الوقفة الأولى: هذه القصة أتت بعد حديث القرآن عن عهد الميثاق {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172 - 173] .
أي: إن الله أودع فطر الخلق ما يدلهم عليه، ويقودهم إلى بابه، ويبصرهم بالحق الذي أتت به الرسل، ولكن الإنسان قد يميل به الهوى والتقليد؛ فيعرض عن حقيقة العلم الكامن في الفطرة «وما ذاك إلا لإعراضه عن حجج الله وبيناته وآياته الأفقية والنفسية، فإعراضه عن ذلك ربما صيره بحالة يفضل بها الباطل على الحق» 135.
وهذا الأنموذج هو الذي حدثتنا عنه الآيات في قوله سبحانه وتعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175 - 176] .
فمجيء قصة هذا الرجل بعد آية الميثاق السابقة فيه «إشارة للعبرة من حال أحد الذين أخذ الله عليهم العهد بالتوحيد والامتثال لأمر الله، وأمده الله بعلم يعينه على الوفاء بما عاهد الله عليه في الفطرة، ثم لم ينفعه ذلك كله» 136.
وما ذلك إلا لأنه اختار الأسفل على الأشرف، ورغب عن الهدى واتبع الهوى {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف: 176] .
«أي: ركن إلى الدنيا وسكن» 137.
والتعبير بالإخلاد يوحي بأن «اختياره للأدنى لم يكن عن خاطر وحديث نفس، ولكنه كان عن إخلاد إلى الأرض، وميل بكليته إلى ما هناك، وأصل الإخلاد اللزوم على الدوام، كأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض» 138.
ثم ذكرت الآية آفة الآفات التي كانت سببًا في فساده هذا، فقالت: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف: 176] .
«معناه: أنه أعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات واتبع الهوى، فلا جرم وقع في هاوية الردى» 139.
وهكذا حرم من الانتفاع بحقائق العلم الذي كان معه وبين يديه، وانطمست بصيرته، فلم يبصر من أنواره شيئًا.
الوقفة الثانية: مما يظهر أيضًا شدة تأثير الهوى على التمسك بحقائق العلم في الآيات قوله سبحانه وتعالى: {آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} [الأعراف: 175] .
فاستخدام ضمير العظمة هنا يوحي بعظمة ما آتاه الله، وأنه قد آتاه شيئًا عظيمًا كان من شأنه أن يرفعه، وأن يجعله من الخواص، ولكنه لما أصابته آفة الهوى حرم بركة الآيات ونفعها على اشتداد عظمتها، وهذا يدل على شدة خطر الهوى في صرف الإنسان عن التمسك بحقائق العلم مهما كان عظيمًا.
الوقفة الثالثة: ومما يكشف لك أيضًا عن خطر الهوى في حرمان الإنسان من هدى العلم وحقائقه أن هذا المثل أتى بعد حديث القرآن عن اليهود، ومن المعلوم أن اليهود كان فيهم عدد كبير من الأنبياء، ولكن كانت آفتهم الكبرى هي اتباعهم الهوى.
يقول سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87] .
فكأنما أتت هذه القصة بعد سرد قصصهم؛ لتؤكد على مدى تأثير الهوى في التمسك بحقائق العلم.
وهكذا يظهر أثر الهوى في صده المرء عن التمسك بحقائق العلم الظاهرة، وبيناته القاطعة، وحججه الواضحة، نعوذ بالله من هذه الآفة وسبيلها.
تعددت وسائل مقاومة الهوى التي ذكرها القرآن الكريم، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:
أولًا: تذكر العاقبة السيئة لاتباع الهوى:
من أعظم الأمور وأكثرها تأثيرًا في انصراف الإنسان عن أي خطأ معرفة الإنسان بعاقبة الخطأ الذي يفعله، وقد ذكر القرآن أمورًا كثيرة توضح شناعة عاقبة اتباع الهوى، ولا شك أن استحضارها وتأملها من أكثر ما يعين العبد على مقاومة الهوى ومدافعته، ومن عواقب اتباع الهوى ما يلي:
من أعظم الأمور في حياة العبد هي ولاية الله له، فمن تولاه الله أسعده ونصره، ومن عاداه خذله وأخزاه، كيف لا والله سبحانه وتعالى يقول: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) 140.
ولذا كان حرمان العبد من ولاية ربه من أبشع العواقب لاتباع الهوى، وكفى بها، فحرمان العبد من ولاية الله يعني أنه هالك حتمًا، ومخذول لا محالة، وإلا فمن يملك إفلاته من قبضة الله، وإنجائه من بأس الله؟!
ومن الآيات التي تحدثت عن هذه العاقبة السيئة لاتباع الهوى قوله سبحانه وتعالى: (وَلَنْ تَرْضَى? عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى? حَتَّى? تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ? قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى? ? وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ? مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ?120?) [البقرة: 120] .
كذا قوله سبحانه وتعالى: (وَكَذَ?لِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ? وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ?37?) [الرعد: 37] .
ففي هاتين الآيتين يظهر حرمان العبد من ولاية ربه إذا أعرض عن هديه واتبع هواه، وتأمل كيف أن الخطاب موجه للنبي صلى الله عليه السلام، فهذا «أبلغ في تقرير هذه الحقيقة التي لا تسامح في الانحراف عنها، حتى ولو كان من الرسول صلى الله عليه وسلم وحاشاه» 141.
ويا لها من عاقبة شنيعة لمن تأملها «فأي فلاح، وأي رجاء، وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه وبين وليه ومولاه الذي لا غنى عنه طرفة عين، ولا بدل له منه، ولا عوض له عنه، واتصلت به أسباب الشر، ووصل ما بينه وبين أعدى عدو له، فتولاه عدوه وتخلى عنه وليه! فلا تعلم نفس ما في هذا الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام، وأنواع العذاب 142.
فحري بالعاقل أن يتأمل في هذه العاقبة السيئة لاتباع الهوى، ولا شك أن ذلك من أعظم ما يعينه على مقاومة الهوى.
من العواقب السيئة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى لاتباع الهوى الوقوع في الظلم، فإن المنصرف عن الحق، المتبع لهواه يكون بهذا من الظالمين، كما قال الله سبحانه وتعالى: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ? وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ? وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ? وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ? إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ?145?) [البقرة: 145] .
وكذا قوله: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ? فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ? وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ?29?) [الروم: 29] .
وجعل الظلم عاقبة لاتباع الهوى؛ لأنه أعظم الظلم فـ «أي ظلم أعظم من ظلم من علم الحق والباطل، فآثر الباطل على الحق؟!» 143، ورأى النور وأبصره ثم حاد عنه وتركه، إنه -لا شك- ظلم عظيم.
وأن يؤول اتباع الهوى بصاحبه إلى الظلم فهي عاقبة موحشة (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [آل عمران: 57] .
وهو (اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة: 51] .
بل إن (لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [الأعراف: 44] .
وأي خير يرتجى لمن أبغضه رب العالمين، وصرفه عن موارد الهدى، وحلت عليه لعنته، إنه لا شك خاسر في دنياه وأخراه كيف لا؟! والله يقول: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [يوسف: 23] .
من العواقب التي ذكرها الله سبحانه وتعالى لاتباع الهوى الوقوع في الضلال والغواية، كما قال الله سبحانه وتعالى مخاطبًا نبيه داود عليه السلام: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى? فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ? إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص: 26] .
ففي هذه الآية بيان واضح أن «متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله» 144.
وهذه عاقبة غاية في السوء؛ فالإنسان ما يضل عن هدى الله «إلا ويتخبط في القلق والحيرة والتكفؤ والاندفاع من طرف إلى طرف، لا يستقر ولا يتوازن في خطاه، والشقاء قرين التخبط، ولو كان في المرتع الممرع! ثم الشقوة الكبرى في دار البقاء 145. وهذا يعني أنه سيحيا حياة نكدة «حياة تعسة ضالة، يضرب فيها في ظلام، لا يرى فيه بصيصًا من الأمل والرجاء» 146. نعوذ بالله من هذا المصير.
من العواقب السيئة لاتباع الهوى أن المتبع لهواه يصير بذلك عدوًا لله، ومن عاداه الله أكبه وأخزاه مهما اتسع سلطانه، وعظم جاهه وماله «ومن لم يكن الله مولاه فلا مولى له، ولو اتخذ الإنس والجن كلهم أولياء؛ فهو في النهاية مضيع عاجز، ولو تجمعت له كل أسباب الحماية، وكل أسباب القوة التي يعرفها الناس» 147.
فمعاداة الله للإنسان إذًا تعني خسرانه الدنيا والآخرة، وكيف يرجى فلاح لمن ناصبه العداء مدبر الأفلاك، وفاطر الأرض والسماء؟
قال سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 16 - 19] .
فها هنا يخبر المولى سبحانه وتعالى كيف أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم كثيرة فآتاهم الحكم والنبوة، ورزقهم خيرًا وفيرًا، وآتاهم {بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ} [الجاثية: 17] .
أي: «دلالات تبين الحق من الباطل» 148. ولكنهم ما ارتفعوا وارتقوا بهذا، بل اختلفوا {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الجاثية: 17] .
أي: «سيفصل بينهم بحكمه العدل، وهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم، وأن تقصد منهجهم» 149 ولهذا قالت الآيات بعدها: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 18 - 19] .
والآية الثانية كأنها التعليل للنهي عن اتباع الهوى في التي قبلها أي: «إنك أيها الرسول الكريم إن اتبعت أهواء هؤلاء الضالين؛ صرت مستحقًا لمؤاخذتنا، ولن يستطيع هؤلاء أو غيرهم أن يدفع عنك شيئًا مما أراده الله سبحانه وتعالى بك» 150.
وتظهر شدة عداوة الله لمتبع الهوى في الآيات من خلال أن يكون المخاطب بهذا التهديد وذاك الوعيد هو النبي صلى الله عليه السلام، والخطاب لا شك لأمته أيضًا، ولكن توجيه الخطاب إليه يوحي بشدة عداوة الله لمتبع الهوى -مهما كان- حتى أن النبي صلى الله عليه السلام نفسه مع أنه يأتيه الوحي، ويحوطه ربه بالرعاية إلا أنه «إن اتبع أهواء هؤلاء القوم؛ تعرض لنقمة الله، ولم يكن له من ولي يدفع عنه بلاء الله، أو يقيه بأسه إن جاءه! فكيف بغير النبي صلى الله عليه السلام من عباد الله؟! إن الخطر شديد، وإن البلاء داهم، وإنه لا عاصم من أمر الله لمن ألقى نفسه في لجج هذا الطوفان 151.
وقول الله سبحانه وتعالى: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 19] .
هذا تعليل آخر لترك اتباع أهواء السابقين، وفيه بيان بأن الذين يحيدون عن شرائع الله، ويتبعون الأهواء هم الظلمة «فلا يواليهم ولا يتبع أهواءهم إلا من كان ظالمًا مثلهم» 152. وقد جعلهم الله أولياء لبعضهم البعض بينما خصص ولايته للمتقين، وفي هذا تأكيد لعداوته لهؤلاء الظلمة متبعي الأهواء، وتحقير لشأنهم ووجهه «أنه قال: هؤلاء يتولى بعضهم بعضًا، والمتقون يتولاهم الله، فخرجوا عن ولاية الله وتبرأت منهم، ووكلهم الله بعضهم إلى بعض» 153.
ومن وكله الله إلى غيره يعني أنه سخط عليه وعاداه، وأنه لا شك خسر دنياه وأخراه.
وبذلك يظهر مدى عداوة الله لمن اتبع هواه فعلى المرء أن يحذر وأن يتدبر، وأن يسأل نفسه: أي الولايتين يريد؟
فهذه بعض عواقب متابعة الهوى وهي عواقب مؤلمة، وما في الآخرة أشد وأنكى، ولا شك أن كثرة تأملها يعين العبد بقوة على مدافعة هواه، واتباع هدى مولاه.
ثانيًا: الاستعانة بالله:
الاستعانة بالله من أعظم الأسباب التي تعين العبد على تجنب الهوى والامتناع عن اتباعه كيف لا؟! وهي لجوء إلى خالق الأكوان ومدبرها سبحانه وتعالى؛ ولهذا لما توعد فرعون بني إسرائيل بالتقتيل والتعذيب {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127] .
وجههم موسى عليه السلام إلى الاستعانة بخالقهم، واللجوء لربهم {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] .
«إنها رؤية النبي لحقيقة الألوهية وإشراقها في قلبه، ولحقيقة الواقع الكوني والقوي التي تعمل فيه، ولحقيقة السنة الإلهية وما يرجوه منها الصابرون، إنه ليس لأصحاب الدعوة إلا رب العالمين، إلا ملاذ واحد، وهو الملاذ الحصين الأمين، وإلا ولي واحد وهو الولي القوي المتين» 154.
ولما جاء إخوة يوسف عليه السلام لأبيهم؛ ليخبروه بأكل الذئب لولده وحبيبه وقرة عينه يوسف عليه السلام لم يزد أن قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] .
ولا غرو، فنحن نقف بين يدي الله في اليوم الواحد مرات ومرات لنقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] .
وتأمل كيف أنه ذكر الاستعانة بعد العبادة مع أنها داخلة فيها «لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله سبحانه وتعالى؛ فإنه إن لم يعنه الله لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي» 155.
يقول ابن رجب: «وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق؛ فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله سبحانه وتعالى، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول» 156.
والاستعانة بالله من أقوى الأمور التي تحفظ العبد لاسيما في أمر الهوى الذي يعسر على النفس مخالفته، ويشق عليها تركه، وتقوى عليها مدافعته، ولا عاصم منه إلا القوي المتين سبحانه وتعالى.
يقول ابن تيمية: «يجب على المؤمن أن يستعين بالله، ويتوكل عليه في أن يقيم قلبه ولا يزيغه، ويثبته على الهدى والتقوى، ولا يتبع الهوى، كما قال سبحانه وتعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [الشورى: 15] » 157.
فالمرء إن أراد أن يحفظ من الهوى وأخطاره عليه أن يكثر من اللجوء لله، وتأمل خاتمة قوله سبحانه وتعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] .
إنها كما يقول صاحب التفسير القرآني: «دعوة إلى الوقوف عند هذا المشهد الذي يرى فيه هذا الإنسان الذي اتخذ إلهه هواه، وأضله الله بعد أن جاء العلم، وختم الله على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة؛ فليأخذ كل إنسان لنفسه عظة من هذا المشهد، ولينظر إلى نفسه، فإن كان بالمكان الذي فيه هذا الضال، فليحاول أن ينخلع عن هذا المكان، وليمد يده إلى الله طالبًا العون منه، فإنه لا يطلب العون إلا منه، ولا يرجى الخلاص إلا على يده سبحانه وتعالى» 158.
وقد كان النبي صلى الله عليه السلام من أكثر الناس لجوءًا لربه، واستعانة بمولاه في هذا الأمر، فعن عبد الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه قال: (سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بأي شيءٍ كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته:(اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ) 159.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه السلام يقول: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، والحمد لله على كل حالٍ) 160.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ما خرج النبي صلى الله عليه السلام من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: (اللهم أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي) 161.
والذي يتأمل في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم: (اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك) (انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني) (أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل) يدرك مدى حاجة العبد للجوء لربه، والانكسار والذلة لمولاه؛ حتى يصفو له حسن الاتباع، وينجو من شر الهوى، وما ذلك إلا لأن الهداية والتوفيق بيده سبحانه وتعالى.
ثالثًا: الخوف من الله:
لكي يستيقظ القلب الراقد من غفلته، ويصحو من سكرة هواه، لا بد له من مؤثر ضخم يهزه وينبهه، ولا شيء أفضل في هذا من الخوف من الله، فهو من أعظم الأمور التي تهز الأفئدة، وتحرك القلوب.
قال سبحانه وتعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 - 41] .
فـ «الخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة، وقل أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى» 162.
وتأمل كيف أن الله سبحانه وتعالى قدم الخوف على نهي النفس عن الهوى، وما ذلك إلا لأن «الخوف من الله هو السبب المعين لدفع الهوى» 163. فهذا يظهر قيمة الخوف من الله في مدافعة الهوى.
يقول إبراهيم بن شيبان: «الخوف إذا سكن القلب أحرق موضع الشهوات منه، وطرد رغبة الدنيا عنه، وأسكت اللسان عن ذكر الدنيا» 164 وقال ذو النون: «الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف؛ ضلوا الطريق» 165.
حين نتأمل كتاب الله نجد هذه الحقائق المهمة من كتاب الله جل جلاله:
أولًا: الملائكة المعصومة تخاف ربها {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50] .
ثانيًا: أن أولياء الله يتعبدون الله بالخوف منه {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57] .
{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37] .
ثالثًا: أن الله أمر البشرية بالخوف منه {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51] .
رابعًا: من أسباب الكفر والعصيان عدم الخوف، قال جل جلاله: {كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ} [المدثر: 53] .