فهرس الكتاب

الصفحة 790 من 2431

الزكاة

أولًا: المعنى اللغوي:

الزكاة والزكاء في اللغة مصدران من الفعل الثلاثي المضعف بالتشديد (زكّى) ، ومن الثلاثي المخفف (زكا) ، فأما الأول وهو (الزكاة) يقال: زكّى يزكّي تزكيةً إذا أدّى عن ماله زكاته، ويقال أيضًا: زكّاه إذا أخذ زكاته، وتزكّى، أي: تصدّق، وأما الثاني وهو (الزّكاء) بالمد فمعناه النّماء والرّيع، مأخوذ من قولهم: زكا يزكو زكاءً وزكوًّا، والزكاء أيضًا يطلق على ما أخرجه الله تعالى من الثمر 1.

وللزكاة معان عدة مدارها على النمو، والبركة، وزيادة الخير، والطهارة، يقال: زكا الزرع إذا نما وزكت النفقة إذا بورك فيها، وفلان زاكٍ، أي: كثير الخير، وتطلق الزكاة أيضًا على التطهير المعنوي للنفس والمال.

وأصل الزكاة النمو الحاصل عن بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

يختلف الفقهاء في تعريف الزكاة اختلافًا يسيرًا، مع اتفاقهم على المعاني العامة فيها.

فعند الحنفية هي: تمليك جزء مالٍ، عيّنه الشارع، من مسلمٍ فقيرٍ، غير هاشمي ولا مولاه، مع قطع المنفعة عن الملك من كل وجه لله تعالى 3.

وعند المالكية: جزء من المال، شرط وجوبه لمستحقه بلوغ المال نصابًا 4.

وعند الشافعية: اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص 5.

وعند الحنابلة: حق واجب في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص 6.

وردت مادة (زكا) في القرآن الكريم (37) مرة 7.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور:21]

مصدر ... 32 ... {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) } [البقرة:43]

اسم تفضيل ... 4 ... {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} [الكهف:19]

وجاءت (الزكاة) في القرآن على خمسة أوجه 8:

الأول: النقاء والطهارة: ومنه قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور: 21] يعني: ما طهر منكم من أحد.

الثاني: الزكاة المفروضة: ومنه قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] يعني: زكاة المال المفروضة.

الثالث: الحلال: ومنه قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} [الكهف: 19] أي: أحل طعامًا.

الرابع: الصدقة: ومنه قوله تعالى: {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) } [مريم: 13] أي: صدقة تصدّق بها على أبويه.

الخامس: الصلاح: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) } [الكهف: 81] أي: صلاحًا.

الصدقة:

الصدقة لغة:

الصدقة (بالتحريك) مصدر الفعل الرباعي تصدّق يتصدق فهو متصدقٌ، والمراد بها ما أعطيته في ذات الله تعالى للفقراء، أو: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال: للمتطوع به، والزكاة تقال للواجب. وقيل: يسمى الواجب صدقة إذا تحرى صاحبه الصدق بفعله 9.

الصدقة اصطلاحًا:

قال الراغب الأصفهاني: (( الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوّع به، والزكاة للواجب، وقد يسمّى الواجب صدقةً إذا تحرّى صاحبها الصدق في فعله ) )10.

وقال التّهانويّ: (( الصّدقة: عطيّة يراد بها المثوبة لا التّكرمة؛ لأنّ بها يظهر الصّدق في العبوديّة، وهي أعمّ من الزّكاة، وقد تطلق عليها أيضًا ) )11.

الصلة بين الصدقة والزكاة:

بينهما عموم وخصوص مطلق، أي: أن أحدهما أعم وأشمل من الآخر، وهذا الأعم هو الصدقة والزكاة أخص منها، فكل زكاة صدقة وليس كل صدقة زكاة.

النفقة:

النفقة لغة:

جاء في لسان العرب: نفق الزاد ينفق نفقًا، أي: نفد، وقد أنفقت الدراهم من النّفقة، ورجل منفاقٌ أي كثير النّفقة، والنّفقة ما أنفقت واستنفقت على العيال، ويطلق عليها (نفقة) (وإنفاق) وهو صرف المال إلى الحاجة 12.

النفقة اصطلاحًا:

عند الشافعية: النفقة مأخوذة من الإنفاق وهو الإخراج، ولا يستعمل إلا في الخير 13.

وعند الحنابلة هي: كفاية من يمونه طعامًا وكسوة ومسكنًا وتوابعها 14.

الصلة بين النفقة والزكاة:

الزكاة والنفقة تشتركان في وجوب إخراج الأموال، إلا أن النفقة واجبة على الشخص لمن يلزمه الإنفاق عليهم من زوجة وأولاد وأقارب وغيرهم، وتكون في كل ما يحتاجه المنفق عليه من طعام وشراب وكسوة وغير ذلك ولا تختص بجانب من ذلك معين، وليس لها قدر معين بل بقدر الكفاية.

العطية:

العطية لغة:

بمعنى العطاء، والمراد بهما: اسمٌ لما يعطى، والجمع عطايا وأعطية، وجمع الجمع (أعطياتٌ) ، ويقال: رجلٌ معطاءٌ كثير العطاء، وامرأة معطاءٌ كذلك ومفعالٌ يستوي فيه المذكّر والمؤنّث 15.

وفرّق بعض اللغويين بين العطية والصدقة بأن الصدقة هي ما يرجى به الثواب، بخلاف العطية 16.

العطية اصطلاحًا:

ما يعطى بغير عوض، هبة كان، أو صدقة، أو هدية 17.

الصلة بين العطية والزكاة:

العطية أعم من الصدقة، ومن الزكاة، فالعطية تشمل ما يراد به وجه الله وما يراد به التودد إلى الخلق.

أولًا: مشروعية الزكاة:

الزكاة مشروعة على نحو ما تقدم ذكره؛ حيث ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وبناء على ذلك فإن هذه المشروعية تشتمل على جوانب إعجاز تشريعية قديمة وحديثة.

فالزكاة على جهة الإجمال فرض من فرائض الإسلام، أو ركن من أركانه الخمسة الواردة في حديث (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) 18.

فيها من الأسرار ما فيها، ولها مكانة عظمى في الإسلام، فهي عبادة من العبادات الأربع، ومن هذا الوجه تقرن في القرآن والحديث بالصلاة، وتأتي بعدها عادة في كتب الفقه في قسم العبادات.

وهي مورد أساس من الموارد المالية في الدولة الإسلامية، وهذا يخرجها عن أن تكون عبادة محضة، فهي جزء من النظام المالي والاقتصادي في الإسلام؛ ولهذا عنيت بها كتب الفقه المالي في الإسلام 19. ونشير هنا إلى أبرز خصاص الزكاة، ثم أهم جوانب حكمة تشريعها، واقترانها بالصلاة.

المسألة الأولى: خصائص الزكاة.

من خلال تتبع مشروعية العبادات الأربعة (الصلاة والزكاة والصيام والحج) يستنتج أن الزكاة تتسم بالخصائص التالية:

1.الزكاة عبادة جمعت بين المالية والزمانية.

المعروف أن العبادات تنقسم من حيث البدن والمال إلى ثلاثة أقسام: عبادات بدنية محضة، وهي الصلاة والصوم، وعبادات مالية محضة، وهي الزكاة، وعبادات تجمع بين المالية والبدنية وهي الحج.

وتنقسم من حيث الزمان والمكان إلى قسمين: عبادات زمانية محضة وهي الصلاة والصوم والزكاة، وعبادات تجمع بين الزمانية والمكانية وهي الحج.

وبهذا ندرك قيمة الزكاة ومكانتها بين أركان الإسلام، فمن حيث كونها مالية محضة، نجد أن المرء لا يتعب بدنه في إخراجها، ولا أثر للأعذار البدنية في إسقاطها، فالعبرة بوجود المال بشروطه المعروفة، ولا عبرة بكون المزكي مريضًا أو ذا عاهة، أو لم يخرجها بنفسه، بل وكّل غيره في إخراجها ... الخ.

ومن حيث الزمان فهي ترتبط بمرور الحول في كل أنواع الزكاة عدا الزروع والثمار والركاز والمعدن. ومن حيث المكان لا تجد الشريعة الإسلامية تفرض على المزكي موضعًا معينا لتوزيع الزكاة، بل تركت هذا الباب مفتوحًا لآراء الفقهاء، وحالة المزكي، ومستحقي الزكاة.

2.الزكاة عبادة تقبل النيابة بخلاف الصلاة والصيام.

أيضًامن حكمة تشريع الزكاة أنه يجوز فيها النيابة أو الوكالة، فلا يشترط أن يخرجها المزكي بنفسه، بل يوكل من يخرجها عنه لسبب أو بدون سبب، أو يوكل الحاكم من يجمع الزكاة من أربابها (العاملين عليها) وهم صنف من أصناف الزكاة كما سبق ذكره في آية المصارف.

وهذا فيه من مظاهر التيسير ورفع الحرج ما فيه، حيث لو كلّف كل إنسان أن يخرج زكاة ماله بنفسه ويعطيها للمستحق لوجد الناس في ذلك حرجًا ومشقة كبيرين.

ولذلك نجد حكمة جليلة في تنوع الخطاب القرآني الخاص بالزكاة، على نحو ما سبق في آيات الزكاة، فأكثر آيات وجوب الزكاة وردت بلفظ الإيتاء بمشتقاته، والإيتاء لا يقتضي الدفع بالنفس، بل يمكن أن تدفعها بنفسك أو توكّل من يدفعها عنك.

ونجد آيات أخرى يخاطب بها الحاكم (? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ) [التوبة: 103] .

وهذا إشارة إلى عملية قبض الحاكم أو أعوانه للزكاة من أربابها.

ونجد في آية مصارف الزكاة (? ہ) وذلك إشارة إلى وجود طرف ثالث في الزكاة يأخذ من المزكي، ويجمع ليعطي للفقير.

3.الأسس العامة للزكاة لا تخضع للاجتهاد البشري، بل هي مقدرة من الشرع.

وبيان ذلك أن الله تعالى قد جعل الزكاة دين متعبّد به، ووضع إلهي مستقر لا يتغير ولا يتبدل، غير خاضع للأهواء البشرية، تنتقل آثاره إلى الحياة الآخرة.

قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} [الليل: 5 - 11] .

ووضع الإسلام في الزكاة أسسًا عامة، وأحكامًا فرعية، أو بالأحرى ثوابت ومتغيرات، فجعل الأسس أو الثوابت خاضعة لنصوص الشرع لا تقبل التغيير ولا الاجتهاد، فحدد المصارف والأنصبة والمقادير.

وترك باب الاجتهاد مفتوحًا في أمور مثل: كيفيات التوزيع من حيث الطريقة والمكان، وتقديم الزكاة أو تأخيرها حسب الحاجة والحالة، واستحداث مصارف جديدة تدور في إطار المصارف الأصلية الواردة في القرآن الكريم، وإيجاب الزكاة في أصناف معينة من الأموال والزروع والثمار والحيوان، أو عدم إيجابها حسبما يترجح لدى الفقهاء في كل رأي، ودفع القيمة في بعض أنواع الزكوات، واستيعاب كل المصارف الواردة في الآية أو الاكتفاء ببعضها. وغير ذلك من المسائل الخلافية.

المسألة الثانية: حكمة تشريع الزكاة.

من أبرز حكم تشريع الزكاة ما يلي:

1.خطاب الأمر بالزكاة فيه حثٌ للغني، وإعزاز للفقير، ورفع للحرج عنه.

وبيان ذلك أننا حين نتدبر أوامر القرآن والسنة المتعلقة بالزكاة نجد أن الخطاب فيها موجّهٌ إلى الغني بالدفع والإيتاء، ولم يوجّه فيها للفقير بالطلب والاستعطاء، فالشرع لم يكلّف الفقير بالسعي لطلب الزكاة، بل كلّف الغني بالسعي للبحث عن مستحق للزكاة ليعطيه إياها.

فقال تعالى: (? ں) ، وقال عليه الصلاة والسلام: (أغنوهم عن طواف هذا اليوم) 20.

ولهذا لا تبرأ ذمة الغني أو تسقط عنه الزكاة إذا عدم مستحق الزكاة ببلده أو محلته، بل هو مكلّف بالسعي خارج محلته حتى يجد مستحق الزكاة، ولا تخلو محلة أو يخلو بلد صغيرًا كان أو كبيرًا من مصرف أو أكثر من مصارفها.

يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله مبيّنًا تقسيم مصارف الزكاة على البلاد ومدى توافر بعضها وانقراض الآخر: «وقد عدم من الثمانية صنفان في أكثر البلاد، وهم المؤلّفة قلوبهم، والعاملون عليها، ويوجد في جميع البلاد أربعة أصناف: الفقراء، والمساكين، والغارمون، والمسافرون -أعني أبناء السبيل-، وصنفان يوجدان في بعض البلاد دون بعض، وهم الغزاة والمكاتبون» 21.

2.الزكاة تحقق التنمية الاقتصادية الفردية والجماعية.

تعدّ الزكاة عاملًا مهمًّا في تنمية المجتمع المسلم على المستوى الفردي والجماعي، بما تقدّمه من حلول، وما تسهم به من موارد، وما تعالجه من مشكلات اجتماعية، والتي يقع على رأسها معالجة مشكلة الفقر، التي سعى الإسلام للقضاء عليها بشتى الوسائل من خلال الكفّارات، والزكوات، والصدقات؛ وذلك لأنّ محاربة الفقر، أو القضاء عليه تنقذ المجتمع من براثنه، وتهيئ للإنسان حياة كريمة، ومستوىً من المعيشة يليق بكرامته 22.

والناظر إلى دور الزكاة في تنمية المجتمع المسلم من الناحية الاقتصادية يجد هذه الملامح:

3.الزكاة تحقّق الأخوة الإيمانية وتكافل المجتمع.

من حكمة تشريع الزكاة إسهامها الواضح في تحقيق الأخوة الإيمانية بين المسلمين، ونشر التكافل الاجتماعي بينهم؛ وذلك لأن الشارع الحكيم أراد أن يكون مجتمع المسلمين مجتمعًا متكافلًا متآزرًا متعاونًا، يأمن فيه العاجز والضعيف والقاصر، ويشعرون أنهم يعيشون بين قلوب ووجوه ونفوس، لا بين أظفار ومخالب ونيوب.

ولن تتحقق هذه الصورة البهية لمجتمع المسلمين لو ترك الناس لضمائرهم ومشاعرهم وقلوبهم، فأوجب الإيتاء وندب إلى الإعطاء؛ فقال تعالى موجبًا التعاون المطلق في كل ما هو بر وتقوى: (? ? ? ? ? ? ? ) [المائدة: 2] .

وقال تعالى منبّهًا إلى حق المحرومين والطالبين لحاجة: (? ? ? ? ?) [الذاريات: 19] .

وقال تعالى حاضًا على حق المساكين والمحتاجين: (? ? ? ? ? ں ں? ? ? ? ? ? ہہ ہ ہ ھ) [الروم: 38] .

وقال تعالى آمرًا بالدفع لأهل الحاجة حتى لو كانوا أرقاء: (ژ ژ ڑ ڑ ک) [النور: 33] .

وقال تعالى مرغّبًا للعطاء وتقديم يد العون لدفع الحاجة والعوز، ورفع المسكنة المالية والعيلة في أفراد المسلمين: (? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النور: 22] .

فجاء تشريع الزكاة دالًا على بهاء المظهر والجوهر لشرعة الإسلام، ودعوتها لإقامة مجتمع المتكافلين، وجماعة المتعاونين، ممارسةً للتضامن والتناصر، وإقامةً للعدل الاجتماعي، وسبيل ذلك مدّ يد المعونة للمحتاج، وإغاثة الملهوف، وتفريج الكروب، وتأمين الخائف، وإشباع الجائع، قصدًا إلى ترسيخ معاني التعاطف والتراحم والولاء بين المسلمين.

4.الزكاة تقضي على البطالة.

البطالة مشكلة كبيرة تواجه جميع الدول، ويترتب عليها عواقب وخيمة، وأضرار جسيمة على المجتمع كله، مثل: الانحراف الأخلاقي، والديني، وانتشار الجريمة، وتعاطي المخدرات، وانتشار السرقة والغصب، ونحوها، ويلاحظ دور الزكاة الواضح في القضاء على البطالة من خلال أمرين بارزين هما:

الأمر الأول: وجود مصرف (العاملين عليها) ضمن مصارف الزكاة المنصوص عليها في الآية، وهذا المصرف قد يظن البعض للوهلة الأولى أنّه مجرد وظيفة واحدة، وهي جباية الزكاة أو جمعها، ولكنّه في الحقيقة عدة وظائف، أو بالأحرى مسمى وظيفي عام يشمل عدة أشخاص، كما يفهم من تفسير الفقهاء له.

فالعاملون على الزكاة يشمل: الجباة وهم جامعو الزكاة (الذين يعيّنهم الحاكم لأخذ الزكاة بأنواعها من أربابها) ، ويشمل الموزّعين لها على المستحقين، وهؤلاء تجد فيهم الكاتب، والحاشر، والمعاون، والموزّع، والقائم بالكيل أو الوزن، وتجد فيهم القائمين بتجهيز وحصر أسماء المستحقين، والباحثين في بيانات المستحقين، والقائمين بالحراسة، ونحو ذلك.

وعليه فإن عمل هؤلاء جميعًا في مؤسسات الزكاة يعدّ نوعًا من التخلص من البطالة بشكل شرعي، وهو وإن كان يأخذ من الزكاة كمصرف من مصارفها، إلا أن أخذه حينئذٍ يعدّ أجرًا في مقابل عمل.

ومن ثمّ فلا غرو أن تجد كثيرًا من الفقهاء يعطون للعامل الفقير من الزكاة مرتين، مرة لكونه فقيرًا، ومرة لكونه عاملًا، كما قال الشيخ أحمد الدردير في شرحه على مختصر خليل: « (وأخذ) العامل (الفقير بوصفيه) أي: وصف الفقر والعمل إن لم يغنه حظ العمل» 28.

الأمر الثاني: إيجاد فرص عمل عن طريق إنشاء مؤسسات خيرية تقوم على أموال الزكاة، كما يحدث في الكثير من البلاد الإسلامية، حيث ينشأ مشروع خيري يتم فيه جلب الفقراء والمساكين للعمل فيه، فيكتسبوا من الزكاة بطريقين: مرة بكونهم فقراء أو مساكين، وهذا كسب مباشر مسماه الزكاة، ومرة أخرى باعتباره صانعًا أو حرفيًا أو مهنيًا في مؤسسةٍ تابعة لأموال الزكاة، فيكون الأول نصيبه في الزكاة، ويكون الثاني أجرة في نظير عمل.

ولهذا نظائر كثيرة في الدول الإسلامية، حيث تستقدم الفتيات اليتيمات، والأرامل للعمل في مشروعات إنتاجية، تنتج ملابس وأطعمة ونحوها تابعة لمؤسسات الزكاة، ويتقاضين رواتب ثابتة، أو رواتب بنسب معينة حسب ما يقمن بإنتاجه من صناعات.

وما سبق ذكره مجرد أمثلة من جوانب تشريع الزكاة، وإلا ففيها من الحكم والأسرار، وجوانب الإعجاز ما فيها مما يعجز عنه الوصف، ولا تكفيه الصفحات، وحسبنا أنها فريضة من فرائض الإسلام وعمود من أعمدته، شرعت لتكون عبادة، ووسيلة لحل العديد من المشاكل والأزمات الاقتصادية التي تعتري الأمة عبر العصور.

المسألة الثالثة: اقتران الزكاة بالصلاة في القرآن.

بتتبع آيات القرآن الكريم نجد أن لفظة «الزكاة» المعرفة فقط هي التي اقترنت بالصلاة، وذلك في أربعة وعشرين موضعًا في القرآن الكريم، أما بقية المشتقات فلم تقترن بالصلاة إلا في موطن واحد وهو (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعلى: 14 - 15] .

وتقدم الكلام عليه.

وقد ورد في فعل الصحابة ما يشير صراحةً إلى أن التفريق بين الصلاة والزكاة أمر لا يرضاه الشرع، ففي واقعة منع الزكاة بعد لحوق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى كان موقف سيدنا أبي بكر واضحًا حيث قال: (واللّه لأقاتلنّ من فرّق بين الصّلاة والزّكاة؛ فإنّ الزّكاة حقّ المال، واللّه لو منعوني عقالًا كانوا يؤدّونه إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه) 29.

وإذا أراد المرء تتبع حكمة ودلالة اقتران الزكاة بالصلاة لما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ولكن حسبه أن يتلمس طرفًا من ذلك مما ذكره العلماء أو يستنبطه على هذا النحو:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت