فيه إشارة إلى أن نوعا من اللعب يؤدي إلى الكفر، وهو اللعب على وجه الاستهزاء بالله وبالقرآن وبالرسول صلى الله عليه وسلم.
فقد روي عن قتادة في قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة:65] .
قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وركبٌ من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فقال: (علي بهؤلاء النفر) فدعاهم فقال: (قلتم كذا وكذا؟) فحلفوا: ما كنا إلا نخوض ونلعب 40.
يقول الفخر الرازي: (إِنَّهُ تعالى بين أن ذلك الاستهزاء كان كفرًا، والعقل يقتضي أن الإقدام على الكفر لأجل اللعب غير جائزٍ، فثبت أن قولهم: إنما كنا نخوض ونلعب ما كان عذرًا حقيقيًّا في الإقدام على ذلك الاستهزاء، فلما لم يكن ذلك عذرًا في نفسه نهاهم الله عن أن يعتذروا به؛ لأن المنع عن الكلام الباطل واجبٌ 41.
فاللعب الذي يؤدي إلى الكفر أو ارتكاب محرمٍ، أو تضييع واجبٍ، يكون حراما، وسياق الآيات القرآنية التي وردت فيها مادة: (لعب) ومشتقاتها كلها وردت في سياق الذم والتقبيح إلا ما وردت في سورة (يوسف الآية:12) ، وإن أغلبها مقترنة بألفاظ تدل على الذم مثل: اللهو، والهزء، والخوض.
عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل ما يلهو به الرجل المسلم باطلٌ، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن من الحق) 42.
قال الكاساني الحنفي: واللعب حرامٌ في الأصل إلا أن اللعب بهذه الأشياء صار مستثنًى من التحريم شرعًا، واستثنى الملاعبة بهذه الأشياء المخصوصة فبقيت الملاعبة بما وراءها على أصل التحريم 43.
وقال الخطابي: إن جميع أنواع اللهو محظورة، وإنما استثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الخلال من جملة ما حرم منها؛ لأن كل واحدة منها إذا تأملتها وجدتها معينة على حق، أو ذريعة إليه، ويدخل في معناها ما كان من المثاقفة بالسلاح، والشد على الأقدام، ونحوهما مما يرتاض به الإنسان، فيتوقح بذلك بدنه، ويتقوى به على مجالدة العدو. فأما سائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو كالنرد، والشطرنج، والمزاجلة بالحمام، وسائر ضروب اللعب، مما لا يستعان به في حق، ولا يستجم به لدرك واجب، فمحظور كله 44.
إن الله تعالى وصف الدنيا باللهو واللعب في كثير من الآيات، وبأسلوب القصر؛ ليُفْهِم الخلق أن الدنيا مهما تزينت لأصحابها، وطال عمر الإنسان فيها، ومهما اجتمع للإنسان فيها من أسباب الغنى والثروة، ومهما كثر متاعها وزخرفها، فهي لا تعدو أن تكون لهوا ولعبا، وأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، وأن الدار الآخرة خير منها.
وقد اختلف العلماء في المراد من الحياة الموصوفة باللعب واللهو في قوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [الأنعام:32] .
على قولين:
الأول: المراد منها حياة الكافر والمشرك، لأن حياة المؤمن يكثر فيها الأعمال الصالحة ويتقرب فيها إلى الله تعالى فهي مزرعتها لآخرته، وعليها يثاب بأجزل الثواب، وأعظم الجزاء. ويقل فيها اللغو والباطل، فلا توصف حياته باللعب واللهو. وأما الكافر فإن كل حياته في الدنيا وبال عليه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد حياة أهل الشرك والنفاق 45.
والحياة في ذاتها غير مذمومة، بل في الحياة حكم عظيمة، يكفيها أنها من خلق الله، ليبلو بها بني آدم.
قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } [الملك:2] .
ومعلوم أن لله تعالى حكمة في خلق كل مخلوقاته، ولم يخلق عبثًا.
قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) } [الأنبياء:16] .
فدل مجموع ما ذكرنا على أن الحياة الدنيا غير مذمومة على إطلاقها من غير قيد، بل المراد أن من لم يستخدم هذه الحياة الدنيا في طاعة الله، بل صرفها إلى طاعة الشيطان ومتابعة الهوى فذاك هو المذموم 46.
ومن خلال استقراء كلمة اللعب في القرآن الكريم يتبين لنا أن حياة المؤمن التقي والعالم حياة جد وعطاء، وليس حياة لهو ولعب وغفلة وعبث. لننظر إلى الآيات التي ورد فيها وصف الحياة الدنيا باللعب واللهو، كيف يصف الدار الآخرة ويحدد أهلها، في إشارة إلى أن لكل منهما أهلها.
قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) } [الأنعام:32] .
وقال: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) } [محمد:36] .
وقال: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) } [العنكبوت:64] .
ففي هذه الآيات إشارة إلى أن المتقين والعالمين بالحقائق لا يعنيهم أمر اللعب واللهو في شيء، وأنهم بعيدون عنه كل البعد، وهم في طاعة مستمرة ابتغاء مرضاة الله تعالى.
قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) } [القصص:55] .
الثاني: أنها تشمل حياة المؤمن والكافر، فهي عامة؛ لأن الإنسان مسلمًا كان أو كافرًا، يلتذ باللعب واللهو، ثم عند انقضائه وانتهائه، تحصل له الحسرة والندامة؛ لأن اللذة الحاصلة من اللعب واللهو سريعة الزوال لا بقاء لها 47.
ووجه تسمية الحياة الدنيا باللعب واللهو؛ لأن مدتها قليلة سريعة الانقضاء والانتهاء، كمدة اللعب واللهو؛ ولأن الإنسان في كثير من الأحيان يقع في المكاره والمتاعب بسبب الانشغال باللهو واللعب، كذلك الحال لمن انشغل بملذات الدنيا. أو لأن اللعب واللهو إنما يحصل للصبيان والمغفلين. وأما العقلاء والنبلاء فقلما يحصل لهم خوضٌ في اللعب واللهو وكذلك الالتذاد بطيبات الدنيا لا يحصل إلا للمغفلين الجاهلين بحقائق الأمور 48.
ذكرت في القرآن الكريم بعضا من صور اللعب بالدين. نذكر جلها ضمن النقاط الآتية:
أولًا: اللعب بالآيات:
قال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) } [الأنعام:70] .
في هذه الآية الكريمة يخاطب الله تعالى نبيه الكريم أن يذر ويترك الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، واغتروا بمباهج الحياة الدنيا وزخارفها ومتاعها ولذائذها، ووأمره أن يذكر الناس بالقرآن، كي لا ترتهن أو تحبس نفس بذنوبها وتصبح رهينة ما كسبت، في يوم ليس لها غير الله ناصر ينقذها من العذاب، ولا شافع يشفع لها عنده، ولا فدية تنفعها.
والأمر بترك هؤلاء يعني: عدم المبالاة بتكذيبهم واستهزائهم، أو هو تهديد لهم، فهو كقوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) } [المدثر:11] .
أو المراد به ترك معاشرتهم ومخالطتهم لا ترك الإنذار والتخويف؛ لأن هذا يناقض مهمة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. ويدل عليه قوله تعالى: {وَذَكِّرْ بِهِ} 49.
وفي المراد بدينهم الذي اتخذوه لعبا ولهوًا وجوه 50:
أولًا: دين الإسلام، فإنهم كلفوا وأمروا به، فاستهزؤوا به.
ثانيًا: اتخذوا ما هو لعبٌ ولهوٌ من عبادة الأصنام وغيرها دينًا لهم.
ثالثًا: اتخذوا أعيادهم لعبًا ولهوًا.
رابعًا: الملة، أي ما يتدينون به وينتحلونه ويتقربون به إلى الله.
والذي يبدو لي أن تفسير الدين بالإسلام الذي أخذ جل تعاليمه وأحكامه من القرآن والذي كان المشركون يستهزؤن به، يتناسب مع سياق الآيات السابقة، فإن الله تعالى خاطب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في حق الذين يخوضون في آيات الله من الكافرين والمشركين فقال: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) } [الأنعام:68 - 69] .
ثم أمره بأن يذر الذين يتخذون دينهم لعبًا ولهوًا، وغرتهم الحياة الدنيا بزينتها، ثم أمره بأن يستمر بتذكير هؤلاء و غيرهم بالقرآن الكريم ولا يبالي باستهزائهم وتعنتهم.
وعلى هذا يكون المراد بالاسم الموصول (الذين) في قوله تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا} الكفار الذين يخوضون في آيات الله 51:وقد قيل: إن الكفار كانوا إذا سمعوا القرآن لعبوا ولهوا عند سماعه 52:
وقد فسر كل من الواحدي 53، والبغوي 54، وابن عادل 55، والألوسي 56 قوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا} بالكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزؤوا بها وتلاعبوا عند ذكرها.
يقول الخطيب الإسكافي: (فهؤلاء قوم حضروا النبي وسمعوا القرآن، وعبثوا عند سماعه ولعبوا بآياته، وأجروها مجرى أفعال يستروح إليها، ولا نفع في عقباها، ثم شغلوا بدنياهم عن تدبرها وألهتهم حلاوتها عن الفكر في صحتها) 57.
وأما كيفية اتخاذهم دينهم لعبًا ولهوًا فإنهم بنوا أمر دينهم على التشهي، وتدينوا بما ليس فيه فائدة ونفع، كعبادتهم للأصنام، أو أن أعمال دينهم لم تكن واقعة موقعًا مما يرضي الله تعالى. فكانت إما صرفًا للوقت فيما لا نفع فيه فيكون لعبًا، وإما شاغلة عن بعض الشؤون فيكون لهوًا 58.
ثانيًا: الشعائر الدينية:
ذكر الله سبحانه وتعالى نوعًا من اللعب الحرام، وهو اللعب والاستهزاء بالصلاة والنداء إليها، فقال: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) } [المائدة:58] .
أي: إذا أذن المؤذن للصلاة، فسمعه الكفار استهزءوا به. وإذا رأوهم يصلون ورأوا ركوعهم وسجودهم استهزءوا بذلك أيضا. وكان استهزاؤهم بسبب كونهم قوم لا يعقلون، وإنما نفى عنهم العقل؛ لأن لعبهم واستهزاءهم هذا من أفعال السفهاء والجهلة، فكأنه لا عقل لهم، أو لأنهم لم ينتفعوا بعقولهم في أمور دينهم 59.
فقد أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن سفه الكافرين والمشركين فيما صنعوا من السخرية والاستهزاء حين سماعهم الأذان ومشاهدتهم الصلاة.
فقد ذكر المفسرون عددًا من الروايات في سبب نزول هذه الآية، منها:
عن السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: «أشهد أن محمدًا رسول الله» ، قال: «حرق الكاذب» فدخلت خادمهَ ذات ليلة من الليالي بنار، وهو نائم، وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله 60
وقال الكلبي: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا وصلوا لا صلوا، ويضحكون على طريق الاستهزاء فأنزل الله هذه الآية 61.
وقيل: كان المنافقون يتضاحكون ويتغامزون عند القيام إلى الصلاة تنفيرًا للناس عنها 62.
وقال آخرون: إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله والمسلمين على ذلك، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئًا لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية. فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء والرسل قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العنز؟ فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر. فأنزل الله تعالى هذه الآية 63.
وهذه الآية توكيد للآية السابقة وبيان لمن اتخذ الدين هزوًا ولعبًا.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) } [المائدة:57] .
فقد بين استهزاءهم بحكم خاص من أحكام الدين، بعد ذكر استهزائهم بالدين بوجه عام 64.
وعلى هذا فتأخذ هذه الآية حكم سابقتها في عدم جواز موالاة من استهزأ بالأذان والصلاة، وعدم اتخاذهم أولياء؛ لأنهم بفعلهم هذا قد كفروا.
ثالثًا: الأنبياء وأتباعهم:
من صور اللعب بالدين هو الاستهزاء بالرسل وورثتهم من العلماء والدعاة، وهذه العادة قديمة معروفة عبر القرون.
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) } [الحجر:10 - 11] .
أي: لقد أرسلنا قبلك رسلًا إلى أممٍ قد مضت من قبل، وما أتى رسولٌ أمةً إلا كذبوه واستهزءوا به. فهذا دأب الأمم المكذبة لرسلها عبر التاريخ.
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن الاستهزاء بالرسل، منها: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) } [الأنعام:10] .
و {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) } [الحجر:10 - 11] .
و {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) } [الذاريات:52] .
و {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) } [الكهف:106] .
والرسل الكرام عليهم السلام تعرضوا للسخرية والاستهزاء، فصبروا وتحملوا، ولم يتركوا دعوة أقوامهم إلى الله تعالى، وكان نتيجة استهزاء هؤلاء الأقوام الهلاك والخسران.
واللعب على وجه الاستهزاء بالعلماء والقراء وأهل الخير والصلاح بمثابة الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، كما ورد في سبب نزول قوله تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) } [التوبة:64 - 65] .
عن عبد الله بن عمر قال: (قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن. قال عبد الله ابن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة، وهو يقول:(يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب) ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) 65.
ففي هذا بيان أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها، أو بفعل يفعله، ومن ذلك الخوض واللعب في الباطل الذي يؤدي إلى الاستهزاء بالله والقرآن والرسول، وكذا المؤمنين على وجه العموم وأهل العلم على وجه الخصوص. وقد وصف الله من كان هذا شأنه بالمجرم، وأن عمله هذا يجعله كافرا، حيث قال: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) } [المطففين:29 - 34] .
ومن الأدلة على أن الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين من شأن أهل النار، فعندما ينادي أهل النار قائلين: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) } [المؤمنون:107] .
يقول الله تعالى جوابًا لهم: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) } [المؤمنون:108 - 111] .
فالاستهزاء بالمؤمنين لأجل إيمانهم، وبالعلماء لكونهم علماء يخدمون الشريعة الإسلامية، ومن أجل العلم الشرعي، فهذا كفر؛ لأنه استهزاء بدين الله تعالى.
وأخيرًا إن اللعب في الدين بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله، وورثة الرسول من العلماء والدعاة يوصل إلى الكفر، ولا يعذر فاعله.
قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة:65 - 66] .
نجمل فيما يأتي أهم أسباب اللعب كما تفهم من الآيات القرآنية:
1.الكفر.
من البدهي أن يكون الكفر سببًا من أسباب اللعب واللهو في الحياة الدنيا؛ لأن الكافر لا يؤمن بالآخرة، فلا يجهد نفسه في الطاعات والعبادات، ولا يمسك نفسه عن المحرمات، فما تشتهيه نفسه يفعله.
قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) } [الفرقان:43 - 44] .
وقال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) } [الأعراف:179] .
فالكافر يرى نفسه على الحق، وأن كفره بالله وباليوم الآخر هو عين الصواب، ومن يخالفه الرأي فهو جاهل أو مجنون أو مختل العقل، فيستهزيء بهم ويسخر منهم، وإذا قريء عليه القرآن أو دعي إلى الله اتخذها لعبًا وهزوًا، ويضحك منهم.
ويشير سبحانه وتعالى في القرآن الكريم إلى وجود علاقة ظاهرة بين الكفر وبين اتخاذ الدين لعبًا ولهوًا.
قال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) } [الأنعام:70] .
ففي صدر الآية يتحدث عن من يتخذ الدين لعبًا ولهوًا، والحال غرتهم الحياة الدنيا، يذكر أن الذين أسلموا أنفسهم للهلاك بسبب كسبهم في الاستخفاف بالدين واتخاذه لعبًا ولهوًا، لهم شراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم.
وفي النتيجة: إن رسوخهم في الكفر أفسد فطرتهم حتى لم يبق فيهم استعداد للحق والخير 66.
2.الجهل.