فهرس الكتاب

الصفحة 1041 من 2431

الأرض

أولًا: المعنى اللغوي:

الهمزة والراء والضاد ثلاثة أصول، الأول كل شيء يسفل ويقابله السماء، والثاني الزكمة، يقال: رجل مأروض، أي: مزكوم، والثالث الرعدة، يقال: فلان به رعدة، أي: رعشة، والأصل الأول هو الذي يكثر تداوله، وأما الأصلان الآخران فلا ينقاسان بل يوضع كل واحد منهما حيث وضعته العرب، وكلمة أرض مفرد جمعها أرضون 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

بتتبع تعريفات الأرض اصطلاحًا، يلاحظ وجود ارتباط وثيق بين التعريف اللغوي الأول للأرض والتعريف الاصطلاحي لها، فكلمة الأرض تعني التربة، وتعني كذلك المكان الذي تستقر عليه القدم 2، وهذان المعنيان يرتبطان بالمعنى اللغوي الأول للأرض، فالتربة تقع في الأسفل بالنسبة للإنسان والحيوان والنبات وغيرهم، وكذا الأمر بالنسبة للمكان الذي تستقر عليه القدم، فالقدم لا تسقر إلا على ما هو أسفل منها.

وبالنظر في التعريفات الاصطلاحية للأرض يمكن القول أن أشمل هذه التعريفات هو ما ذكره علماء الجغرافيا والبيئة، وقد وضعوا لها التعريف الآتي:

«الأرض هي أحد الكواكب التسعة التي تدور حول الشمس، وهي الثالثة بالنسبة للقرب من الشمس، والثالثة من حيث درجة اللمعان إذا ما شوهدت من عند الشمس، والخامسة بين المجموعة الشمسية من حيث الحجم» 3.

وعلى الرغم من شمولية هذا التعريف للأرض من الناحية الفلكية، إلا أنه يحتاج إلى إضافة بعض الأمور حتى يكون أدق وأشمل، وبالتالي فإن من الممكن القول بأن التعريف الأشمل والأدق للأرض اصطلاحًا هو: أحد الكواكب التي تدور حول الشمس، والذي هيأه الله تعالى ليكون الإنسان فيه خليفة، وليعيش عليه العديد من المخلوقات، وهو ثالث الكواكب من حيث القرب من الشمس، وهو الثالث من حيث درجة اللمعان، والخامس من حيث الحجم قياسًا بكواكب المجموعة الشمسية.

وردت كلمة (الأرض) في القرآن الكريم (461) مرة 4.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

معرفة ... 459 ... {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) } [الفرقان:63]

منكرة ... 2 ... {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) } [يوسف:9]

وجاءت كلمة الأرض في الاستعمال القرآني على وجهين 5:

الأول: الجرم المعروف المقابل للسماء: ومنه قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) } [يوسف:105] .

الثاني: الجنة: ومنه قوله تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) } [الزمر:74] .

السماء:

السماء لغة:

السماء في اللغة: يقال لكل ما ارتفع وعلا قد سما يسمو، وكل سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: السماء، لأنها عالية 6.

السماء اصطلاحًا:

سماء كلّ شيء: أعلاه، ومنه هذه السماء المعروفة التي فوقنا 7.

الصلة بين الأرض والسماء:

صلة السماء بالأرض من حيث إن الأرض مهبط لما ينزل من السماء، والسماء مصعد لما يرفع إليها من الأرض، وقد ذكرتا مقترنتين في القرآن الكريم بألفاظ متقاربة في مواضع كثيرة.

قال ابن القيم: وأما الأرض فأكثر ما تجيء مقصودًا بها معنى التحت والسفل دون أن يقصد ذواتها وأعدادها، وحيث جاءت مقصودًا بها الذات والعدد أتى بلفظ يدل على البعد كقوله: {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق:12] .

وفرق ثان وهو أن الأرض لا نسبة لها إلى السموات وسعتها، بل هي بالنسبة إليها كحصاة في صحراء فهي وإن تعددت وتكبرت فهي بالنسبة إلى السماء كالواحد القليل فاختير لها اسم الجنس 8.

الفلك:

الفلك لغة:

كل شيء دائر، والفلك مجرى الكواكب وتسميته بذلك لكونه كالفلك، قال الله عز وجل: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء:33] وفلكة المغزل ومنه اشتق فلك ثدي المرأة، وفلكت الجدي إذا جعلت في لسانه مثل فلكة يمنعه عن الرضاع 9.

الفلك اصطلاحًا:

والفلك واحد أفلاك النجوم. وفي حديث ابن مسعود: (تركت فرسي كأنه يدور في فلك) . كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم. قال ابن زيد: الأفلاك مجاري النجوم والشمس والقمر، وهي بين السماء والأرض 10.

الصلة بين الفلك والأرض:

الفلك جزء كبير تحت السماء الدنيا فيه كل ما يزينها من نجوم وكواكب، والأرض كوكب من تلك الكواكب السيارة في الفلك.

إن من أبرز ما تميزت به الآيات القرآنية التي عنيت بذكر مخلوقات الله تعالى، وبعظيم صنعه جل وعلا في هذه المخلوقات هو الدعوة إلى الاعتقاد بمبادئ الدين الإسلامي الحنيف، وبالأخص ما يتعلق من هذه المبادئ بمسألة التوحيد بأنواعه الثلاث (الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات) ، وفيما يأتي بيان لما ركزت على إبرازه وتقريره الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر الأرض من دلائل التوحيد:

قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس: 3] .

وقد استدلت هذه الآية القرآنية الكريمة على وحدانية الله تعالى من خلال تقريرها:

1.ربوبية الله تعالى من خلال بيانها أنه سبحانه هو:

2.بعضًا من أسماء الله تعالى وصفاته، والمتمثلة بأنه سبحانه:

3.وحدانية الله تعالى في ألوهيته.

وبذلك تكون الآية القرآنية قد بدأت بتقرير عقيدة توحيد الربوبية، ثم قررت بأنه سبحانه قد استوى على العرش، وأنه مالك التدبير، ثم ختمت بتوجيه الأمر للعباد بضرورة إفراد الله تعالى بكل صور العبادة 11.

قال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ} [يس: 33 - 34] .

استدلت هاتان الآيتان الكريمتان على قدرة الله تعالى على البعث والنشور من خلال الاستدلال بما هو مشاهد على ما هو غيبي غير مشاهد، فاستدلت على عقيدة البعث والنشور الغيبية، بحقيقة إحياء الأرض الميتة التي لا نبات فيها ولا حياة بعد نزول الأمطار عليها، فتصبح ذات زرع وخضرة بعد أن كانت قاحلة لانبات فيها ولازرع.

وبالتالي فإن الآيتين الكريمتين قد استخدمتا الأرض لإثبات عقيدة البعث والإيمان بالآخرة استخدامًا يقنع ذوي الألباب بقدرة الله تعالى على الإحياء بعد الإماتة، فكما أن الله تعالى قد أحيا الأرض الميتة، فهو سبحانه سيحيي الأموات، وسيبعثهم من قبورهم للحشر والحساب.

قال تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 5 - 7] .

تبرهن هذه الآيات الكريمة على عقيدة الإيمان بالآخرة من خلال وصف حالتي الأرض قبل نزول الأمطار وبعدها، فالأرض في موسم الجفاف قبل أن ينزل عليها الغيث تكون هامدة، أي: يابسة لا نبات فيها ولا حياة 12، أما بعد نزول الأمطار النافعة على ذات الأرض فإنها تصبح مصدرًا للحياة لما تخرجه من الزرع، وما تخزنه من الماء العذب، وعملية الإحياء هذه للأرض بعد موتها برهان على عملية البعث يوم القيامة؛ لأن الله تعالى الذي أخبر بأنه أحيا الأرض الميتة، وجعل ذلك واقعًا مشاهدًا للخلق هو الذي أخبر بأنه سيبعث الناس من قبورها للحساب في الآخرة، وهذا ما تم التأكيد عليه في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39] .

يقول ابن أبي زمنين في تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج:6] : «إن الذي أخرج من هذه الأرض الهامدة ما أخرج من النبات قادرٌ على أن يحيي الموتى» 13.

مما لا شك فيه أن تسبيح المخلوقات جميعها لله سبحانه دليل على وحدانيته جل وعلا، فلو لم يكن سبحانه وحده الخالق الرازق المدبر لشؤون جميع المخلوقات لما سبحت له، ولما قدسته.

قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44] .

و الأرض من ضمن المخلوقات العظيمة الخلق التي تسبح بحمد الله تعالى كما هو مبينٌ في الآية الكريمة.

يقول سيد قطب في بيان معنى فاصلة الآية الكريمة {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} : «وذكر الحلم هنا والغفران بمناسبة ما يبدو من البشر من تقصير في ظل هذا الموكب الكوني المسبح بحمد الله، بينما البشر في جحود وفيهم من يشرك بالله، ومن ينسب له البنات، ومن يغفل عن حمده وتسبيحه. والبشر أولى من كل شيء في هذا الكون بالتسبيح والتحميد والمعرفة والتوحيد. ولولا حلم الله وغفرانه لأخذ البشر أخذ عزيز مقتدر. ولكنه يمهلهم ويذكرهم ويعظهم ويزجرهم» 14.

أثبتت آيات الذكر الحكيم أن الله تعالى هو المالك المتصرف في الأرض.

قال تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 189] .

وتعد ملكية الله تعالى للأرض والسماوات من أقوى الأدلة على وحدانيته جل وعلا؛ وذلك لأنه لو كان هنالك مالك لهما غير الله تعالى لفسدت أحوالهما.

قال تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 19 - 22] .

وبالتالي فإن صلاح أمر الأرض والسماوات يعني أن المتصرف فيهما هو واحد أحد لا شريك له 15.

بينت آيات القرآن الكريم في غير موضع أن الله تعالى بكل شيء عليم، قال تعالى: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 64] .

وقال تعالى: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف: 89] .

وقال تعالى: {قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] .

وتعد هذه الآيات الكريمة غيض من فيض إذا ما كان المراد هو الحديث عن اهتمام القرآن الكريم بصفة العلم الثابتة لله تعالى، ويعد علم الله تعالى بالأمور كلها وبالأخص ما يحدث منها على وجه الأرض من أقوى الأدلة على وحدانية الله تعالى، فلو أنه سبحانه لم يكن يعلم ما يحدث على الأرض للزمه شريك يزوده بما يخفى عليه من المعلومات حتى لا يقع في الظلم عند تقسيم الأرزاق، أوعند التشريع، أوعند الحساب، أو .... إلخ، وبالتالي فلما ثبت للعباد قطعًا عدم وقوع الظلم من الله تعالى في أي أمر من الأمور، تبين أنه سبحانه واحد لا شريك له ولا مثيل.

يعد انفراد الله تعالى بميراث السماوات والأرض من أبرز ما يدلل على وحدانيته جل وعلا، إذ لو كان معه إله غيره لقاسمه هذا الميراث، وبالتالي فإن تقرير آيات القرآن بتفرد الله تعالى بميراث السماوات والأرض دليل على وحدانيته جل وعلا.

قال تعالى: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180] .

وتقديم الجار والمجرور (لله) يأتي بغرض التخصيص، وبالتالي فلا منازع ولا شريك له سبحانه في الإرث للسماوات والأرض 16.

وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [مريم: 40] .

يقول النسفي في تفسيره لهذه الآية الكريمة: «أي: نتفرد بالملك والبقاء عند تعميم الهُلْك والفناء» 17.

1.خلق الله تعالى الأرض وجعلها مهيأةً ليعيش عليها عباده، فوفر لهم فيها كل ما يلزمهم من مأكل ومشرب ومسكن وملبس و إلخ، وهذه النعمة لا تقتصر على العباد المكلفين وإنما تتعدى ذلك لتعم كافة المخلوقات التي تعيش على الأرض، وقد ذكر القرآن الكريم عدة خصائص زود الله تعالى بها الأرض حتى تكون صالحة لمعيشة ما عليها من مخلوقات، ومن هذه الخصائص ما يأتي:

1.الرتق والفتق.

الرتق لغةً هو إصلاح الفتق 18، أما الفتق فهو الشق 19.

ذكر القرآن الكريم أن السماء والأرض كانتا رتقًا ففتقهما الله تعالى.

قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ? وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ? أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء: 30] .

وقد ذكر المفسرون ثلاثة أقوال في معنى الرتق والفتق هي:

أحدها: أن السماء كانت رتقًا لا تمطر، وأن الأرض كانت رتقًا لا تنبت، ففتق الله تعالى السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات.

الثاني: أن السماء والأرض كانتا رتقًا، أي: متلاصقتين، ففتقهما الله تعالى.

الثالث: أن الله تعالى فتق الأرض من الأرض ست أرضين، فصار المجموع سبعًا، وأنه تعالى فتق من السماء ست سماوات، فصار المجموع سبعًا 20.

وسواءٌ أكان المراد بالرتق والفتق هو واحد من المعاني الثلاثة السابقة الذكر، أو كان المراد بهما جميع المعاني الثلاثة السابقة، فإن الحاصل الآن هو أن السماء تمطر، والأرض تنبت، وأن السماوات سبعًا، وكذلك الأرض، وأن السماء والأرض منفصلتين، وهذه الأمور جميعها هي مما أنعم الله تعالى به على عباده.

2.المد والبسط والدحو.

المد في اللغة يعني الجذب والمطل، يقال: رجل مديد الجسد، أي: طويل 21، والبسط في اللغة يعني النشر 22، والدحو في اللغة يعني البسط 23.

ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى قد مد الأرض، وأنه قد بسطها، وأنه قد دحاها.

قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ? وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ? يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الرعد: 3] .

وقال تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًاڑ) [نوح: 19] .

قال تعالى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَ?لِكَ دَحَاهَا) [النازعات: 30] .

والألفاظ الثلاثة كلها تدور حول المد والبسط.

فأما مد الأرض؛ فهو بسطها طولًا وعرضًا 24.

وأما بسطها؛ أي: جعلها ممهدة مهيأةً للاستقرار 25.

وأما دحو الأرض؛ أي: بسطها 26.

وهذا المد والبسط للأرض من أعظم النعم، فلولا أن الله جعلها مبسوطة لما تمكن سكانها من التنقل بسهولة ويسر بين الأماكن المختلفة لقضاء الحاجات المتعددة، لذلك قال الله تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ?19?لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ?20?) [نوح: 19 - 20] .

فجملة تسكنوا في قوله تعالى: (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا) في محل نصب مفعول لأجله، أي: أن الله تعالى قد بسط الأرض بغرض تمكين الناس من اتخاذ المسالك والطرق التي تربط بين الأماكن ذات الصلة بحاجاتهم.

3.التذليل.

التذليل في اللغة: هو التسهيل 27.

ذكر القرآن الكريم أن الله عز وجل قد ذلل الأرض.

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ? وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ?15?) [الملك: 15] .

وقد ذكر المفسرون أن معنى كلمة ذلولًا الواردة في الآية الكريمة، أي: سهلة مهيأةً للمشي في طرقاتها 28.

وبالنظر في آية الملك يمكن القول بأن الله تعالى لما من على عباده بأن جعل لهم الأرض مذللة، أعقب ذلك بـ:

1.السعي لطلب الرزق بالحلال، وذلك امتثالًا لقوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ?10?) [الجمعة: 10] .

2.إعطاء الطرقات حقوقها التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إياكم والجلوس على الطرقات) ، فقالوا: ما لنا بدٌ، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: (فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقها) ، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: (غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمرٌ بالمعروف، ونهيٌ عن المنكر) 29.

3.بالإضافة إلى لزوم التواضع أثناء المشي خلالها، وذلك تأدبًا بما أدب به لقمان الحكيم ابنه وهو يعظه.

قال تعالى حكاية لأحدى مواعظه لولده: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ?18?وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ? إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ?19?) [لقمان: 18 - 19] .

4.كما يضاف إلى ما تقدم ابتغاء العلوم النافعة من خلال السير في الطرقات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة) 30.

5.إماطة الأذى عن الطريق، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضعٌ وسبعون - أو بضعٌ وستون - شعبةً، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان) 31.

4.السعة.

السعة في اللغة هي خلاف الضيق، والغنى.

ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى قد جعل في الأرض السعة.

قال تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ? وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: 100] .

والسعة في هذه الآية بمعنى وفرة في الرزق، وتمكين للدين 32.

وتعد السعة من أعظم ما من الله تعالى به على عباده حيث تتيح الفرصة للمؤمنين للانتشار في الأرض والحصول على وسائل التمكين والعزة، وتوظيف هذه الوسائل في بناء المجمتع المسلم الملتزم بأحكام الشريعة السمحة، كما كان المجتمع الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة.

5.الزخرف والتزيين.

الزخرف في اللغة هو الذهب، والشيء المزخرف هو الشيء المزين 33، والتزيين في اللغة هو التجميل 34.

ذكر القرآن الكريم أن الأرض تتزخرف وتتزين وتتجمل.

قال تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى? إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ? كَذَ?لِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [يونس: 24] .

ومعنى أخذت الأرض زخرفها وازينت، أي: تجملت بالنباتات والأزهار ذات الألوان الجميلة الزاهية 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت