ومن فوائد الآية أن من يعمل شيئًا من الطاعات فرضًا أو نفلًا، وهو موحد مسلم، مصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلا جحود ولا كفران لعمله، ولا يضيع جزاؤه، فالله حافظ لعمله، كما قال تعالى: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} أي: كل ذلك محفوظ ليجازى به، وفي هذا ترغيب الناس بطاعة الله تعالى 131.
ونظير هذا قوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [آل عمران: 30] .
قيل: معنى: محضرًا على هذا موفرًا غير مبخوس، وقيل: ترى ما عملت مكتوبًا في الصحف، محضرًا إليها، تبشيرًا لها، ليكون الثواب بعد مشاهدة العمل 132. وهذا كما قال: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) } [التكوير: 14] .
وكقوله: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا} [الكهف: 49] .
فيكون في قوله تعالى: {مُحْضَرًا} يحتمل أن يكون المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة، ويحتمل أن يكون المعنى: أن جزاء العمل يكون محضرًا، وعلى كلا الوجهين فالترغيب والترهيب حاصلان 133.
ومما يدل على ذلك قول الله تعالى: {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35] .
يقول: ولن يظلمكم أجور أعمالكم، فينقصكم ثوابها، من قولهم: وترت الرجل إذا قتلت له قتيلًا، فأخذت له مالًا غصبًا 134.
ومن فوائد الآية: أن الله لا ينقص العباد من أعمالهم شيئًا، بل سيوفيهم أجورهم، ويزيدهم من فضله، خصوصًا عبادة الجهاد، فإن النفقة تضاعف فيه إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، فإذا عرف الإنسان أن الله تعالى لا يضيع عمله وجهاده، أوجب له ذلك النشاط، وبذل الجهد فيما يترتب عليه الأجر والثواب، فكيف إذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة، فإن ذلك يوجب النشاط التام، فهذا من ترغيب الله لعباده، وتنشيطهم، وتقوية أنفسهم على ما فيه صلاحهم وفلاحهم 135.
وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112) } [طه: 112] .
فقوله: {فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} أي: لا يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يظلم، فيزاد عليه في سيئاته، ولا يظلم فيهضم في حسناته 136.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) } [هود: 111] .
فقوله: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} فيه توكيد للوفاء، وهو القسم فكأنه تأكد الكلام باللامين، وبالقسم، وبنون التوكيد الثقيلة، وأكد أيضا بالتعبير بـ {رَبُّكَ} أي: الذي خلقك وخلقهم، وقام على هذا الوجود، وإذا كان هذا الخالق الحي القيوم هو الذي يعد بالتوفية فإنها واقعة لا محالة.
وقوله: {أَعْمَالَهُمْ} أي: جزاء أعمالهم، ولكنه سبحانه حذف الجزاء، وأضاف الجزاء إلى الأعمال للإشارة إلى أن الجزاء وفاق العمل، فكأنهما شيء واحد؛ إذ يكون عادلًا تمام العدل، يوم تجد كل نفس عملها محضرًا، وإن العدل الحقيقي يقتضي المساواة بين العمل والجزاء، ويقتضي العلم، وقد أشار إلى العدل بالمساواة دين الجزاء والعمل حتى كأنه هو 137.
ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) } [الزلزلة: 7] فإن كان مثقال الذرة من الخير لا يضيع عند الله فهذا مما يدعو إلى العمل، والازدياد منه، والحرص عليه؛ لأن ثمرته محفوظة، وجزاءه مضمومنًا عند الله تعالى.
والمقصود من هذا كله: أن في الآيات السابقة كلها حث على العمل؛ إذ قد ضمن الله فيها للعباد بحفظ أعمالهم، وتوفيتهم إياها كاملة غير منقوصة ولا مبخوسة، فليزدادوا إذن من الخيرات والطاعات والأعمال الصالحة.
4.قرن العمل بالإيمان بالله.
