فهرس الكتاب

الصفحة 2115 من 2431

العبرة

أولًا: المعنى اللغوي:

العبرة: اسم من الاعتبار 1، وهو مأخوذ من مادة (ع ب ر) ، والمتأمل كتب المعاجم اللغوية يجد أن «العين والباء والراء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدل على النفوذ والمضي في الشيء. يقال: عبرت النهر عبورًا» 2.

ويقال: عبر الرؤيا: يعبرها عبرًا وعبارةً. وعبرها: فسرها وأخبر بآخر ما يؤول إليه أمرها 3.

ومن الباب: عبر الرجل والمرأة والعين من باب طرب، أي: جرى دمعه، ورجلٌ عابر سبيلٍ، أي: مار الطريق، ويقال: عبر الرؤيا، فسرها 4.

قال الخليل: «العبرة: الاعتبار بما مضى، أي: الاتعاظ والتذكر» 5.

و «العابر: الناظر في الشيء، والمعتبر: المستدل بالشيء على الشيء» 6.

فالمعنى اللغوي يدور حول الانتقال، والتجاوز من حال إلى حال، سواء أكان هذا الانتقال والتجاوز محسوسًا، أم كان معنويًا.

ثانيا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب: العبرة هي: «الحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد» 7.

إلا أن هذا التعريف غير جامع؛ لأن هناك حالات غير مشاهدة، ذكرها القرآن الكريم، وكانت مضربًا للعبرة، كقصص السابقين.

وقيل: هي الحالة التي ينتقل الذهن من معرفتها إلى معرفة عاقبتها وعاقبة أمثالها 8.

وعرفها الواحدي النيسابوري بقوله: «والعبرة: الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم؛ لأن المعتبر بالشيء، تاركٌ جهله، وواصلٌ إلى علمه بما رأى -ثم قال- وأصله من: «العبور» ، وهو: النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر. ومنه: «العبارة» وهو: الكلام الذي يعبر بالمعنى إلى المخاطب، «وعبارة الرؤيا» من ذلك؛ لأنه تفسير لها، يعبر بها من حال النوم إلى حال اليقظة بإظهار التأويل» 9.

وعرف ابن منظور العبرة بأنها كالموعظة مما يتعظ به الإنسان ويعمل به ويعتبر ليستدل به على غيره 10.

وردت مادة (عبر) في القرآن الكريم (7) مرات 11.

والصيغ التي وردت عليها هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الأمر ... 1 ... {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (2) } [الحشر:2]

المصدر ... 6 ... {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) } [النازعات:26]

وجاءت العبرة في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: الدلالة بالشيء على مثله للعظة والاعتبار، وحقيقتها: الحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد، كقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] ، يعني: عظةً وتذكرةً لهم 12.

الآية:

الآية لغة:

بمعنى العجب، وبمعنى العلامة، وبمعنى الجماعة 13.

الآية اصطلاحًا:

الآية أصلها العلامة الدالة على شيء، من قول أو فعل، وآيات الله الدلائل التي جعلها دالة على وجوده، أو على صفاته، أو على صدق رسله، ومنه آيات القرآن التي جعلها الله دلالة على مراده للناس 14.

الصلة بين العبرة والآية:

«الآية» من الألفاظ التي فيها قدر مشترك مع «العبرة» ؛ ذلك لأن من معاني العبرة «الدلالة» ، ومن معاني الآية العلامة الدالة على الشيء، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 77] . قال ابن عباس: لعبرةً للمصدقين 15.

الاتعاظ:

الاتعاظ لغة:

من «الوعظ» والوعظ هو: النصح والتذكير بالعواقب و «اتعظ» أي: قبل «الموعظة» يقال: السعيد من «وعظ» بغيره والشقي من «اتعظ» به غيره 16.

الاتعاظ اصطلاحا:

قبول الموعظة بكف النفس عن الشر، وذلك من قولهم: ««اتعظ» : قبل الموعظة وائتمر وكف نفسه» 17.

الصلة بين العبرة والاتعاظ:

الاتعاظ هو حالة تنتج عن العبرة، فمن شاهد العبر اتعظ، وتجنب الوقوع في المهالك.

التفكر:

التفكر لغةً:

تردد القلب في الشيء. يقال: تفكر إذا ردد قلبه معتبرًا. ورجل فكير: كثير الفكر 18.

التفكر اصطلاحًا:

تصرف القلب في معاني الأشياء؛ لدرك المطلوب، وقيل: هو إحضار ما في القلب من معرفة الأشياء 19.

الصلة بين العبرة والتفكر:

العبرة أعم وأشمل من التفكر؛ لأن التفكر هو تصرف القلب بالنظر في الدليل، أما العبرة فهي تشمل النظر في الدليل وفي غيره كالنظر في العواقب، وفي غير ذلك.

وبناء على ذلك: فإن في كل عبرة تفكرًا وتأملًا، وليس في كل تفكر عبرة.

الغفلة:

الغفلة لغة:

من «غفل» ، والغين والفاء واللام أصلٌ صحيحٌ يدل على ترك الشيء سهوًا، وربما كان عن عمدٍ 20.

الغفلة اصطلاحًا:

هو سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ 21.

الصلة بين العبرة والغفلة:

العبرة: الاعتبار بما مضى، أي: الاتعاظ والتذكر» 22، أما «الغفلة» فهي من الألفاظ المقابلة التي تعني «فقد الشعور بما حقه أن يشعر به» 23، وهذا يعنى أن صاحبها قد يتصف بالغباء والبلادة بعكس المعتبر؛ ومن ثم فالعلاقة بين اللفظين التضاد.

أشار القرآن الكريم إلى مواطن متعددة، يحسن بالعبد أخذ العبرة فيها، ومن تلك المواطن:

أولًا: بدائع القدرة الإلهية في الكون:

إن من مواطن العبرة في القرآن، والتي بها نقف على بدائع القدرة الإلهية في الكون؛ مشهد تقليب الليل والنهار.

وهو مشهد يوقظ في القلب الأحاسيس، وفي النفس الخشوع، وفي الروح الخضوع.

قال تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44) } [النور: 44] .

والتقليب تغيير هيئة إلى ضدها ومنه {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} [الكهف: 42] .

أي: يدير كفيه من ظاهر إلى باطن، فتقليب الليل والنهار: تغيير الأفق من حالة الليل إلى حالة الضياء، ومن حالة النهار إلى حالة الظلام، فالمقلب هو الجو بما يختلف عليه من الأعراض، ولكن لما كانت حالة ظلمة الجو تسمى ليلًا، وحالة نوره تسمى نهارًا، عبر عن الجو في حالتيه بهما، وعدى التقليب إليهما بهذا الاعتبار.

ومما يدخل في معنى التقليب تغيير هيئة الليل والنهار بالطول والقصر، ولمراعاة تكرر التقلب بمعنييه عبر بالمضارع المقتضي للتكرر والتجدد 24.

ومن هذا التعريف للتقليب يتبين أن تقليب الليل والنهار يشمل كل المعاني التي ذكرها المفسرون على أنها اختلاف؛ فالتقليب يحتمل أن يكون بمعنى «أن يأتي بالليل بعد النهار ويأتي بالنهار بعد الليل، أو أن ينقص من الليل ما يزيد من النهار وينقص من النهار ما يزيد في الليل، أو أنه يغير النهار بظلمة السحاب تارة وبضوء الشمس أخرى، ويغير الليل بظلمة السحاب مرة وبضوء القمر مرة، أو أن يقلبها باختلاف ما يقدر فيهما من خير وشر ونفع وضر 25.

فالتقليب إذًا هو «تعاقبهما ومجيء أحدهما بعد الآخر وهو كقوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} [الفرقان: 62] .

ومنها ولوج أحدهما في الآخر، وأخذ أحدهما من الآخر، ومنها تغير أحوالهما في البرد والحر وغيرهما، ولا يمتنع في مثل ذلك أن يريد تعالى معاني الكل؛ لأنه في الإنعام والاعتبار أولى وأقوى» 26.

إن الإنسان حينما يطلق لعقله عنان التفكير في هذا الجانب من جوانب الكون-مشهد تقليب الليل والنهار ليرى بدائع القدرة الإلهية في الكون، فالليل والنهار آيتان يتتابعان لكن دون رتابة، فالليل قد يأخذ من النهار، والنهار يأخذ من الليل، وقد يستويان في الزمن تمامًا. ومن تقليب الليل والنهار ما يعتريهما من حرٍ أو برد أو نور وظلمة.

إذن: فالمسألة ليست ميكانيكية رتيبة، إنما هي قيومية الله تعالى وقدرته في تصريف الأمور على مراده تعالى؛ لذلك يقول تعالى بعدها: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44] » 27.

ثانيًا: بدائع القدرة الإلهية في المخلوقات:

إن الوقوف على بدائع القدرة الإلهية في المخلوقات، ولا سيما الأنعام، محلٌ للعبرة، والاتعاظ، وبها يوقف على دلائل تمام قدرة الخالق سبحانه، وانفراده تعالى بالخلق، وسعة العلم، وهذه هي حقيقة العبرة التي يعبر بها الإنسان من الجهل إلى العلم.

قال تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22) } [المؤمنون: 21 - 22] .

الأنعام: «اسم جمع لكل جماعة من أحد أصناف الإبل والبقر والضأن والمعز» 28.

والمتأمل أحوال الأنعام، بداية من خلق الإبل والبقرة والغنم إلى ما فيها من منافع، يجد مصداق ذلك.

فالمنافع كثيرة، ومنها ما ذكر القرآن:

1. (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا) أي: تشربون من ألبانها الخارجة من بين فرث ودم، وتتخذون منها السمن والجبن وغير ذلك، وتنتج لكم الحملان.

2. (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ) أي: وتستفيدون من أصوافها وأوبارها وأشعارها، وتتخذون منها الملابس والفرش.

3. (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) أي: وتأكلون من لحومها بعد ذبحها، فتنتفعون بها حية وبعد الذبح.

4. (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَڑ) أي: وتركبون ظهورها وتحملون عليها الأحمال الثقال إلى البلاد والبقاع النائية، كما تنتفعون بالسفن.

قال تعالى: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النحل: 7] ، وقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73) } [يس: 71 - 73] 29.

إن تأمل مواقع العبرة التي تضمنها البيان المعجز في قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} تؤكد وجود العبرة بحرف التوكيد «إن» وكذلك بـ «لام الابتداء» ، وهي «اللام المزحلقة» بين اسم «إن» المؤكدة وخبرها، وهي ترد أيضًا لتفيد معنى «التوكيد» ، ومواقع العبرة يمكن أن تكون في هذا اللبن ذاته، مادته وأجهزة تصنيعه، وكذلك تركيبه الكيميائي وكيفية تنقيته بحيث يصير سائغًا لمن يشربه 30.

والامتنان بهذه النعم الجليلة بقصد الإرشاد إلى الخالق، والتعرف على قدرة الله تعالى 31.

فكأن القرآن الكريم يقول لنا إن الحقيقة من وراء ذكر الأنعام أن «تعتبروا بها، فتعرفوا بها أيادي الله عندكم، وقدرته على ما يشاء، وأنه الذي لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يعجزه شيء شاءه» 32.

ولذا قال أبوبكرٍ الوراق إذ يقول: «العبرة في الأنعام تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم، وتمردك على ربك وخلافك له في كل شيء» 33.

ثالثًا: قصص المرسلين وأقوامهم:

يعد القصص القرآني مجالًا خصبًا لأخذ العبرة، ولذا عقب القرآن بعد كل قصة في سورة الشعراء وغيرها بقوله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 8] : أي: لعبرة لمن بعدهم 34.

وأوضح دليل على ذلك تعقيب القرآن على قصة يوسف بقوله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] .

ومعنى ذلك أن قصة يوسف وأبيه وإخوته، أو في قصص الأمم «عبرةٌ» أي: فكرةٌ وتذكرةٌ وعظةٌ» 35.

قال الطبري: «لقد كان في قصص يوسف وإخوته عبرة لأهل الحجا والعقول يعتبرون بها، وموعظة يتعظون بها وذلك أن الله جل ثناؤه بعد أن ألقي يوسف في الجب ليهلك، ثم بيع بيع العبيد بالخسيس من الثمن، وبعد الإسار والحبس الطويل، ملكه مصر، ومكن له في الأرض، وأعلاه على من بغاه سوءًا من إخوته، وجمع بينه وبين والديه وإخوته بقدرته بعد المدة الطويلة، وجاء بهم إليه من الشقة النائية البعيدة، فقال جل ثناؤه للمشركين من قريش من قوم نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: لقد كان لكم، أيها القوم، في قصصهم عبرةٌ لو اعتبرتم به، أن الذي فعل ذلك بيوسف وإخوته، لا يتعذر عليه فعل مثله بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيخرجه من بين أظهركم، ثم يظهره عليكم، ويمكن له في البلاد، ويؤيده بالجند والرجال من الأتباع والأصحاب، وإن مرت به شدائد، وأتت دونه الأيام والليالي والدهور والأزمان 36.

ولعل وجه الاعتبار بقصصهم هو أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب، وإعلائه بعد حبسه في السجن، وتمليكه مصر بعد أن كان لبعض أهلها في حكم العبد، وجمع بينه وبين والديه وإخوته على ما أحب بعد المدة الطويلة؛ لقادرٌ على أن يعز محمدًا، ويعلي كلمته، وينصره على من عاداه» 37.

فالعبرة في خبر المرسلين مع قومهم إجمالًا، كيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا الكافرين 38.

