فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 2431

يقول سيد قطب: «والنحل تعمل بإلهام من الفطرة التي أودعها إياها الخالق، فهو لون من الوحي تعمل بمقتضاه، وهي تعمل بدقة عجيبة يعجز عن مثلها العقل المفكر سواء في بناء خلاياها، أو في تقسيم العمل بينها، أو في طريقة إفرازها للعسل المصفى، وهي تتخذ بيوتها -حسب فطرتها- في الجبال والشجر وما يعرشون، أي: ما يرفعون من الكروم وغيرها، وقد ذلل الله لها سبل الحياة بما أودع في فطرتها وفي طبيعة الكون حولها من توافق» 40.

4.اتخاذ الشيطان عدوًا.

أمر الله سبحانه وتعالى عباده أن يتخذوا الشيطان عدوًا؛ لأنه يسعى دائمًا لإيقاعهم بالفساد، فاتخاذ الشيطان عدوًا هو اتخاذ محمود، يجنب العبد الوقوع في مكائد الشيطان.

قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] .

أمر الله باتخاذ العدو عدوًا، وتلك عداوة مودعة في جبلته كعداوة الكلب للهر؛ لأن جبلة الشيطان موكولة بإيقاع الناس في الفساد وأسوأ العواقب في قوالب محسنة مزينة، ومن لوازم اتخاذه عدوًا العمل بخلاف ما يدعو إليه لتجنب مكائده ولمقته بالعمل الصالح، حيث أعقبت الآية الأمر باتخاذ الشيطان عدوًا بتحذير من قبول دعوته، وحث على وجوب اليقظة لتغريره، وتجنب توليه بأنه يسعى في ضر أوليائه وحزبه، فيدعوهم إلى ما يوقعهم في السعير 41.

يقول سيد قطب: «الشيطان يغر ويخدع؛ فلا تمكنوه من أنفسكم {وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} ، والشيطان قد أعلن عداءه لكم وإصراره على عدائكم {فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} لا تركنوا إليه، ولا تتخذوه ناصحًا لكم، ولا تتبعوا خطاه، فالعدو لا يتبع خطى عدوه وهو يعقل! وهو لا يدعوكم إلى خير، ولا ينتهي بكم إلى نجاة: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ! فهل من عاقل يجيب دعوة الداعي إلى عذاب السعير؟! إنها لمسة وجدانية صادقة، فحين يستحضر الإنسان صورة المعركة الخالدة بينه وبين عدوه الشيطان، فإنه يتحفز بكل قواه وبكل يقظته وبغريزة الدفاع عن النفس وحماية الذات، يتحفز لدفع الغواية والإغراء، ويستيقظ لمداخل الشيطان إلى نفسه، ويتوجس من كل هاجسة، ويسرع ليعرضها على ميزان الله الذي أقامه له ليتبين، فلعلها خدعة مستترة من عدوه القديم! وهذه هي الحالة الوجدانية التي يريد القرآن أن ينشئها في الضمير» 42.

ثانيًا: الاتخاذ المذموم:

اشتملت كثير من الآيات التي تتحدث عن الاتخاذ في القرآن الكريم على معنى الاتخاذ المذموم، نذكر منها ما يلي:

إن اتخاذ الأولياء من دون الله هو اتخاذ مذموم، ذمه القرآن الكريم، فلما أمر بالتوحيد والإخلاص، نهى عن الشرك به، وأخبر بذم من أشرك به واتخذ من دونه وليًا.

قال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3] .

فالذين يتخذون من دون الله آلهة يتولونهم بعبادتهم ودعائهم لتشفع لهم وتقربهم لله، قد تركوا ما أمر الله به من الإخلاص والتوحيد، وتجرأوا على أعظم المحرمات، وهو الشرك، فهؤلاء وصفهم الله بالكذب والكفر 43، وقد ضرب الله مثل من اتخذ من دون الله وليًا معتمدًا عليه يحتمي بحماه، يقصد به التعزز والتقوي والنفع، وهو لا يجلب له نفعًا ولا يدفع عنه ضرًا، بحال العنكبوت اتخذت بيتًا؛ لتحتمي به من الأخطار، وهي لا تدري أن هذا البيت لا يقي حرًا ولا بردًا.

قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] .

«فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفًا، كذلك هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء، فقراء عاجزون من جميع الوجوه، وحين اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم، ازدادوا ضعفًا إلى ضعفهم، ووهنًا إلى وهنهم» 44.

ومن الاتخاذ المذموم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وهذا شرك بالله، فلا يجوز طاعتهم.

قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .

هذه الآية في اليهود الذين اتخذوا علماءهم، والنصارى الذين اتخذوا رهبانهم سادة لهم يطيعونهم في معصية الله، فيحلون ما أحلوه لهم مما حرمه الله، ويحرمون ما حرموه لهم مما أحله الله، بالإضافة لاتخاذهم المسيح ابن مريم ربًا من دون الله، والله أمرهم ألا يعبدوا ويطيعوا إلا إلهًا واحدًا هو الله سبحانه وتعالى، وأما طاعة الرسول وسائر من أمر الله بطاعته فهو في الحقيقة طاعة الله، وهذا الأمر من الله دليل على بطلان اتخاذهم 45.

وكذلك نهى الله عن اتخاذ الأصنام شفعاء من دون الله، فهي لا تملك نفعًا ولا ضرًا، فالشفاعة لله وحده.

قال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 43 - 44] .

أي: قل لهم يا محمد: أتتخذون الأصنام والقربان شفعاء من دون الله، وهي لا تملك شيئًا ولا تعقل؛ لأنها جمادات، فهذا استفهام إنكاري لهذا الاتخاذ الباطل، فالشفاعة لله وحده، ولا شافع إلا من شفاعته 46.

فقد نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين من اتخاذ الكفار أولياء بموالاتهم ونصرتهم ومحبتهم، بل لابد من التبرؤ منهم، واتخاذ المؤمنين أولياء.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 144] .

هذا نهي من الله لعباده المؤمنين أن يتخلقوا بأخلاق المنافقين، الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فيكونوا مثلهم في ركوب ما نهاهم عنه من موالاة أعدائه، فيقول لهم -جل ثناؤه-: لا توالوا الكفار فتؤازروهم من دون أهل ملتكم ودينكم من المؤمنين، فتكونوا كمن أوجبت له النار من المنافقين 47.

وقال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28] .

وهذا نهي من الله لعباده المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أعوانًا وأنصارًا يبادلونهم المحبة والمناصرة على إخوانهم المؤمنين، وأعلمهم تعالى أن من يفعل ذلك فقد برئ الله تعالى منه، وذلك لكفره وردته، حيث والى أعداء الله وعادى أولياءه 48.

ونهى الله سبحانه وتعالى أيضًا من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وحلفاء، فهذا الاتخاذ المذموم يسبب سخط الله سبحانه وتعالى.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] .

فيتوجب على أهل الإيمان عدم اتخاذ أعداء الإسلام من اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاءً، وألا يسروا إليهم بأسرارهم ولا يطمئنوا لمودتهم، فهم لن يخلصوا لهم؛ لأنهم أولياء بعضهم بعضًا، ثم توعد من يواليهم أو يعينهم أو يستنصر بهم، فإنه في الحقيقة منهم، أي: من جملتهم، وكأنه مثلهم، وليس من صف المؤمنين الصادقين، وهذا تغليظ من الله وتشديد على المنافقين الذين يتصادقون مع اليهود والنصارى المخالفين في الدين؛ لأن موالاتهم تستدعي الرضا بدينهم 49.

إن من الاتخاذ المذموم ما يفعله الكفار من اتخاذ دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لهوًا ولعبًا، فقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن المشركين أنهم يستهزؤون برسول الله صلى الله عليه وسلم متى رأوه.

قال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} [الفرقان: 41] .

وهذا القول صدر عن أبي جهل، على سبيل التنقص والازدراء والاستهزاء -قبحهم الله-، فهذا اتخاذ مذموم 50.

وقد بين الله سبحانه وتعالى أن من أسباب دخول النار الإعراض عن دين الله والاستهزاء به، واتخاذه لهوًا ولعبًا.

قال تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51] .

ومعنى: {اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا} أي: بالإعراض والاستهزاء لمن يدعوهم إلى الإسلام، لهت قلوبهم وأعرضت عنه، ولعبوا واتخذوه سخريًا، أو أنهم جعلوا بدل دينهم اللهو واللعب، {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} أي: خدعتهم بزخرفها، واعتقادهم أنها الغاية القصوى، والنسيان في هذه الآية هو بمعنى الترك، أي: نتركهم في العذاب 51.

القرآن الكريم هو دستور هذه الأمة، أمرنا الله بالتعبد بتلاوته وحفظه وتطبيق أوامره ونواهيه، واتخاذه دستورًا ومنهج حياة؛ لذا كان هجرانه اتخاذًا مذمومًا، سواء هجرانه بعدم الإيمان به، أو ترك تلاوته أو الغفلة عنه، أو بهجر العمل به والاحتكام إليه، وقد اشتكى رسولنا صلى الله عليه وسلم قومه إلى الله سبحانه وتعالى لهجرانهم القرآن وتكذيبهم له.

قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30] .

الآية تتضمن شكوى رسول الله صلى الله عليه وسلم حال قومه مع القرآن، والمعنى: إن قومي اتخذوا هذا القرآن الذي جئت به إليهم، وأمرتني بإبلاغه وأرسلتني به مهجورًا، أي: متروكًا بالكلية لم يؤمنوا به، ولا قبلوه بوجه من الوجوه، ولم يرفعوا إليه رأسًا، ولم يتأثروا بوعظه ووعيده، بل أعرضوا عنه مع أن الواجب عليهم الانقياد لحكمه والإقبال على أحكامه، وقالوا فيه غير الحق من أنه سحر وشعر، وهذا هجران مذموم 52.

وقد عبر في الآية بالاتخاذ مع أن الهجر ترك؛ لأن «فعل الاتخاذ إذا قيد بحالة يفيد شدة اعتناء المتخذ بتلك الحالة، بحيث ارتكب الفعل لأجلها وجعله لها قصدًا، فهذا أشد مبالغة في هجرهم القرآن من أن يقال: إن قومي هجروا القرآن. واسم الإشارة في هذا القرآن لتعظيمه، وأن مثله لا يتخذ مهجورًا، بل هو جدير بالإقبال عليه والانتفاع به» 53، فحري بنا أن نقبل عليه، ونتخذه صاحبًا وأنيسًا، لا مهجورًا، فحق المؤمن أن يكون كثير التعهد له، عاملًا به؛ ليكون شفيعًا له يوم القيامة.

لقد شرع الله لنا الزواج ونهانا عن اتخاذ الأخدان، فالمباح لنا هو الزواج بالحرائر المؤمنات العفيفات، وكذلك الكتابيات، بشرط إتيانهن مهورهن، بقصد الإحصان والإعفاء، لا بالسفاح وارتكاب الفواحش والزنى العلني، أو الزنى السري، وهو اتخاذ الاخدان 54.

قال تعالى: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5] .

أي: عاقدين عليهن عقدة النكاح المتوقفة على المهر والولي والشهود وصيغة الإيجاب والقبول، لا مسافحين بإعطاء المرأة أجرة وطئها فقط بدون عقد مستوف لشروطه، {وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} أيضًا بأن تنكحوهن سرًا بحكم الصحبة والصداقة والمحبة، إذ ذاك هو الزنى، فلا يحل بأجرة، ولا بغير أجرة 55.

وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يعيرون من يزني في العلانية ولا يعيرون من يزني سرًا، فحرم الله زنى السر والعلانية 56، كما شرط ديننا على النساء أن يكن محصنات، وألا يتخذن الأخدان.

قال تعالى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25] .

أخدان جمع خدن، وهو الخليل، وكان من نساء الجاهلية من تتخذ خدنًا تزني معه خاصة، ومنهن من كانت لا ترد يد لامس، ومعنى: {وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} أي: غير مجاهرات بالزنا، ولا مسراتٍ له، وكان الزنا في الجاهلية منقسمًا إلى هذين القسمين 57.

إن لكل اتخاذ أسبابًا تؤدي إليه، حري بنا أن نميز بينها، ونتبع كل اتخاذ محمود، ونأخذ بأسبابه ونسلك كل سلوك يؤدي إليه، ونتجنب كل اتخاذ مذموم، ونبتعد كل البعد عن أسبابه، والتي من شأنها أن تجلب غضب الله وعقابه.

أولًا: أسباب الاتخاذ المحمود:

إن للاتخاذ المحمود أسبابًا حريٌ بنا اتباعها، نذكر أهمها:

1.الإيمان.

إن من أهم أسباب الاتخاذ المحمود هو الإيمان، فالإيمان يدفع صاحبه لكل أمر محمود، ولكل فعل أمر به الشرع ودعا إليه، والمؤمن أكثر الناس حبًا لله، وحبه لربه يدفعه للإخلاص له في عبادته وعدم الشرك معه.

قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] .

فالآية الكريمة تبرز أن المؤمنين أشد الناس حبًا لله، وهذا مدح لأهل الإيمان؛ لأن إيمانهم دفعهم لهذا الحب الخالص، وهذا الحب يدفعهم لتوحيده واتخاذ الله إلهًا واحدًا، لا شريك له، ويدفعهم أيضًا للابتعاد كل البعد عن اتخاذ الند كبعض الناس يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم ويشركون مع الله في حبهم، فيسوونهم مع الله في المحبة والطاعة، فهم مشركون بهذا الحب الذي لا يصدر من مؤمن موحد؛ لأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة، الذي محبته هي عين صلاح العبد وسعادته وفوزه، والمشركون أحبوا من لا يستحق من الحب شيئًا، ومحبته عين شقاء العبد وفساده، وتشتت أمره 58.

إنه الإيمان الصادق بالله الذي يدفع المؤمن للاتخاذ المحمود، «فإن المؤمنين لا يحبون شيئًا حبهم لله، لا أنفسهم ولا سواهم، لا أشخاصًا، ولا اعتبارات، ولا شارات، ولا قيمًا من قيم هذه الأرض التي يجري وراءها الناس، {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} أشد حبًا لله، حبًا مطلقًا من كل موازنة، ومن كل قيد، أشد حبًا لله من كل حب يتجهون به إلى سواه، والتعبير هنا بالحب تعبير جميل، فوق أنه تعبير صادق، فالصلة بين المؤمن الحق وبين الله هي صلة الحب، صلة الوشيجة القلبية، والتجاذب الروحي، صلة المودة والقربى، صلة الوجدان المشدود بعاطفة الحب المشرق الودود» 59.

2.اتباع سبيل الهدى.

وإن من أسباب الاتخاذ المحمود اتباع سبيل الهدى، وطاعة الله فيما أمر والامتناع عما نهى، فالله سبحانه وتعالى أمرنا باتخاذه وكيلًا.

قال تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [المزمل: 9] .

هذا أمر من الله باتخاذه وكيلًا، وعدم اتخاذ الأولياء والآلهة والشفعاء من دونه، فمن أطاعه واتبع سبيل الهدى فاز وربح بهذا الاتخاذ المحمود، فإن من دلالة هذه الآية أن من حقق التوحيد واتبع سبيل الهدى اتخذ الله وكيلًا.

يقول ابن عاشور: «وإذا كان الأمر باتخاذه وكيلًا مسببًا عن كونه لا إله إلا هو كان ذلك في قوة النهي عن اتخاذ وكيل غيره، إذ ليس غيره بأهل لاتخاذه وكيلًا» 60.

«وهكذا المؤمن الكامل لا يتوكل إلا عليه سبحانه وتعالى ولا يعتمد على سواه، ولا ينقطع عن كل ذلك؛ لأنه رب المشرق والمغرب وما بينهما، لا إله غيره، وكيف يكون غير ذلك؟! وكل ما في الكون شرقه وغربه شاهد عدل على وحدانية الله، وأنه لا إله غيره، ولا معبود سواه، إذا كان الأمر كذلك فاتخذه وكيلًا» 61.

3.الانتفاع بالتذكر.

إن الانتفاع بالتذكرة سبب يدفع للاتخاذ المحمود، فالإنسان مدعو للانتفاع بالتذكرة والموعظة، فمن ينتفع بالتذكرة والموعظة فإنه سيتخذ سبيل الإيمان والرشاد.

قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [المزمل: 19] أي: من كان يريد أن يتخذ إلى ربه سبيلًا فقد تهيأ له اتخاذ السبيل إلى الله بهذه التذكرة، والتذكرة هي الموعظة؛ لأنها تذكر الغافل عن سوء العواقب، فالانتفاع بالتذكرة سبب للاتخاذ المحمود 62.

ثانيًا: أسباب الاتخاذ المذموم:

1.الكفر.

إن من أهم أسباب الاتخاذ المذموم هو الكفر بالله والنفاق-والعياذ بالله-، فالكافر كفره يصرفه إلى كل مذموم، وقد بين الله سبحانه وتعالى ذلك، ففي سياق ذكر صفات منافقي أهل الكتاب وما استحقوه من لعنة من الله؛ لأنهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يبين الله سبحانه وتعالى أن سبب هذا الاتخاذ المذموم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا بنبيه.

قال تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 81] .

فالآية تبين أن عدم إيمان الذين يتولون المشركين سبب في اتخاذهم المشركين أولياء، فإن الإيمان بالله ورسوله وازعٌ عن توليهم قطعًا، ومانع لهم عن هذا الاتخاذ المذموم 63.

2.مخالفة أوامر الله واتباع سبيل الضلال.

إن مخالفة أوامر الله توقع المرء في الاتخاذ المذموم، فلما خالف اليهود والنصارى أوامر الله سبحانه وتعالى، وقد أمرهم بعبادته وعدم الشرك به، وقعوا بالشرك.

قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .

فالآية توضح أن مخالفتهم لأمر الله وعدم التزامهم بأمره كان سببًا في هذا الاتخاذ المذموم وهو اتخاذ الأحبار، أي: العلماء، وعيسى ابن مريم أربابًا وآلهة من دون الله.

وقد بين الله سبحانه وتعالى أن الذي يتكبر عن آياته ولا يؤمن بها ويتبع سبيل الضلال، ويعرض عن سبيل الهداية، فإنه سيتنكب الطريق، فيصبح لا يميز طريق الحق من طريق الباطل، فيتخذ سبيل الغي طريقًا ويترك طريق الرشد؛ لأنه كذب بآيات الله، وغفل عن معطيات الإيمان.

قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146] .

يقول الشعراوي: «وحين يرى أهل الكبر الآية الكونية أو الآية الإعجازية أو آيات الأحكام فهم لا يؤمنون بها، وحين يرون سبيل الرشد لا يتخذونه سبيلًا؛ لأن سبيل الرشد يضغط على شهوات النفس وهواها، فينهى عن السيئات وهم لا يقدرون على كبح جماح شهواتهم؛ لأنها تمكنت منهم، ولكن سبيل الغي يطلق العنان لشهوات النفس، ولا يكون كذلك إلا إذا غفل عن معطيات الإيمان الذي يحرمه من شيء ليعطيه أشياء أثمن» 64.

ويقول السعدي في بيان سبب اتخاذهم سبيل الغي، وعدم اتخاذهم سبيل الرشد، « {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} فردهم لآيات الله، وغفلتهم عما يراد بها واحتقارهم لها، هو الذي أوجب لهم سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشد» 65.

3.اتباع غواية الشيطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت