وعلى هذا النمط جاءت دعوة الرسل عليهم السلام جميعًا كما يذكر القرآن ذلك تفصيلًا، حتى علم خاتمهم محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس هذه الكلمات المتفردة في الإيجاز والإعجاز، (بسم الله الرحمن الرحيم) (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص 1 - 4] .
وهذه الآيات على وجازتها شاملة لأصول الصفات الإلهية، وردت على جميع أنواع الملحدين فيها، ثم هي مقررة لأسمى العقائد اللائقة بالله عز وجل، ومصححة لضلالة أهل الكتاب، ناهيك عن المشركين والملحدين، وكفى بها دلالة على صدق النبي الأمي في نسبة هذا الدين إلى الوحي الإلهي؛ ولذلك جاء في الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (قل هو الله أحدٌ تعدل ثلث القرآن) 37. أي: أنها تعدل ثلث القرآن، أو هي ثلث القرآن من حيث دلالتها على أهم مقاصده، وهي الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى.
فالآية الأولى: إثبات للوحدانية بأبلغ وجه، ولذلك قالوا إن لفظ الأحد خاص بوصف الله لا يوصف به غيره، فلا يقال: رجل أحد، إنما يقال: الله أحد.
والثانية: بيان لأسباب (أحديته) سبحانه، بتقرير أنه السيد الكامل في جميع صفاته وأفعاله، المقصود في جميع الحوائج وهو الغني عن كل شيء.
والثالثة والرابعة: بيان لهذه الأسباب أيضًا بتقرير تفرد ذاته عن الأصول والفروع، لم يلد ولم يولد وما يلزمها من الصاحبة، أمًا أو زوجًا؛ ولذلك تنزه عمن يكون في درجته، وإن لم يكن أصلًا ولا فرعًا، وهذا التفصيل جاء على سبيل الحصر في دعوة الرسل جميعًا على ما قرره القرآن الكريم على سبيل الإجمال والتعميم: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25] .
«ويؤخذ من هذا:
أولًا: أن الوحدانية وحي إلهي لكل الرسل، لم يوكلوا فيه إلى أفهامهم وعقولهم الراجحة، حتى هذه العقول الراجحة لا توكل إليها قضية الوحدانية والتوحيد، لذلك يتولى الوحي الإلهي تقريرها.
ثانيًا: أنها رأس الوحي وأفضله وأوله، وقد جاء ذلك في الحديث الذي رواه الترمذي بسنده عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير) ٌ 38.
ثالثًا: أن هذه الحقيقة الاعتقادية الأولى تستلزم خضوعًا كليًا لله تعالى، متمثلًا في إفراده بالعبادة والطاعة عملًا، بعد إفراده بالوحدانية اعتقادًا، ولذلك ختمت بها الآية الجامعة: (لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، وجاء تفصيلًا على لسان كل رسول (عْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ) ، وقررها القرآن الكريم كثيرًا بالإجمال والتفصيل، كما قال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَ?نِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ?45?) [الزخرف: 45] .
رابعًا: أن الآيات الكريمة تستعمل دائمًا أسلوب النفي مع الإثبات خاصة في مجال التكليف الذي يقصد فيه الأمرين جميعًا، أعني: إثبات الوحدانية لله تعالى ونفيها عن كل شيء عداه، تأكيدًا لتفرده عز وجل، وإبطالًا لدعوى المشركين والملحدين في كل زمان» 39.
أقسام الإيمان بالله تعالى:
يقتضي الإيمان بالله تعالى إفراده تعالى بحقوق لا تكون لغيره، وهذا هو معنى التوحيد الذي يتحقق بامتثال العبيد لهذه العقيدة التي كلفوا بها في معناها الواسع، وفي مدلولها الشامل:
أولًا: ففي جانب الربوبية: يجب اعتقاد تفرد ذات الله عز وجل عن كل شبيه ونظير، وتفرده سبحانه وتعالى بكل صفات الخلق والملك، والتدبير والتأثير، وكل معاني الربوبية.
ثانيًا: وفي جانب الإلهية: يجب اعتقاد تفرده سبحانه وتعالى بحق العبادة والطاعة، والأمر والحكم، والاستعلاء، وكل ما هو داخل في معنى الألوهية.
وهذا تقسيم بحسب المعاني، وإلا فهما وصفان لله الواحد الأحد المتفرد بهما، والتوحيد هو جميع هذين الأمرين معًا، فلا يقبل التجزئة ولا الانقسام، ولما كان ادعاء الخلق والتدبير لغير الله عز وجل لا يكاد يوجد إلا على سبيل المكابرة والمهاترة، وكان الذي كثر في الأمم وشاع: هو اعتقاد أن لغير الله تعالى حقًا ما في الطاعة أو العبادة؛ لذلك تركز تصحيح الرسل عليهم السلام على هذا الجانب، وكثر النزاع بينهم وبين أقوامهم فيه؛ ولذلك كانت الدعوة إلى كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» هي مفتاح الدخول في الإسلام، ومعول نقض الجاهلية؛ لأن معناها اعتقاد تفرد الله تعالى بالعبادة والطاعة وحده لا شريك له، وأول ما يترتب عمليًا على ذلك هو قبول منهاجه ودينه، ورفض مناهج البشر والطواغيت من السدنة، والكهنة، وأصحاب السلطان، والتخلص من شرائعهم وقوانينهم وأعرافهم، ومن هنا كان هذا التوحيد خطرًا داهمًا على هؤلاء وأمثالهم، فكانت العدوات تندلع بينهم وبين الأنبياء بادئ الأمر بلا روية، وكأنها قانون يتكرر باطراد، كما قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم في مطلع الوحي، حين جاء يسأل ورقة، فقال له: (لم يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عودي) 40.
«ومن هنا يتضح ارتباط هذه القضية بأصل الأصول وهو التوحيد، وأن الإخلال فيها وضعًا أو اتباعًا هو إخلال بهذا الأصل، فإن كان الإخلال اعتقادًا صار شركًا يبطل التوحيد، وإن لم يصل إلى درجة الاعتقاد كان من كبائر الإثم، بل كان تطاولًا خطيرًا على حق الله المتفرد في الحكم والأمر، وعلى حقه في العبادة والطاعة، يوجب على المؤمنين أن ينكروه وأن يبرؤوا منه، وأن يقاوموه بكل الطرق التي حددتها شريعة الله تعالى، حتى يفيء أصحابه إلى أمر الله عز وجل، ومن ناحية أخرى: كان الإخلال بالتوحيد في هذا الجانب الخطير هو المسئول عما تعانيه البشرية من كوارث شاملة، خلقية كانت أو اجتماعية، أو سياسية، وذلك لاحتراف الإنسان أمر التشريع وهو لا يحسنه ولا يحيط به خبرًا، وقد كان الخطأ في المعرفة الصحيحة للإله الواحد، واستخدام هذه المعرفة في الحياة اليومية، أحد الأسباب الأساسية في اضطراب الحضارة المعاصرة» 41.
ثالثًا: التفرد بصفات الكمال المطلق: فما من صفة من صفات الكمال المطلق الذي لا تحده نسبة ولا إضافة إلا والله تبارك وتعالى متصف بها، فوق ما تتصوره عقولنا المحدودة، يقول الله تعالى في تقرير اختصاصه بالخلق ابتداء، ثم الإعادة، وفي تقرير كونها أهون عليه، مع أنهما أمران عظيمان، تحار فيهما العقول.
يقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ? وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى? فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الروم: 27] .
ويقول سبحانه (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى?) [النحل: 60] .
وجماع ذلك كله: قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ? وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11] . أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء، لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه 42.
وهذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، من إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات.
ونذكر هنا ببعض الصفات التي أكد الله تعالى عليها في كتابه العزيز.
فالله عز وجل يعلم الأشياء كلها علم إحاطة وانكشاف، السر عنده علانية، الغيب عنده شهادة، ولا تقف أمامه حوادث الزمان والمكان، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
وقد أحصى ذلك عدًا ووصفًا، وكل شيء كما قال ربنا: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) [يس: 12] .
وقال ربنا: (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) [القمر: 53] .
وقال تعالى: (عَالِمِ الْغَيْبِ ? لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَ?لِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [سبأ: 3] .
وهذا الكتاب المبين: هو اللوح المحفوظ، وهو سبحانه وتعالى لا يعلم الأمور الجزئية فحسب؛ بل ما دون ذلك من الخفيات والطويات، ولقد قال للكفار حين ظنوا أنه لا يسمع تآمرهم ونجواهم، قال تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ? إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: 13 - 14] .
بل إن علمه سبحانه وتعالى أدق وأشمل من كشف سرهم، إذ يصل إلى ما هو أبعد من ذلك (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه: 7] .
وأي شيء أخفى من السر؟ لعلة ما استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، أو لعله ضمير النفس، كما يقول بعض المفسرين، وهذا ما يسمى حديثًا باللاشعور، حيث لا علم لصاحبه به ولا سيطرة له عليه، ولعله ما يمرق من الخواطر من سوانح الفكر، التي تمضي كلمع البرق أو تتتابع كلمح البصر، والقرآن الكريم فياض بذكر هذه الصفة، وبسعة مدلولها وامتدادها، ومصرح بأن من الأشياء ما استأثر الله بعلمه، ولا سبيل لخلق ما إلى معرفته. (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) [المدثر: 31] .
(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ?) [الأنعام: 59] .
وهو سبحانه وتعالى يحيط علمًا وخبرًا بكل خلقه، حتى الذر في أحجاره، والطير في أوكاره، والثمر في أكمامه، والأجنة في الأحشاء، وكل غائبة في الأرض وفي السماء، قال تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى? وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ? وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ(8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) [الرعد: 8 - 9] .
ويقول ربنا سبحانه (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ? وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى? وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) [فصلت: 47] .
ويقول: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا) [هود: 6] .
وهو في كل هذا العلم رقيب شهيد وقريب، يسمع ويرى، فعلمه ليس انطباعًا من قراءة كتاب، أو إدراكًا من خبر ملك ونحوه؛ ولذلك كان من أسمائه الحسنى: الشهيد، الذي يدل على هذا العلم الحضوري الذي تنكشف له به الأشياء، انكشافًا تامًا بلا سبق خفاء، كما قال تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ? وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَ?لِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [يونس:61] .
فهذا علم مطلق شامل محيط، لا يقاس بعلم غيره، وهو وحده سبحانه وتعالى المتفرد به، وهذه العقيدة إحدى الدعائم الأساسية التي يقوم عليها التشريع الإلهي، من حيث ابتداء وضعه على سلامة واستقامة، ومن حيث لزوم تطبيقه بوازع الضمير، الذي ينقدح فيه دائمًا: أن الله تبارك وتعالى يعلم سره ونجواه، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
بعد العلم القدرة، وهي ككل صفاته عز وجل الثبوتية مطلقة شاملة، لا تحجزها العوائق، ولا تقف دونها العقبات، ولا تحد بحدود العقل البشري، ولا بغيره من أدوات الخلائق.
يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 20] .
وإن حرف تأكيد، وشيء نكرة عامة أضيف إليها أداة عموم، وهي لفظ، كل فأفادت قدرة الله تعالى المطلقة على عموم الأشياء بلا استثناء، ومهما تعاظم العقل أمرًا من أمور النشأتين، فهو سهل يسير في رحاب هذه القدرة العظمى، كما قال ربنا: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم: 27] .
(يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ? ذَ?لِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ) [ق: 44] .
ويقول ربنا: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل: 40] .
ويقول: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ? إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) [فاطر: 44] .
ويقول ربنا سبحانه وتعالى في آية عامة جامعة: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ? إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [لقمان: 28] .
ونجد غير ذلك كثيرًا جدًا في القرآن، فهذه إذن قدرة ذات تأثير شمولي في كل أبعاد الكون، أحياءً وأمواتًا، ما نعلمه وما لا نعلمه، والله تعالى وحده هو المتفرد فيها بالتقدير والتأثير، فتبارك الله رب العالمين.
وهي كلها أوصاف كمال وجلال لله رب العالمين، جرت مجرى الأسماء، وجاءتنا عن طريق الشرع إجمالًا، كقوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى? فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف: 180] .
وقوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَ?نَ ? أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى?) [الإسراء: 110] .
وورد بعضها تفصيلًا كقوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ? هُوَ الرَّحْمَ?نُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ? سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ? لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى? ? يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الحشر: 22 - 24] .
وقد ورد في السنة أيضًا ذكرها إجمالًا، كقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة) 43.
وتفصيلًا وردت في عدة روايات، وذكر معظمها في القرآن الكريم نثرًا في مواضع كثيرةً، وهذه الأسماء قد لوحظ فيها المعاني العظيمة التي تدل عليها، وهي تعطي المعنى الحقيقي الكامل للعقيدة الإلهية، ويتم بها الوصف الشامل للإله الحق المطلق الخير والقوة جميعًا، كما أراد أن يعلم عباده وأن يعرفهم نفسه على ما هو عليه من كمال وجلال وسمو وتفرد، وشدة واقتدار.
الله تعالى حاكمًا وشارعًا:
يقول الشيخ محمد المدني رحمه الله: «القرآن الكريم فرغ من قضية التوحيد، ومن محاجة المشركين، وفرغ من إقامة الدليل على بطلان زعمهم في أن لله شركاء يعبدون، كما يعبد، ويرجون كما يرجى، فرغ القرآن الكريم من هذه القضية، حين كان ينزل في مكة ويقرع المشركين، أما وقد صار المسلمون مجتمعًا جديدًا مؤمنًا في المدينة، فإن القرآن الكريم لا يتناول أمر الوحدانية كقضية يناضل عنها على الوجه الذي كان في البيئة المكية المشركة، ولكنه يتحدث عنها على نحو آخر، نرى في سورة النساء مظهرًا له (التوحيد عملًا بعد التوحيد علمًا) ، فهو يتحدث عن وحدانية الله، كما يجب أن يستقر في المجتمع عملًا بعد أن قامت الأدلة عليه حجة ونظرًا، فبينما هو يقول في إيجاز: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء: 36] .
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَ?لِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: 48] .
فلا يعدو أن يكون مذكرًا بقضية استقرت، وقام الدليل من قبل على صحتها، نراه يتحدث عن الله تعالى مشرعًا، يجب على الناس أن يتلقوا أحكامهم عنه، وأن يؤمنوا إيمانًا خالصًا بأنه هو وحده صاحب الحق المطلق في ذلك، من جهة أنه هو الخالق، ومن جهة أنه هو المتصف بالصفات التي لا بد منها فيمن يشرع، ومن جهة أنه رقيب لا يغيب» 44.
ويقول الشيخ محمد عبد الله دراز رحمه الله: «نتحدث عن المقصد الثالث من مقاصد سورة البقرة، والخطوات التي مهدت له في السورة الكريمة، ثم يقول:
الخطوة الأولى: تقرير وحدة الخالق المعبود.
الخطوة الثانية: تقرير وحدة الآمر المطاع، وهي ركن من عقيدة التوحيد في الإسلام، فكما أن من أصل التوحيد ألا تتخذ في عبادتك إلهًا من دون الرحمن الذي بيده الخلق والرزق والضر والنفع، كذلك من أصل التوحيد ألا تجعل لغيره حكمًا في سائر تصرفاتك، بل تعتقد أنه لا حكم إلا له، وأن بيده وحده الأمر والنهي، والحلال ما أحله والحرام ما حرمه، ومن استحل حرامه أو حرم حلاله فقد كفر، وكما أنه لا يليق أن يكون هو الخالق ويعبد غيره، والرازق ويشكر سواه، كذلك لا يليق أن يكون هو الحاكم ويطاع غيره.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) [البقرة: 168] ، ولقد سلك في تقرير هذه الوحدة التشريعية نحوًا من مسلكه في تقرير الوحدة الإلهية» 45.
ويقول الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد حفظه الله: «أن قبول شريعة الله عز وجل ليست أمرًا من أمور التكليفات الفرعية، وإنما هي أمر ملزم واجب بمقتضى عقد التوحيد، وشهادة التوحيد، فإذا قال العبد: «لا إله إلا الله» معناها: أنني لا أعبد ولا أطيع إلا الله، وعلى أي وجه يطيع الله؟ لا يعبد الله إلا بما شرع، والله عز وجل ما شرع إلا ما علمه وبعث به محمدًا صلى الله عليه وسلم، ومن هنا جاءت شهادة التوحيد مقترنة بشهادة محمد رسول الله، فيتلخص من ذلك: أن العبد المؤمن يقول: أشهد أني لا أطيع ولا أعبد أحدًا إلا الله على الوجه الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم؛ والمقرر في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك إذا انفصل المجتمع عن هذا فهذا الانفصال الهائل الذي وقع في أرجاء العالم الإسلامي دل على أن هناك انفصامًا هائلًا في عقيدة التوحيد.
لابد أن نعي هذه القضية وأن نفهمها جيدًا، هنا ارتباط كامل بتقرير شريعة الله وقبول هذه الشريعة في واقع الحياة، ربما يخطأ الإنسان، أو ربما يقع في معصية فيستغفر ويعود، لكن أن يرفض شريعة الله في واقعه، وأن تستبدل القوانين الوضعية بشريعة الله سبحانه وتعالى أو توضع فوقها أو تقدم عليها، فهذا أمر في غاية الخطورة، وينبغي أن ينتبه إليه العلماء والدارسون والباحثون، وعليهم المسئولية في أن يعلموا أمتهم وشعوبهم ومؤسساتهم في كل أرجاء العالم الإسلامي، هذا الارتباط الذي لا يقبل الانفصام بين قبول شريعة الله عز وجل وبين عقيدة التوحيد» 46.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «الملك في اللغة: حامل الألوكة وهي الرسالة» 47.
الملائكة في الاصطلاح: «أجسام نورانية لطيفة أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة، ومسكنها السموات، وأبطل من قال: أنها الكواكب أو أنها الأنفس الخيرة التي فارقت أجسادها، وغير ذلك من الأقوال التي لا يوجد في الأدلة السمعية شيء منها» 48.
والإيمان بالملائكة: هو اعتقادهم عبادًا لله، ورفض معتقدات الجاهلية فيهم 49.
والإيمان بالملائكة من أركان الإيمان، كما قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ? كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِھ) [البقرة: 285] .
ومن ينكر وجودهم فقد كفر، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء: 136] .
قوله: (فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) فإنه يعني: فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار عن محجة الطريق إلى المهالك ذهابًا وجورًا بعيدًا؛ لأن كفر من كفر بذلك خروج منه عن دين الله الذي شرعه لعباده 50.
ويستفاد من الآية: أن الكفر بشيء من هذه الأركان كالكفر بجميعها؛ لتلازمها، وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض. وتقديم الملائكة على الرسل؛ لأنهم الوسائط بين الله وبين رسله.
و سوف نتناول الإيمان بالملائكة في النقاط الآتية:
1.خلقهم.
أخبر سبحانه وتعالى أنه قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض قومًا يخلف بعضهم بعضًا لعمارتها.
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ? قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ? قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 30] .
ويفهم من الآية: أن الملائكة خلقت قبل آدم عليه السلام 51.
2.المادة التي خلقوا منها.
وعن المادة التي خلقوا منها روى مسلم بسنده عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلقت الملائكة من نورٍ) 52.
3.الصفات الخلقية.
أخبر سبحانه وتعالى أن أرسل إلى مريم الملك جبريل، فتمثل لها في صورة إنسان تام الخلق.
قال تعالى: (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) [مريم: 17] .
أي: تمثل جبريل لها بشرًا مستوي الخلق، لم يفقد من نعوت بني آدم شيئًا، قيل: ووجه تمثل الملك لها بشرا؛ أنها لا تطيق أن تنظر إلى الملك وهو على صورته 53.
وقد جاء الملائكة إبراهيم في صورة بشر، قال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ?24?إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ? قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ?25?) [الذاريات 24 - 25] .
قوله: (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) ، وذلك أن الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قدموا عليه في صورة شُبَان حسان، عليهم مهابة عظيمة 54.
أخبر سبحانه وتعالى أنَ من عظيم قدرته أنَ جعل الملائكة أصحاب أجنحة مثنى وثلاث ورباع تطير بها؛ لتبلغ ما أمرت به سريعًا.
قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى? وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ? يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ? إِنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [فاطر: 1] .
قال قتادة: بعضهم له جناحان، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أربعة 55.
روى مسلم بسنده عن عبد الله، قال: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى? ?11?) [النجم: 11] .
قال: (رأى جبريل عليه السلام له ستمائة جناحٍ) 56.
4.علاقة الملائكة بالله تعالى.
علاقة الملائكة بالله هي علاقة العبودية الخالصة له، وفعل ما يأمرهم به، قال تعالى في الثناء عليهم: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [النحل: 50] .
وقال: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6] .
أي: ما يؤمرون به من الطاعات والتدبيرات 57.
وقال تعالى: (إنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف: 206] .
وصف تعالى حالهم من تواضعهم وإدمانهم للعبادة والتسبيح والسجود 58.
ويستفاد من الآية: الاقتداء بالملائكة في كثرة طاعتهم وعبادتهم، وقوله: (عند ربك) إنما يريد في المنزلة والتشريف والقرب في المكانة لا في المكان.
5.علاقة الملائكة بالكون.
أخبر سبحانه أن الملائكة تنفذ أمره فيما أوكل إليها تدبيره من شؤون الكون، قال تعالى: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) [النازعات: 5] .
قال قتادة: هي الملائكة 59، و زاد الحسن: تدبر الأمر من السماء إلى الأرض يعني بأمر ربها عز وجل 60.
6.علاقة الملائكة بالإنسان.
قال تعالى: (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) [الأنعام: 61] .
ومما يحفظونه: بدن الإنسان، بقوله: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِھ) [الرعد: 11] .
و مما يحفظونه جميع أعماله من خير وشر.
قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ?10?كِرَامًا كَاتِبِينَ ?11?) [الانفطار: 10 - 11] .