ومن أساليب القرآن الكريم في الحث على العمل الصالح أنه قرنه بالإيمان، الذي هو أعظم الأشياء، كما في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) } [البقرة: 82] وهذا الاقتران دلالة على أهمية العمل الصالح، وحثٌ عليه.
5.الإخبار بأن العمل الصالح سبب في دخول الجنة.
ومن أساليب القرآن الكريم في الحث العمل أنه جعله سببًا في دخول الجنة، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) } [الزخرف: 72] .
وقال: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] .
ولا تعارض بين هذه الآية والحديث الذي بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله لا بعمله 138؛ لأن الباء في الحديث عوضية، وفي الآية سببية.
فإن قيل: يلزم على هذا أن يقطع بحصول الجنة لجميع العصاة، وأن يقطع بأنه لا عقاب عليهم؟
أجيب: بأننا نقطع بحصول الجنة ولا نقطع بنفي العقاب عنهم؛ لأنهم إذا عذبوا مدة، ثم نقلوا إلى الجنة بقوا فيها أبد الآباد، فكانت معدة لهم 139.
والمقصود: أن مما يرغب في العمل أن الله تعالى جعله سببًا في دخول جنته، التي يطمع فيها الطامعون، ويرغب فيها الراغبون.
6.الإخبار بأن العمل الصالح يرفعه الله إليه.
ومن أساليب القرآن في الحث على العمل الإخبار بأن العمل الصالح يرفع إلى الله، قال الله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] .
فقوله: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: ما روي عن الحسن وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك وغيرهم أنهم قالوا: والعمل الصالح يرفعه، أي: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب.
والقول الثاني: قول قتادة قال: والعمل الصالح يرفعه، أي: يرفعه الله.
والقول الثالث: والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب 140. عكس الأول.
ولعل مما يؤيد القول الثاني قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} [الأعراف: 40] .
يقول تعالى ذكره: إن الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا فلم يصدقوا بها، ولم يتبعوا رسلنا {وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا} أي: وتكبروا عن التصديق بها، وأنفوا من اتباعها، والانقياد لها تكبرًا، لا تفتح لهم لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم أبواب السماء، ولا يصعد لهم في حياتهم إلى الله قول ولا عمل؛ لأن أعمالهم خبيثة، وإنما يرفع الكلم الطيب والعمل الصالح، وقال بعضهم: معناه: لا تفتح لأرواح هؤلاء الكفار أبواب السماء 141.
أو يكون في قوله: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} إشارة إلى بقائه وارتقائه {وَمَكْرُ أُولَئِكَ} أي: العمل السيئ، وهو يبور، إشارة إلى فنائه 142.
وقال بعض أهل المعاني: معنى: {يَرْفَعُهُ} أي: يجعله رفيعًا، ذا وزن وقيمة، كما يقال: طود رفيع ومرتفع، وقال قوم: هذه الكناية راجعة إلى العمل، يعني: أن الكلم الطيب يرفع العمل، فلا يرفع ولا يقبل عمل إلا أن يكون صادرًا عن التوحيد، وعائد الذكر يرفع وينصب، وهذا التأويل اختيار نحاة الكوفة، وقيل: الهاء كناية عن العمل، والرفع من صفة الله سبحانه، أي يرفعه الله 143.
والمقصود: أن مما يرغب بالعمل ويحث عليه أن الله تعالى أخبر أنه يرفع العمل الصالح، وإن اختلف العلماء في حكم هذه الكناية، ومعنى الآية، إلا أن فيها رفعة لهذا العمل الصالح.
7.الإخبار بأن العمل الصالح يقرب من الله زلفى.
ومن وسائل الحث على العمل أن الله تعالى أخبر أن العمل الصالح يقرب منه زلفى ويزداد به العبد من الله حسنًا.
قال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) } [سبأ: 37] .
يعني: قولكم: نحن أكثر أموالًا فنحن أحسن عند الله حالًا ليس استدلالًا صحيحًا، فإن المال لا يقرب إلى الله، ولا اعتبار بالتعزز به، وإنما المفيد العمل الصالح بعد الإيمان، والذي يدل عليه هو أن المال والولد يشغل عن الله، فيبعد عنه فكيف يقرب منه، والعمل الصالح إقبال على الله، واشتغال بالله، ومن توجه إلى الله وصل، ومن طلب من الله شيئًا حصل 144.
والمقصود: أن في الآية تعريض بالعمل الصالح، فالمال لا يخلد صاحبه، لكن العمل الصالح هو الذي يخلد الإنسان، فينبغي للعاقل أن يكب عليه، ويسعى للآخرة حيث الخلود الحقيقي، فالمخلد الحقيقي ليس هو المال، وإنما هو العمل الصالح الذي يخلد صاحبه في الجنة.
8.الإخبار بأن الإنسان خلق من أجل العمل الصالح.
ومن وسائل الحث على العمل أن الله تعالى أخبر أن الإنسان خلق من أجل العمل والعبادة.
قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] .
فقوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} أي: خلق الموت والحياة وخلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، ولم يخلق ذلك عبثًا، وقوله: {لِيَبْلُوَكُمْ} أي: ليختبركم أيكم أحسن عملًا، ولم يقل: أكثر عملًا، بل أحسن عملًا، ولا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا لله عز وجل، على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمتى فقد العمل واحدًا من هذين الشرطين حبط وبطل 145.
9.الإخبار بمضاعفة العمل الصالح إلى أضعاف كثيرة.
ومن وسائل الحث على العمل أن الله تعالى أخبر أن الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة.
قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) } [الأنعام: 160] .
ففي هذه الآية ترغيب في العمل الصالح، وترغيبٌ في الطاعة، حيث جعل الحسنة بعشر أمثالها.
10.ذم أهل العمل السيء.
ومن وسائل الحث على العمل الصالح ذم أهل العمل السيء.
قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) } [العنكبوت: 4] .
فجملة: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} ذم لحسبانهم ذلك، وإبطال له، فهي مقررة لمعنى الإنكار في جملة {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} فلها حكم التوكيد، فلذلك فصلت 146.
وتوعد صاحب العمل السيء بالعذاب الشديد، فقال: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [فاطر: 10] .
والمقصود: أن في ذم العمل السيء وأهله دعوة إلى العمل الصالح، وترغيب فيه، فالآيات التي جاءت في ذلك ترغب العبد في العمل الصالح وإتقانه، والابتعاد عن العمل السيء وأهله.
للعمل آثار، سواء على مستوى الفرد، أو على مستوى المجتمع، وسيتم الحديث عنها في النقاط الآتية:
أولًا: أثر العمل الصالح:
للعمل الصالح فوائد جليلة، وآثار عظيمة وثمار كثيرة، فمن آثاره على الفرد:
1.يرفع العبد ويقربه إلى الله.
من ثمار وآثار العمل الصالح أنه يرفع العبد ويقربه إلى الله زلفى، قال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} [سبأ: 37] .
يعني: إن قولكم نحن أكثر أموالًا وأولادًا فنحن أحسن حالًا عند الله استدلالًا صحيحًا، فإن المال لا يقرب إلى الله، وإنما المفيد العمل الصالح بعد الإيمان 147.
ومما يدل على ذلك قولهم بعد ذلك: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37] .
بإضمار القول، وتقييد العمل الصالح بالوصف المذكور للتحسر على ما عملوه من غير الصالح، والاعتراف به، والإشعار بأن استخراجهم لتلافيه، وأنهم كانوا يحسبونه صالحًا، والآن تبين خلافه 148.
وقد سبق أن في قوله: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أقوال، منها: قول قتادة، قال: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أي: يرفعه الله 149.
وقال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) } [الكهف: 46] .
قررت الآيات السابقة أن العمل الصالح هو الباقي النافع، وأن المال والبنين ليسوا إلا زينة لمدة قصيرة ثم تزول، فجاءت هذه الآيات منذرة بالقيامة وهولها، وكيف يجاء بهم مجردين مما كانوا يتفاخرون به، وكيف يعرضون على النار، ويواجهون بكتب أعمالهم التي أحصت كل شيء عليهم 150.
ففي الآية تعريض بالعمل الصالح، بالإخبار بأن المال لا يخلد صاحبه وإنما العمل الصالح هو الذي يخلد الإنسان، فينبغي للعاقل أن يكثر من العمل الصالح، ويسعى للآخرة، حيث الخلود الحقيقي، والسعادة الحقيقية، والنعيم المقيم.
2.مضاعفة العمل.
ومن ثمار وآثار العمل الصالح على العبد أنه سبب في مضاعفة الأجر، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} [الشورى: 23] .
ففي قوله: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ} أي: من يعمل خيرًا نزد له، والاقتراف: العمل 151.
{نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} أي: نضاعف عمله ذلك الحسن، فنجعل له مكان الواحد عشرًا إلى ما شئنا من الجزاء والثواب 152.
3.تبديل سيئاته حسنات.
ومن ثمار وآثار العمل الصالح على العبد أنه سبب في تبديل السيئات إلى حسنات، قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) } [الفرقان: 70] .
قال الواحدي: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} قال: التبديل في الدنيا طاعة الله بعد عصيانه، وذكر الله بعد نسيانه، والخير يعمله بعد الشر.
وقال الحسن: أبدلهم بالعمل السيئ العمل الصالح، وبالشرك إخلاصًا وإسلامًا، وبالفجور إحصانًا.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والسدي: {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ} يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام وبالشرك إيمانًا، وبقتل النفس التي حرم الله قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانًا.
وذهب قوم إلى أن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد، ويثبت له بدلها الحسنة، وهو قول سعيد بن المسيب ومكحول وعمرو بن ميمون 153.
وهو معنى قوله: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] .
4.الحصول على الأجر الكبير.
ومن ثمار العمل الصالح على العبد الحصول على الثواب العظيم.
قال الله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) } [الإسراء: 9] .
فذكر الله سبحانه وتعالى ها هنا حالتين:
أولاهما: الإيمان.
وثانيتهما: العمل الصالح.
وقرن الإيمان بالعمل الصالح لتلازمهما، وإن الإيمان الكامل والإذعان الصادق يلزمهما العمل الصالح لا محالة، وقال تعالى: {يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} بالجمع لتنوعها وكثرتها، فهي وإن ضبطها ضابط الصلاح مفترقة متنوعة، فالإصلاح بين الناس، والمعاملة الحسنة، والوفاء بالعهد، وغير ذلك من مكارم الأخلاق، والبعد عن ضلالها.
وذكر سبحانه أنه يبشر المؤمنين الصالحين ببشارتين:
البشارة الأولى: أجر كبير، ونكر الأجر لعظمه، ولتذهب النفس في تقديره مذاهب شتى، مع ملاحظة أنه أجر وثواب، ثم وصفه سبحانه وتعالى بالكبر الذي لا حد له.
البشارة الثانية: وهي قوله تعالى: {وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) } [الإسراء: 10] .
وكيف تكون هذه بشارة لأهل الإيمان؟
الجواب عن ذلك: أن البشارة بالنجاة منها، وأنهم لم يتردوا تردية الذين لا يؤمنون بالآخرة، بل وقاهم الله تعالى، وبذلك يتبين أن ذكر عذاب الذين لا يؤمنون جاء تبعًا لإيمان الذين آمنوا وعملوا الصالحات 154.
فهذه هي قاعدة الإسلام الأصيلة في العمل والجزاء، فعلى الإيمان والعمل الصالح يقيم بناءه، فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان، الأول مبتور، لم يبلغ تمامه، والثاني مقطوع، لا ركيزة له، وبهما معًا تسير الحياة على التي هي أقوم، وبهما معًا تتحقق الهداية بهذا القرآن.
فأما الذين لا يهتدون بهدي القرآن، فهم متروكون لهوى الإنسان، الإنسان العجول الجاهل بما ينفعه وما يضره، المندفع الذي لا يضبط انفعالاته، ولو كان من ورائها الشر له 155.
5.الحياة الطيبة.
ومن آثار العمل الصالح على العبد أنه يحيى به حياة طيبة، قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] .
أي: من عمل عملًا صالحًا وهو مؤمن في فاقة أو ميسرة، فحياته طيبة، ومن أعرض عن ذكر الله فلم يؤمن، ولم يعمل صالحًا، عيشته ضنكة، لا خير فيها.
وقيل: الحياة الطيبة السعادة.
وقيل: بل معنى ذلك: الحياة في الجنة 156.
وكل هذا يدخل في معنى الآية.
قال الزمخشري: وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرًا كان أو معسرًا، يعيش عيشًا طيبًا، إن كان موسرًا فلا مقال فيه، وإن كان معسرًا فمعه ما يطيب عيشه، وهو القناعة والرضا بقسمة الله، وأما الفاجر فأمره على العكس: إن كان معسرًا فلا إشكال في أمره، وإن كان موسرًا فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه 157.
ثم هل هذه الحياة الطيبة تحصل في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة؟
والجواب فيه أقوال:
الأول: الأقرب أنها تحصل في الدنيا، بدليل أنه تعالى أعقبه بقوله: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .
ولا شبهة في أن المراد منه ما يكون في الآخرة.
ولقائل أن يقول: لا يبعد أن يكون المراد من الحياة الطيبة ما يحصل في الآخرة، ثم إنه مع ذلك وعدهم الله على أنه إنما يجزيهم على ما هو أحسن أعمالهم، فهذا لا امتناع فيه 158.
فالعمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض، لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال، فقد تكون به، وقد لا يكون معها، وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية، منها: الاتصال بالله، والثقة به، والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه، ومنها: الصحة والهدوء والرضا والبركة، وسكن البيوت ومودات القلوب، ومنها: الفرح بالعمل الصالح، وآثاره في الضمير، وآثاره في الحياة، وليس المال إلا عنصرًا واحدًا يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله.
وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة، وأن هذا الأجر يكون على أحسن ما عمل المؤمنون العاملون في الدنيا، ويتضمن هذا تجاوز الله لهم عن السيئات، فما أكرمه من جزاء! 159.
والمقصود: أن في هذه الآية الكريمة حضًا على العمل الصالح لجميع الناس ذكورًا وإناثًا، وأن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الدنيا، يحيا فيها مطمئنًا، في رعاية الله، وعند الله في الآخرة له الجزاء الأوفى، والنصيب العظيم من الأجر والثواب، وقد كرر الله قوله: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} للترغيب في العمل الصالح.
فيجمع الله له حظين من الجزاء، حظًا في الدنيا بالحياة الطيبة الهانئة، وحظًا في الآخرة.
ويبدو أن تفسير الحياة الطيبة هنا بأنها الحياة الدنيوية أرجح؛ لأن الحياة الأخروية جاء التصريح بها بعد ذلك في قوله تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فلو فسرنا الحياة الطيبة بالحياة الأخروية لكان في الآية الكريمة ما يشبه التكرار، ولكننا لو فسرناها بالحياة الدنيوية لكانت الآية الكريمة مبينة لجزاء المؤمنين في الدارين 160.
فيكون الجزاء لمن آمن وعمل صالحًا في الدنيا هو الحياة الطيبة، وهي التي تشمل: وجوه الراحة المختلفة، من رزق حلال طاهر، وسعادة غامرة، وطمأنينة نفس، وهدوء بال، ورضا وقناعة.