التفاؤل والطيرة، فحكموا الحيوان والطير في أمورهم، وتفاءلوا بالأصوات والكلمات .. وأخيرًا اتخذوا الأزلام يستقسمون بها الغيب المخبوء عنهم» 112.

لكن الله تعالى بالإسلام حرم كل هذا الخلط والخبط العشوائي، فنهى عن الاستقسام بالأزلام ووصفه بأنه فسق «لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوب، حيث يقول سبحانه: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ? وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ?65?) [النمل: 65] .

واعتقاد أن إلى الغيب طريقًا، وإلى استنباطه سبيلًا خطأ وضلال مبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت