وجاءت دعوة الإسلام بالتغيير قائمةً على تزكية الأنفس استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [البقرة:129] وتلك نعمةٌ عظيمةٌ تستوجب شكر الله تعالى ومداومة ذكره.
قال تعالى: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?150? كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ?151? فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) [البقرة:150 - 152] .
ومنة كبرى سيما حين نقارن حال العرب في الجاهلية بحالهم بعد الإسلام.
قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران:164] .
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الجمعة:2] .
ولقد كان القرآن الكريم هو منهج هذه التزكية ومصدرها وزادها ونبراسها، وكان لمدرسة الليل أثرٌ كبيرٌ في التزكية والارتقاء.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ?1? قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ?2? نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ?3? أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ?4? إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ?5? إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) [المزمل:1 - 6] .
وكان للصحابة رضوان الله عليهم منهجٌ فريدٌ في التربية بالقرآن إذ كانوا يتعلمون عشر آيات من القرآن، فلا يجاوزونها إلى غيرها حتى يتعلموا ما فيها من العمل، ويعملوا بما فيها، فتعلموا بذلك العلم والعمل جميعًا 31.
وبهذا حدث هذا التغيير العظيم لهذا الجيل القرآني الفريد الذي صنع الأمجاد وفتح الفتوحات، وأحدث تغييرًا كبيرًا، وحمل مشاعل النور إلى العالم.
لقد كان العالم يرزح تحت نير الجهل والظلم، ويعيش الناس في فوضى، العرب قبائل متمزقة، والعالم بين طغيان الفرس وفساد الروم، والجاهلية تضرب بأطنابها في جزيرة العرب بشتى مظاهرها، من الجهل والظلم والعادات المرذولة، كيف واجهت رسالة الإسلام هذا الركام الفاسد فأزالتْه، وهيئت التربة للإنبات مجددًا، فخرج ذلك الجيل الراشد، جيل الصحابة، نعم الغرس الطيب، (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] .
لقد كان لمدرسة القرآن دورٌ عظيمٌ في صياغة هذا الجيل وإعداده، فالقرآن زادٌ ومنهاجٌ، شفاءٌ وعلاجٌ، طاقةٌ وسراجٌ.
قال رشيد رضا رحمه الله: «واعلم أن قوة الدين وكمال الإيمان واليقين لا يحصلان إلا بكثرة قراءة القرآن واستماعه مع التدبر بنية الاهتداء به، والعمل بأمره ونهيه. فالإيمان الإذعاني الصحيح يزداد ويقوى وينمي وتترتب عليه آثاره من الأعمال الصالحة وترك المعاصي والفساد بقدر تدبر القرآن، وينقص ويضعف على هذه النسبة من ترك تدبره، وما آمن أكثر العرب إلا بسماعه وفهمه، ولا فتحوا الأقطار ومصروا الأمصار، واتسع عمرانهم، وعظم سلطانهم، إلا بتأثير هدايته» 32.
حين نتأمل ونقارن بين ما كان عليه الصحابي قبل أن يسْلم وما صنعه الإسلام فيه من تغييرٍ ندرك أثر القرآن العظيم في الإصلاح والتغيير، لقد غير القرآن من سلوكهم وأفكارهم، غير من نظرتهم للحياة ومن مفاهيمهم، غير هممهم وطموحاتهم، نقلهم من الجهل إلى العلم ومن الظلام إلى النور. وهل هناك تغييرٌ أعظم من هذا! (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة:257]
(الر كِتابٌ أَنزَلناهُ إِلَيكَ لِتُخرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ بِإِذنِ رَبِّهِم إِلى صِراطِ العَزيزِ الحَميدِ) [إبراهيم:1] .
قال عمر رضي الله عنه: «والله إنْ كنا في الْجاهلية ما نعد للنساء أمْرًا حتى أنْزل الله فيهن ما أنْزل، وقسم لهن ما قسم» 33.
جاء القرآن الكريم ونفر مما كان في الجاهلية من مفاسد وشرور، فنهى عن الظنون والأوهام والتصورات الفاسدة التي تعد من أمر الجاهلية، قال تعالى: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ) [آل عمران:154] . كما نهى عن ظلم الجاهلية الذي تمثل في الأحكام المستبدة والأقضية الجائرة، (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50] . ونهى عن تبرج الجاهلية (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) [الأحزاب:33] . وعن حمية الجاهلية وما فيها من طيش وحماقةٍ واندفاع وعصبية عمياء (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) [الفتح:26] . جاء الإسلام بهذه الثورة العارمة على أوضاع الجاهلية الفاسدة وتقاليدها الراكدة. وفي حجة الوداع كان من خطبته صلى الله عليه وسلم إبطال كل ما كان عليه أهل الجاهلية من عادات وخصال ذميمة، كالأخذ بالثأر وأكل الربا وظلم النساء، وفي هذا يعلن نبينا صلى الله عليه وسلم في خطبته أمام الحجيج: (ألا كل شيْءٍ منْ أمْر الْجاهلية تحْت قدمي موْضوعٌ، ودماء الْجاهلية موْضوعةٌ، وإن أول دمٍ أضع منْ دمائنا دم ابْن ربيعة بْن الْحارث، كان مسْترْضعًا في بني سعْدٍ فقتلتْه هذيْلٌ. وربا الْجاهلية موْضوعٌ، وأول ربًا أضع ربانا ربا عباس بْن عبْد الْمطلب، فإنه موْضوعٌ كله) 34.
أولا: تغيير المجتمعات نابع من تغيير الأنفس.
تغيير المجتمعات أو التغيير الاجتماعي يقوم على تغيير الأنفس أولًا؛ فهي لبنات المجتمع وعماده، ثم التغيير العام للمجتمع، بالإصلاح والدعوة والتربية. لقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بتربية الرعيل الأول من الصحابة على القرآن، يثبت إيمانهم ويرسخ عقيدتهم ويعلمهم مكارم الأخلاق، ويبصرهم بسنن الله في الكون، ويقص عليهم قصص السابقين، ويربيهم على أصول التشريع من العبادات والمعاملات، حتى أعد هذا الجيل الذي هب لنصرة الحق وحمل لواء الدعوة ونشرها في الآفاق.
وصدق الله تعالى إذ يقول: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ? تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ? سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ? ذَ?لِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ? وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى? عَلَى? سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ?) [الفتح:29] .
لقد نما هذا الجيل وترعرع، بدأ كالنبتة الضعيفة أطلت ببرعمها اللدن وأشرفت على سطح الأرض، تنمو وترتفع، وسرعان ما كبرت واشتد عودها، وامتدت جذورها تقوي صلتها بالأرض وتثبتها، وتفرعت أغصانها بما يبهج الناظرين ويعجب الزراع لحسنه ونضرته.
عن الضحاك قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم قليلًا، ثم كثروا واستغلظوا 35.
وإنما مثلهم بالزرع المشطئ؛ لأنهم ابتدءوا في الدخول في الإسلام، وهم عدد قليلون، ثم جعلوا يتزايدون، ويدخل فيه الجماعة بعدهم، ثم الجماعة بعد الجماعة، حتى كثر عددهم، كما يحدث في أصل الزرع الفرخ منه، ثم الفرخ بعده حتى يكثر وينمو 36.
وللتغيير الاجتماعي أهميته فهو الهدف المنشود والأثر الفعال في الوجود، ولا يتحقق إلا بتغير الأنفس.
ونلاحظ هنا: قوله تعالى (حتى يغيروا ما بأنفسهم) : حيث إسناد فعل التغيير إلى واو الجماعة، وجمع النفس لبيان كون التغيير أقرب إلى العمل الجماعي التعاوني، وليس لكل فرد حرية التغيير كيفما يشاء، بل هو منهج عامٌ شامل ومنظومة موحدة، فالمسئولية وإن كانت فرديةً في أصلها حيث يحاسب الفرد عن نفسه ويسْأل.
قال تعالى: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ إِلّا آتِي الرَّحمنِ عَبدًا ?93? لَقَد أَحصاهُم وَعَدَّهُم عَدًّا ?94? وَكُلُّهُم آتيهِ يَومَ القِيامَةِ فَردًا) [مريم:93 - 95] ، إلا أن ثمة مسئولية جماعية تقع على الجميع، مصداق ذلك قوله تعالى: (وَاتَّقوا فِتنَةً لا تُصيبَنَّ الَّذينَ ظَلَموا مِنكُم خاصَّةً وَاعلَموا أَنَّ اللَّهَ شَديدُ العِقابِ) [الأنفال:25] .
ولا بد من ملاحظة التغييرات الجزئية، فهي نذير أو مؤشرٌ للتغيير الكلي، فما التغيير العظيم إلا نتاج تغييرات صغيرة متعاقبة، فالنبات ينمو كل يوم، وقد لا نشعر به حتى نفاجأ باستوائه ونضجه، كذلك التغيير الكبير مجموعة من التغييرات اليسيرة، فإذا تكاثر الخبث شيئًا فشيئًا أفضى للهلاك، لذا تأتي أهمية ملاحظة التغييرات الجزئية؛ لأنها مؤشر على التغيير الكلي.
عنْ زيْنب بنْت جحْشٍ رضي الله عنْها (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليْها فزعًا يقول: لا إله إلا الله، ويْلٌ للْعرب منْ شرٍ قدْ اقْترب، فتح الْيوْم منْ ردْم يأْجوج ومأْجوج مثْل هذه، وحلق بإصْبعه الْإبْهام والتي تليها، قالتْ زيْنب بنْت جحْشٍ: فقلْت: يا رسول الله، أنهْلك وفينا الصالحون؟ قال: نعمْ، إذا كثر الْخبث) 37.
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الْقائم على حدود الله والْواقع فيها: كمثل قوْمٍ اسْتهموا على سفينةٍ فأصاب بعْضهمْ أعْلاها وبعْضهمْ أسْفلها، فكان الذين في أسْفلها إذا اسْتقوْا منْ الْماء مروا على منْ فوْقهمْ، فقالوا: لوْ أنا خرقْنا في نصيبنا خرْقًا، ولمْ نؤْذ منْ فوْقنا؟ فإنْ يتْركوهمْ وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإنْ أخذوا على أيْديهمْ نجوْا ونجوْا جميعًا) 38.
وقوله (ما بانفسهم) أي: من طبائع وأخلاق ومن أفكار ومفاهيم، ومن ظروف وأحوال.
وإن تغيير ما بالنفس لا بد وأن يكون عن علم بطبيعة النفس وسنن التغيير، ولا سبيل لمعرفة كافية إلا بالاسترشاد بنور الوحي، فالله تعالى أعلم بنا.
قال تعالى: (ربكم اعلم بكم) [الإسراء: 54] (ربكم اعلم بما في نفوسكم) [الإسراء: 25] .
فتغيير ما بالأنفس يبدأ بمعرفتها والوقوف على علل وأدوائها، والتبصر بالمنهج الأمثل للتغيير.
يقول الأستاذ جودت سعيد: «فما لم نسيطر على خارطة تغيير ما بالأنفس وما لم نتمكن بوضوح من سنة التغيير، وما ينبغي أن نغيره سنظل نسير في طريقنا بعفوية لا قصد فيها، ونحافظ على أفكار تعوق تقدمنا، وننبذ أفكارًا ونعاديها بينما لا غنى لنا عنها، مثال ذلك عدم مبالاتنا بعلم تغيير ما بالأنفس، هذا فضلًا عن إعراضنا عن عبر التاريخ التي توضح لنا ما ينبغي أن نغيره، فهنا نحتاج لعلمين، علم تغيير ما بالأنفس، وعلم آخر وهو ما نميز به ما ينبغي أن نغيره وما ينبغي أن نبقيه» 39.
ثانيًا: من عوامل التغيير.
أ - الاستقامة على المنهج، من عوامل التغيير الاستقامة على الطريق، كالمسافر حتى ينتقل من بلد إلى بلد لا بد أن يوجه شطره نحو البلد التي يريدها، ويأخذ طريقه إليها؛ كذلك لن يتحقق التغيير بدون الاستقامة على الطريق الذي حدد القرآن معالمه، وبين حدوده ومراسمه، ودعا إليه، وحذر من النكوب عنه.
قال تعالى: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) [الجن:16] .
«قيل: المراد: الخلق كلهم، أي: لو استقاموا على طريقة الحق والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين» لأسقيناهم ماءً غدقًا «أي: كثيرًا» 40. «وضرب الماء الغدق مثلًا لأن الخير والرزق كله في المطر» 41.
ب - الإيمان والتقوى وإقامة ما أنزل الله
لا تغيير بدون إيمانٍ خالصٍ وتقوى صادقةٍ وإقامةٍ لما أنزل الله بتبينه والامتثال له والدعوة إليه، هنا يحدث التغيير للأفضل، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى? آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَ?كِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف:96]
«فالبركة قد تكون مع القليل إذا أحسن الانتفاع به، وكان معه الصلاح والأمن والرضا .. وكم من أمة غنية قوية، ولكنها تعيش في شقوة، مهددة في أمنها، مقطعة الأواصر بينها، يسود الناس فيها القلق وينتظرها الانحلال. فهي قوة بلا أمن. وهو متاع بلا رضى. وهي وفرة بلا صلاح. وهو حاضر زاهٍ يترقبه مستقبل نكد. وهو الابتلاء الذي يعقبه النكال ..
إن البركات الحاصلة مع الإيمان والتقوى، بركات في الأشياء، وبركات في النفوس، وبركات في المشاعر، وبركات في طيبات الحياة .. بركات تنمي الحياة وترفعها في آن. وليست مجرد وفرة مع الشقوة والتردي والانحلال» 42.
وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ?65? وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) [المائدة:65 - 66] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأنزلت عليهم القطر، وأخرجت لهم من نبات الأرض 43.
وهذه دعوة لأهل الكتاب مع ما سلف منهم، دعوة لإصلاح ما فسد ووصل ما انقطع، والتخلي عن الجحود والنكران، والتحلي بالإيمان، والتزود بالتقوى، ليفتح الله لهم باب التوبة والرجاء، لو آمنوا حق الإيمان بجميع الرسل وسائر الكتب واتقوا محارم الله لغير الله من حالهم، وتلك بداية رحلة الإيمان، من أنقاض تلك الكتب وما بقي فيها من حقائق تسرج المشاعل التي تنير درب الحق، ففي تلك الكتب المرشد والدليل، ولو أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم من سائر الكتب التي بين أيديهم لو أقاموها نصب أعينهم حتى ينظروا ما انطوت عليه من بشاراتٍ تدل على النبي صلى الله عليه وسلم، لآمنوا بخاتم النبيين. والآية تحمل لهم روح العتاب على أعمارٍ طويت وسنواتٍ تولت بعيدًا عن الحق، فاليهود لم يؤمنوا بعيسى، بل جحدوا ما بأيديهم من بشارات تشهد بنبوته، ثم زاد نكوبهم عن الصراط ونكولهم عن الحق بجحودهم نبوة خاتم النبيين، وتخاذلهم عن نصرته، بل ونقضهم العهود والمواثيق، والنصارى نكبوا عن الحق الذي جاء به عيسى عليه السلام. فلو أقاموا التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة لعمهم الخير وأقبل من كل مكان.
وقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجعَل لَكُم فُرقانًا وَيُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِر لَكُم وَاللَّهُ ذُو الفَضلِ العَظيمِ) [الأنفال:29]
قال مجاهد: مخرجًا في الدنيا والآخرة. وقال مقاتل بن حيان: مخرجًا في الدين من الشبهات، وقال عكرمة: نجاة، أي: يفرق بينكم وبين ما تخافون. وقال الضحاك: بيانًا. وقال ابن إسحاق: فصلًا بين الحق والباطل يظهر الله به حقكم، ويطفئ باطل من خالفكم 44.
ولا شك أن حصول هذه الأمور تغييرٌ جذريٌ في حياة الإنسان؛ أن يمتلك الرؤية الثاقبة، والنظرة الواعية؛ فيستطيع التفريق بين الحق والباطل والخير والشر سيما عند التباس الأمور وتشابك المصالح.
ت - عبادة الله وحده وكثرة الاستغفار والتوبة الخالصة من الذنوب.
نهى القرآن عن عبادة غير الله؛ ودعا إلى كثرة الاستغفار والتوبة النصوح ووعد بطيب العيش والعافية وطول العمر في طاعته ومرضاته، والارتقاء والتفوق على سائر الأمم، في القوة والعلم والمنعة والفضل. قال تعالى (أَلّا تَعبُدوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّني لَكُم مِنهُ نَذيرٌ وَبَشيرٌ ?2?وَأَنِ استَغفِروا رَبَّكُم ثُمَّ توبوا إِلَيهِ يُمَتِّعكُم مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤتِ كُلَّ ذي فَضلٍ فَضلَهُ) [هود:2 - 3] .
وقد سجل القرآن الكريم دعوات الأنبياء لأقوامهم كيف بدأت بإخلاص العبادة لله جل وعلا فهي الركيزة الأساسية لأي إصلاح وتغيير، فالعبادة محور حياة المؤمن. قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأعراف:59]
(وَإِلَى? عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? أَفَلَا تَتَّقُونَ) [الأعراف:65]
(وَإِلَى? ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ [الأعراف:73]
(وَإِلَى? مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ) [الأعراف:85]
(وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ? ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَٹ) [العنكبوت:16]
وأخبر الله تعالى عن عيسى قوله لبني إسرائيل (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ? هَ?ذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [آل عمران:51] .
وهكذا جميع الأنبياء استهلوا دعوتهم بالدعوة إلى عبادة الله وحده، وانطلقوا من خلاله إلى إصلاح النفس والمجتمع.
خلق الله النفس البشرية وسواها على الفطرة وبين لها طريق الغواية وطريق الرشاد، وأوكل الاختيار إليها، إما أن تسلك طريق الفلاح بتهذيب النفس والنهوض بها، وإما طريق الخيبة والضياع بإهمالها ودفنها في حفرة الأهواء والملذات.
قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ?7? فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ?8? قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ?9? وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس:7 - 10] .
طهر نفسه من الذنوب، ونقاها من العيوب، ونماها وأعلاها بالباقيات الصالحات، وقد خاب من دساها: أهلكها وأضلها وأغواها 45.
قد يتغير المجتمع إلى الأسوأ وفي القرآن الكريم نماذج عديدة لهذا التغير ومظاهره وأسبابه، وحديث القرآن في هذا السياق تارة يكون عامًا لا يشمل مجتمعا بعينه بل يبين عموم هذه السنة واطرادها، وتارة يأتي الحديث عن قرى بعينها كمثالٍ واقعي.
أولًا: التغيير سنة عامة ومطردة.
قال تعالى: (وَلَقَد أَرسَلنا إِلى أُمَمٍ مِن قَبلِكَ فَأَخَذناهُم بِالبَأساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعونَ ?42? فَلَولا إِذ جاءَهُم بَأسُنا تَضَرَّعوا وَلكِن قَسَت قُلوبُهُم وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ ما كانوا يَعمَلونَ ?43? فَلَمّا نَسوا ما ذُكِّروا بِهِ فَتَحنا عَلَيهِم أَبوابَ كُلِّ شَيءٍ حَتّى إِذا فَرِحوا بِما أوتوا أَخَذناهُم بَغتَةً فَإِذا هُم مُبلِسونَ) [الأنعام:42 - 44] .
يخبر تعالى عن سنته الجارية في الأمم الماضية الذين واجهوا دعوات الأنبياء بالتكذيب والإعراض، كيف حول الله حالهم من سعةٍ وخصبٍ إلى شدةٍ وبؤس، ومن منح وعطاء إلى محن وحرمان، وذلك امتحانٌ لهم هل يتضرعون لربهم ويلوذون ببابه، فيكشف عنهم البلاء ويغير من شدتهم وكربهم إلى فرجٍ ورخاء؟ لكن قسوة قلوبهم حرمتهم من التضرع لربهم ليغير مابهم، وزين لهم الشيطان سوء عملهم فلم يسعوا للتغيير ولم يفكروا فيه، وهنا يبتليهم الله بالسراء ويفتح لهم أبواب الرخاء فيفرحون بما أوتوا فرح المغرور المفتون، فيحق عليهم العذاب وتحل بهم النقم ويتبدل الحال إلى شقاءٍ لا نعيم بعده، فإذا هم نادمون آيسون.
قال السدي: (فَإِذا هُم مُبلِسونَ) «معناه: هالكون قد انقطعت حجتهم، نادمون على ما سلف منهم، متغير حالهم» 46.
وقال ابن زيد: المبلس: الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه 47.
فالابتلاء الجماعي للأمم والشعوب بالحروب والمجاعات والأوبئة والأزمات؛ إنما يقع تمحيصًا لها وتصحيحًا لمسارها، وإصلاحًا لفسادها، وإزالةً لتراكمات السنين من آثار المعاصي والذنوب، وتجريدًا للقلوب وترقيقًا للمشاعر، وتوجها إلى الله تعالى، لترى الأكف ضارعةً والأعين دامعةً والقلوب خاشعةً، لكن أهل الجحود والهوى لا تزيدهم الشدائد إلا قسوةً وعنادًا، وصدودًا وإعراضًا، فتصب أنهار المحن في بحار الذنوب، فلا يخرجون من هذا الابتلاء إلا بالخيبة والخسران. ثم يستأنف الاختبار من جديدٍ، لكنه هذه المرة يكون أشد صعوبةً لأنه ابتلاء بالنعمة، إنها فتنة الاستدراج، وقد أقبلت الدنيا عليهم وفتحت لهم أبوابها ففرحوا بما أوتوا فرح العجب والاغترار والخيلاء والاستكبار، فرحوا بالنعم وانشغلوا بها عن المنعم، أعلنوا عن فرحهم بالمعاصي والموبقات؛ تفاخرًا بما أوتوا من ظلٍ زائلٍ وعاريةٍ مستردة، وزعموا أن تبدل الحال وقع اتفاقًا ومصادفة؛ غافلين عن الحكمة في ذلك، ومتجاهلين كونه امتحانًا لهم فهم في غفلة عن سنن الله (وَما أَرسَلنا في قَريَةٍ مِن نَبِيٍّ إِلّا أَخَذنا أَهلَها بِالبَأساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُم يَضَّرَّعونَ ?94? ثُمَّ بَدَّلنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوا وَقالوا قَد مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ فَأَخَذناهُم بَغتَةً وَهُم لا يَشعُرونَ) [الأعراف:94 - 95] .
وقال تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ? فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ? وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [القصص: 58] .
فكم من قرى كثيرة أهلكها الله حين تمردتْ على النعمة واغترت بها وضيعت حقها، وتلك مساكنهم أضحت مدائن دارسة وأطلالًا خربة؛ عبرة صامتة وموعظة ناطقة، يمر عليها المسافر، ويعبرها العابر، فسبحان من يرث الأرض ومن عليها. قال ابن عباس: لم يسكنها إلا المسافرون، ومار الطريق يومًا أو ساعة. معناه: لم تسكن من بعدهم إلا سكونًا يسيرًا قليلًا، وقيل: لم يعمر منها إلا أقلها وأكثرها خراب 48.
وقال أبو حيان: هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن وخفض العيش، فعظموا النعمة، وقابلوها بالأشر والبطر، فدمرهم الله وخرب ديارهم 49.
وقال تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا ?8? فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًاہ) [الطلاق:8 - 9]
وكم من أهل قرية طغوا عن أمر ربهم وخالفوه، وخرجوا عن أمر رسله وشاقوه، فتمادوا في طغيانهم وعتوهم، ولجوا في كفرهم، فبدل الله حالهم من لطف وإنعام وستر إلى شدة وبؤسٍ وعذابٍ وإرهاقٍ لا يطاق، فلم تنفعهم قوتهم ولم تغن عنهم كثرتهم.
قال ابن عباس: (عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا) أي: أعرضت عنه. وقال مقاتل: خالفت أمر ربها، وخالفت رسله 50.
ثانيًا: نماذج من التاريخ.
في القرآن الكريم أمثلة واقعية كثيرة لسنة التغيير، من ذلك ما وقع لقوم سبأ من تبدل الحال بعد نعمةٍ وخفض عيشٍ إلى شظفٍ ونقمةٍ حين كفروا بنعمة الله وأعرضوا عن الحق.
-قوم سبأ.
قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ?15? فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ?16? ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ?17? وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ?18? فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُوھ) [سبأ:15 - 19] .
لم يشكروا ربهم بل أعرضوا عن المنعم جل وعلا، وقابلوا النعم بالجحود والنكران، فسلط الله عليهم السيل الجرار الذي خرب سدهم وأفسد زرعهم، وأتلف أشجارهم، فتبدلت تلك الحقول والبساتين المثمرة، بأشجارٍ رديئة الثمر، كالطرفاء والسدر وغيرها من الأشجار التي لا تغني من جوع. ذلك العقاب بسبب كفرهم وجحودهم، فلا نعاقب إلا من كفر بالنعم وأصر على ذلك وتمادى فيه، فيتبدل حاله من رغد العيش وطيب الحياة ووفرة الثمر إلى القحط والجدب وتلف الزروع وقلة الثمر.
فتبطروا على هذه النعم وطلبوا زوالها وتمنوا لو كان السفر طويلًا، وبلغ الترف ببعضهم والدعة أن اشتكى من بعد الأسفار جحودًا وإنكارًا لنعم الله تعالى، وظلموا أنفسهم بجحودهم وغفلتهم، وتمللهم، فجعلناهم عبرةً يتحدث الناس بها ويتعجبون من أخبارهم وبؤسهم بعد عيشهم الرغيد، وتفرقهم بعد اجتماع شملهم وذلهم بعد عزهم، حتى صار تفريقهم مثلًا سائرًا فقالوا في الأمثال: ذهبوا أيْدي سبا وتفرقوا أيْدي سبا.51
-قوم فرعون.