ومن العبرة التي نشهدها في القصص القرآني: «إثبات الوحي والرسالة، وبيان أن الدين كله من عند الله، من عهد نوح إلى عهد محمد، وأن المؤمنين كلهم أمة واحدة، والله الواحد رب الجميع، وبيان أن غاية الأديان واحدة، فضلًا على أنها كلها من عند إله واحد، وبيان أن ثمة وسائل مشتركة عند الأنبياء في الدعوة، كالدعوة بالبيان والتبليغ وإقامة الحجة، وأن استقبال قومهم لهم متشابه، وبيان الأصل المشترك بين رسالة الإسلام التي أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم والرسالة التي بعث الله بها إبراهيم عليه السلام، ثم أديان بني إسرائيل بصفة عامة، وإبراز أن هذا الاتصال أشد من الاتصال العام بين جميع الأديان، وبيان أن الله ينصر أنبياءه في النهاية ويهلك المكذبين، وذلك تثبيتًا لمحمد، وتأثيرًا في نفوس من يدعوهم إلى الإيمان، وبيان نعمة الله على أنبيائه وأصفيائه، وتنبيه أبناء آدم إلى غواية الشيطان، وإبراز العداوة الخالدة بينه وبينهم منذ أبيهم آدم، وبيان قدرة الله على الخوارق، وبيان عاقبة الطيبة والصلاح، وعاقبة الشر والإفساد، وبيان الفارق بين الحكمة الإنسانية القريبة العاجلة، والحكمة الكونية البعيدة الآجلة» 39.

رابعًا: عذاب المعاندين للحق:

إن في الوقوف على مصائر المكذبين وعواقب المعاندين للحق لعبرة لمن يعتبر، وعظة لمن يتعظ.

عبرة تستحق الوقوف طويلًا أمامها للتأمل، وعظة تلفت الأنظار إليها كثيرًا للتدبر، وهذا ما أمرنا القرآن به.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] .

«قال المفسرون: نزلت هذه الآية في بني النضير، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا وظهر على المشركين قالت بنو النضير: والله إنه النبي الذي وجدنا نعته في التوراة لا ترد له رايةٌ، فلما غزا أحدًا وهزم المسلمون نقضوا العهد، وأظهروا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صالحهم عن الجلاء من المدينة» 40.

والسؤال الذي يفرض نفسه كيف نقضوا العهد، وعاندوا الحق؟

لما قتل أصحاب بئر معونة، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا سبعين، وأفلت منهم عمرو بن أمية الضمري، فلما كان في أثناء الطريق راجعا إلى المدينة قتل رجلين من بني عامر، وكان معهما عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمان لم يعلم به عمرو، فلما رجع أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «لقد قتلت رجلين، لأدينهما» .

وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك الرجلين، وكان منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها شرقيها فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا: نعم، يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه.

ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه -ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم-فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي، رضي الله عنهم.

فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة، فلما استلبث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلًا مقبلًا من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلا المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم.

ثم سار حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخل والتحريق فيها. فنادوه: أن يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟

وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج، منهم عبد الله بن أبي ابن سلول، ووديعة، ومالك بن أبي قوقل وسويد وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا.

وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، ففعل فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وخلوا الأموال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 41.

ومن خلال تلك الواقعة تبين كيف فعل الله بهم، فكان موطنًا من مواطن العبرة التي ينبغي على المؤمن أن يتعظ بها، وكان التعقيب من القرآن بصيغة الأمر {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] .

أي: «فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود الذين قذف الله في قلوبهم الرعب، وهم في حصونهم من نقمته، واعلموا أن الله ولي من والاه، وناصر رسوله على كل من ناوأه، ومحل من نقمته به نظير الذي أحل ببني النضير. وإنما عنى بالأبصار في هذا الموضع أبصار القلوب، وذلك أن الاعتبار بها يكون دون الإبصار بالعيون» 42.

والاعتبار في عدة أوجه:

أحدها: أنهم اعتمدوا على حصونهم، وعلى قوتهم وشوكتهم، فأباد الله شوكتهم وأزال قوتهم، ثم قال: فاعتبروا يا أولي الأبصار ولا تعتمدوا على شيء غير الله.

وثانيها: أن يعرف الإنسان عاقبة الغدر والكفر والطعن في النبوة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر، والكفر في البلاء والجلاء، والمؤمنين أيضًا يعتبرون به فيعدلون عن المعاصي 43.

ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها.

وثالثها: أنه سلط عليهم من كان ينصرهم.

ورابعها: أنهم هدموا أموالهم بأيديهم.

ومن لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه. وفي الأمثال الصحيحة: «السعيد من وعظ بغيره» 44.

خامسًا: نصرة المؤمنين على المعاندين:

لقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كثيرًا من ألوان العناد من قبل قريش.

حيث عاندت قريش الحق ورفضته، وقاتلت رسول الله وحاربته، فخذل الله قريشًا وهزمها هزيمة كسرت شوكتها، وأراقت على الأرض كرامتها، ونصر رسوله وأتباعه عليهم.

وأحداث غزوة بدر شاهدة على ذلك؛ ولذا عقب الله تعالى على ذلك بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت