فهرس الكتاب

الصفحة 1060 من 2431

ووجهه: نادت: «يا» ، نبهت: «ها» ، سمت: «النمل» ، أمرت: «ادخلوا» ، نصت: «مساكنكم» ، حذرت: «لا يحطمنكم» ، خصت: «سليمان» ، عمت: «وجنوده» ، أشارت: «وهم» ، أعذرت: «لا يشعرون» 18.

وفي هذه الآية: نجد أن النمل مملكة من مخلوقات الله العجيبة، وأنها تتخاطب بلغة خاصة فيما بينها، وفيها أن النملة حريصة على سلامة مجتمعها وحرصها على أمنه، وفي هذا العبرة لكل إنسان أن يحرص على سلامة المجتمع الذي يعيش فيه، ويعمل بكل الوسائل الممكنة لصالح الأمن والاستقرار، وفيها دعوة للملوك والرؤساء والمسؤولين للاهتمام بشؤون المملكة، وعدم الغفلة عنها حتى في شؤون الحيوان والطير والحشرات؛ ليسود العدل وينتشر الأمن والأمان في المجتمعات.

ثانيًا: الذباب:

الذباب: اسم يطلق على كثير من الحشرات المجنحة، منها: الذبابة المنزلية، وذبابة الخيل، وذبابة الفاكهة، وذبابة اللحم، والجمع أذبّة، وذُبّان 19.

وضرب الله تعالى مثلًا في بيان عجز معبودات المشركين وتفاهتها بالذباب، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) } [الحج:73] .

لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة آلهة الكفار التي يعبدونها من دون الله تعالى بلا حجة لهم في ذلك ولا علم، ذكر في هذه الآية ما يدل على إبطال قولهم، فبدأت الآية بأداة النداء {يَاأَيُّهَا} ، والتي تدعو إلى الانتباه، وأكد ذلك بقوله: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ} ، أي: تدبروه حق تدبره؛ لأن نفس السماع لا ينفع، وإنما ينفع التدبر، ثم بَيَّن الله تعالى أن هذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله الواحد الأحد هي أحقر وأذل وأهون من أن تعبد وتتخذ إلهًا.

وبَيَّن الله تعالى وجه حقارتها وذلك بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج:73] .

فقوله تعالى: {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا} ، جاءت بنفي المستقبل فلم يقل مثلًا: لم يخلقوا، فالنفي هنا للتأبيد، فهم ما استطاعوا في الماضي، ولن يستطيعوا أيضًا فيما بعد حتى لا يظن أحد أنهم ربما تمكّنوا من ذلك في مستقبل الأيام، ونفي الفعل هكذا على وجه التأبيد؛ لأنك قد تترك الفعل مع قدرتك عليه، إنما حين تتحدّى به تفعل لتردّ على هذا التحدّي، فأوضح لهم الحق سبحانه أنهم لم يستطيعوا قبل التحدي، ولن يستطيعوا بعد التحدي، فكأنه سبحانه قال: إن هذه الأصنام وإن اجتمعت لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودًا، وقوله تعالى: {وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج:73] .

نصب على الحال كأنه قال: يستحيل أن يخلقوا الذباب حال اجتماعهم فكيف حال انفرادهم، ثم بين تعالى أنهم أحقر من ذلك وأذل وأهون فليس عجزهم فقط عن خلق ذبابة، فقال تعالى: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} [الحج:73] .

كأنه سبحانه قال: أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه، فإن الذباب إن سلب منها شيئًا، فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب، ثم سوى الله تعالى بين الآلهة وبين من يعبدها في الحقارة والذل والضعف، فقال تعالى: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73] .

وفيه قولان:

أحدهما: المراد منه الصنم والذباب، فالصنم كالطالب من حيث إنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه والذباب بمنزلة المطلوب.

والثاني: أن الطالب من عبد الصنم، والمطلوب نفس الصنم أو عبادتها.

وهذا أقرب؛ لأن كون الصنم طالبًا ليس حقيقة، بل هو على سبيل التقدير، أما هاهنا فعلى سبيل التحقيق، لكن المجاز فيه حاصل؛ لأن الوثن لا يصح أن يكون ضعيفًا؛ لأن الضعف لا يجوز إلا على من يصح أن يقوى.

وهاهنا وجه ثالث: وهو أن يكون معنى قوله: (ضعف) لا من حيث القوة، ولكن لظهور قبح هذا المذهب، كما يقال للمرء عند المناظرة: ما أضعف هذا المذهب، وما أضعف هذا الوجه.

وقوله تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الحج:74] .

أي: ما عظموه حق تعظيمه، حيث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شريكة له في المعبودية، وهو قوي لا يتعذر عليه فعل شيء وعزيز لا يقدر أحد على مغالبته، فأي حاجة إلى القول بالشريك 20.

وفي هذه الآية: يخبر الله تعالى أن العبادة إنما تكون للواحد الأحد الخالق المصور وليست للمخلوق، الذي يعجز عن خلق ذبابة، وإن أخذ منه الذباب شيئًا لم يقدر أن ينتصر منه، وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه واستقذاره وكثرته، وسمّي ذبابًا؛ لأنه يذبّ احتقارًا واستقذارًا، والذباب أنواع كثيرة، منه الذباب المعروف، ومنه ذباب الفاكهة، ومنه الزنابير وغيرها، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يكونون آلهة معبودين وأربابًا مطاعين؟!

وهذا من أقوى الحج وأوضح البراهين والأدلة القاطعة التي تثبت بطلان الوثنية، وتقيم الدليل على الوحدانية، فإن الأوثان ومن يتبعونها ولو تضافرت كل القوى معها لا يمكن أن يخلقوا ذبابًا، وفيها إبطال كل أنواع الشرك من الأصنام والقبور والأولياء وغير ذلك من أنواع الشرك 21.

ثالثًا: النحل:

النحل: اسم جنس جمعي، واحده نحلة، وهو ذباب له جرم بقدر ضعفي جرم الذباب المتعارف، وأربعة أجنحة، ولون بطنه أسمر إلى الحمرة، وفي خرطومه شوكة دقيقة كالشوكة التي في ثمرة التين البربري (المسمى بالهندي) مختفية تحت خرطومه يلسع بها ما يخافه من الحيوان، فتسم الموضع سمًّا غير قوي، ولكن الذبابة إذا انفصلت شوكتها تموت، وهو ثلاثة أصناف: ذكر وأنثى وخنثى، فالذكور هي التي تحرس بيوتها، ولذلك تكون محومة بالطيران والدوي أمام البيت، وهي تلقح الإناث لقاحًا به تلد الإناث إناثًا، والإناث هي المسماة اليعاسيب، وهي أضخم جرمًا من الذكور، ولا تكون التي تلد في البيوت إلا أنثى واحدة، وهي قد تلد بدون لقاح ذكر، ولكنها في هذه الحالة لا تلد إلا ذكورًا، فليس في أفراخها فائدة لإنتاج الوالدات، وأما الخنثى فهي التي تفرز العسل، وهي العواسل، وهي أصغر جرمًا من الذكور، وهي معظم سكان بيت النحل 22.

ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى أوحى إلى النحل، قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) } [النحل:68 - 69] .

لما بين سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن من آياته العظيمة الدالة على قدرته وعظمته ووحدانيته إخراج الألبان من النعم، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب، بين في هذه الآية أن من آياته الباهرة والدلائل القاطعة الدالة على قدرته وحكمته وخلقه هي إخراج العسل من النحل، فعطف عبرة على عبرة ومنة على منة، وغير أسلوب الاعتبار لما في هذه العبرة من تنبيه على عظيم حكمة الله تعالى، إذ أودع في خلقة الحشرة الضعيفة هذه الصنعة العظيمة وجعل فيها هذه المنفعة، كما أودع في الأنعام ألبانها وأودع في ثمرات النخيل والأعناب شرابًا، وكان ما في بطون النحل وسطًا بين ما في بطون الأنعام وما في قلب الثمار، فإن النحل يمتص ما في الثمرات والأنوار من المواد السكرية العسلية ثم يخرجه عسلًا كما يخرج اللبن من خلاصة المرعى، وفيه عبرة أخرى وهي أن أودع الله في ذبابة النحل إدراكًا لصنع محكم مضبوط منتج شرابًا نافعًا لا يحتاج إلى حلب الحالب، وافتتحت الآية بفعل أوحى، وذلك لما في أوحى من الإيماء إلى إلهام تلك الحشرة الضعيفة تدبيرًا عجيبًا وعملًا متقنًا وهندسة في الجبلة، فكان ذلك الإلهام في ذاته دليلًا على عظيم حكمة الله تعالى؛ فضلًا على ما بعده من دلالة على قدرة الله تعالى ومنة منه.

والوحي: الكلام الخفي والإشارة الدالة على معنى كلامي، ومنه سمي ما يلقيه الملك إلى الرسول وحيًا لأنه خفي عن أسماع الناس، وأطلق الوحي هنا على التكوين الخفي الذي أودعه الله في طبيعة النحل، بحيث تنساق إلى عمل منظم مرتب بعضه على بعض لا يختلف فيه آحادها تشبيهًا للإلهام بكلام خفي يتضمن ذلك الترتيب الشبيه بعمل المتعلم بتعليم المعلم، أو المؤتمر بإرشاد الآمر، الذي تلقاه سرًّا، فإطلاق الوحي استعارة تمثيلية.

ثم فسر سبحانه ما أوحى به إليها بقوله تعالى: {أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل:68] .

أي: اجعلي لك بيوتًا تأوين إليها في أحسن البقاع في الجبال، أو في الشجر أو فيما يعرش الناس ويبنون من البيوت والسقف والكروم ونحوها.

وأشير إلى أنها تتخذ البيوت في أحسن البقاع وذلك لشرفها بما تحتويه من المنافع، وبما تشتمل عليه من دقائق الصنعة، واتخاذ البيوت هو أول مراتب الصنع الدقيق الذي أودعه الله في طبائع النحل، فإنها تبني بيوتًا بنظام دقيق، ثم تقسم أجزاءها أقسامًا متساوية بأشكال مسدسة الأضلاع بحيث لا يتخلل بينها فراغ تنساب منه الحشرات، لأن خصائص الأشكال المسدسة إذا ضم بعضها إلى بعض أن تتصل فتصير كقطعة واحدة، وما عداها من الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم تتصل وحصلت بينها فرج، ثم تغشي على سطوح المسدسات بمادة الشمع، وهو مادة دهنية متميعة أقرب إلى الجمود، تتكون في كيس دقيق جدًّا تحت حلقة بطن النحلة العاملة فترفعه النحلة بأرجلها إلى فمها وتمضغه وتضع بعضه لصق بعض لبناء المسدس المسمى بالشهد لتمنع تسرب العسل منها، ولما كانت بيوت النحل معروفة للمخاطبين اكتفي في الاعتبار بها بالتنبيه عليها والتذكير بها، وقوله سبحانه: {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل:68] .

أي: ما يجعلونه عروشًا، جمع عرش، وهو مجلس مرتفع على الأرض في الحائط أو الحقل يتخذ من أعواد ويسقف أعلاه بورق ونحوه ليكون له ظل فيجلس فيه صاحبه مشرفًا على ما حوله، وقوله تعالى: {ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [النحل:69] .

ثم كلي أيتها النحل من كل ثمرة تشتهيها، حلوة أو مزّة أو بين ذلك، وقوله جلّ وعلا: {فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} [النحل:69] .

فاسلكي الطرق التي ألهمك الله أن تسلكيها، وتدخلي فيها لطلب الثمار، ولا تعسر عليك وإن توعّرت، ولا تضلّي عن العودة منها وإن بعدت، وعطفت جملة فاسلكي بفاء التفريع للإشارة إلى أن الله أودع في طبع النحل عند الرعي التنقل من زهرة إلى زهرة ومن روضة إلى روضة، وإذا لم تجد زهرة أبعدت الانتجاع ثم إذا شبعت قصدت المبادرة بالطيران عقب الشبع لترجع إلى بيوتها فتقذف من بطونها العسل الذي يفضل عن قوتها، فذلك السلوك مفرع على طبيعة أكلها.

ثم أخبر الله تعالى الناس بفوائدها؛ لأن النعمة لأجلهم، فقال تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} [النحل:69] .

أي: يخرج من بطونها عسل مختلف الألوان، فتارة يكون أبيض وأخرى أصفر، وحينًا أحمر بحسب اختلاف المرعى.

وجيء بالفعل المضارع للدلالة على تجدد الخروج وتكرره، وعبر عن العسل باسم الشراب دون العسل لما يومئ إليه اسم الجنس من معنى الانتفاع به وهو محل المنة، وليرتب عليه جملة فيه شفاء للناس، وسمي شرابًا؛ لأنه مائع يشرب شربًا ولا يمضغ.

وقوله جلّ جلاله: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل:69] ؛ لأنه نافع لكثير من الأمراض، وكثيرًا ما يدخل في تركيب العقاقير والأدوية، وتنكيره إمّا لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل.

وقوله جلّ شأنه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:69] .

أي: إن في إخراج الله من بطون النحل الشراب المختلف الألوان الذي فيه شفاء للناس؛ لدلالة واضحة على أن من سخر النحل، وهداها لأكل الثمرات التي تأكلها، واتخاذها البيوت في الجبال والشجر والعروش، وأخرج من بطونها ما أخرج مما فيه شفاء للناس، هو الواحد القهار الذي ليس كمثله شيء، وأنه لا ينبغي أن يكون له شريك، ولا تصح الألوهة إلا له 23.

وفي هذه الآية: تجد قدرة الله تعالى وحكمته وحسن تدبيره لأحوال العالم العلوي والسفلي، فكأنه تعالى لما خاطب النحل بما سبق ذكره خاطب الإنسان وقال: إنا ألهمنا هذا النحل لهذه العجائب، لأجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه.

رابعًا: الفراش:

الفراش: فرخ الجراد حين يخرج من بيضه من الأرض يركب بعضه بعضًا، وقد يطلق الفراش على ما يطير من الحشرات ويتساقط على النار ليلًا، وسمي فراشًا لتفرشه وانتشاره 24.

شبه القرآن الكريم الناس في وقت البعث بالفراش المبثوث؛ لأنهم إذا بعثوا يموج بعضهم في بعض، فقال تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) } [القارعة:4] .

بينت الآية شدة الأهوال يوم القيامة، وأن الناس من هول ذلك اليوم يكونون منتشرين حيارى هائمين على وجوههم لا يدرون ماذا يفعلون، ولا ماذا يراد بهم كالفراش الذي يتجه إلى غير جهة واحدة، بل تذهب كل فراشة إلى جهة غير ما تذهب إليها الأخرى، وشبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة، والتطاير إلى الداعي من كل جانب، كما يتطاير الفراش إلى النار، وجاء تشبيههم في آية أخرى بالجراد المنتشر في كثرتهم وتتابعهم، فقال تعالى: {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} [القمر:7] .

فأول حالهم كالفراش لا وجه له، يتحير في كل وجه، ثم يكونون كالجراد، لأن لها وجهًا تقصده، ويقال: شبههم بالفراش؛ لأنهم يلقون أنفسهم في النار كما يلقي الفراش نفسه في النار، في كثرتهم وذلتهم وانتشارهم، فقال: كالفراش، لأنهم يكونون في ذلك اليوم أذل من الفراش؛ لأن الفراش لا يعذب وهؤلاء يعذبون، ونظيره قوله تعالى: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179] .

وفي أمثالهم: أضعف من فراشة وأذل وأجهل، أما وجه التشبيه بالفراش، فلأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة، بل كل واحدة منها تذهب إلى غير جهة الأخرى، يدل هذا على أنهم إذا بعثوا فزعوا، واختلفوا في المقاصد على جهات مختلفة غير معلومة، والمبثوث المفرق، يقال: بثه إذا فرقه، وأما وجه التشبيه بالجراد فهو في الكثرة، قال الفراء: كغوغاء «الجراد يركب بعضه بعضًا» ، وبالجملة فالله سبحانه وتعالى شبه الناس في وقت البعث بالجراد المنتشر، وبالفراش المبثوث؛ لأنهم لما بعثوا يموج بعضهم في بعض كالجراد والفراش، ويؤكد ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) } [النبأ:18] .

وقوله في قصة يأجوج ومأجوج: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} [الكهف:99] 25.

وجاء من حديث جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي) 26.

قال الغزالي: «ولعلك تظنّ أنّ ذلك لنقصانها وجهلها، فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها، بل صورة الآدمي في الإكباب على الشهوات الدنيا صورة الفراش في التهافت على النار؛ إذ تلوح للآدمي أنوار الشهوات من حيث ظاهر صورتها ولا يدري أن تحتها السم الناقع القاتل، فلا يزال يرمي نفسه عليها إلى أن ينغمس فيها ويتقيد بها ويهلك هلاكًا مؤبدًا، فليت كان جهل الآدمي كجهل الفراش؛ فإنها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلصت في الحال والآدمي يبقى في النار أبد الآباد أو مدة مديدة؛ ولذلك كان ينادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: «إني ممسك بحجزكم عن النار وأنتم تتهافتون فيها تهافت الفراش» 27، فهذه لمحة عجيبة من عجائب صنع الله تعالى في أصغر الحيوانات، وفيها من العجائب ما لو اجتمع الأولون والآخرون على الإحاطة بكنهه عجزوا عن حقيقته ولم يطلعوا على أمور جلية من ظاهر صورته، فأما خفايا معاني ذلك فلا يطلع عليها إلا الله تعالى» 28.

قال فاضل السامرائي: «إنه لما ذكر القارعة في أول السورة، والقارعة من القرع، وهو الضرب بالعصا، ناسب ذلك ذكر النفش؛ لأن من طرائق نفش الصوف أن يقرع بالمقرعة، كما ناسب ذلك من ناحية أخرى وهي أن الجبال تهشّم بالمقراع (وهو من القرع) وهو فأسٌ عظيم تحطّم به الحجارة، فناسب ذلك ذكر النفش أيضًا، فلفظ القارعة أنسب شيء لهذا التعبير، كما ناسب ذكر القارعة ذكر (الفراش المبثوث) في قوله تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) } [القارعة:4] .

أيضًا؛ لأنك إذا قرعت طار الفراش وانتشر، ولم يحسن ذكر (الفراش) وحده كما لم يحسن ذكر (العهن) وحده» 29.

خامسًا: البعوض:

البعوضة: واحدة البعوض وهي حشرة صغيرة طائرة ذات خرطوم دقيق تحوم على الإنسان لتمتص بخرطومها من دمه غذاءً لها 30.

لما ضرب الله تعالى المثل بالعنكبوت في سورة العنكبوت، وبالذباب في سورة الحج، قالت اليهود: ما هذه الأمثال التي لا تليق بالله عز وجل؟! 31، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) } [البقرة:26] .

إن الآيات السابقة اشتملت على تحدي البلغاء بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، فلما عجزوا عن معارضة النظم سلكوا في المعارضة طريقة الطعن في المعاني فلبسوا على الناس بأن في القرآن من سخيف المعنى ما ينزه عنه كلام الله؛ ليصلوا بذلك إلى إبطال أن يكون القرآن من عند الله بإلقاء الشك في نفوس المؤمنين، وبذر الخصيب في تنفير المشركين والمنافقين.

فَبَيَّنَ الله تعالى في هذه الآية أنه {لَا يَسْتَحْيِي} ، أي: لا يمتنع من ضرب المثل وبيان الحق بذكر البعوضة وبما فوقها، ويقال: لا يمنعه الحياء أن يضرب المثل ويبيّن ويصف للحق شبهًا {مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} يعني: بالكبر كالذباب والعنكبوت.

وقال بعضهم: {فَمَا فَوْقَهَا} أي: بما دونها في الصغر، أي: يضرب المثل بالبعوضة وبما دونها، ففوق في مثله يستعمل في معنى التغلب والزيادة في صفة، سواء كانت من المحامد أو من المذام.

يقال: فلان خسيس وفوق الخسيس وفلان شجاع وفوق الشجاع، وتقول: أعطي فلان فوق حقه، أي: زائدًا على حقه، وهو في هذه الآية صالح للمعنيين، أي: ما هو أشد من البعوضة في الحقارة وما هو أكبر حجمًا.

ثم ذكر تعالى أن الناس في ذلك فريقان: فالذين آمنوا يعلمون أنه الحق من ربهم، ذلك أن إيمانهم بالله يجعلهم يتلقون كل ما يصدر عنه بما يليق بجلاله وبما يعرفون من حكمته، وقد وهبهم الإيمان نورًا في قلوبهم، وحساسية في أرواحهم، وتفتحًا في مداركهم، واتصالًا بالحكمة الإلهية في كل أمر وفي كل قول يجيئهم من عند الله، {مَثَلًا} [البقرة:26] .

وهو سؤال المحجوب عن نور الله وحكمته، المقطوع الصلة بسنة الله وتدبيره، ثم هو سؤال من لا يرجو الله، فيجعلونه شبهة على الإنكار والريب، ثم أخبر تعالى عن حكمته وعدله في ضرب تلك الأمثال وهي إضلال من شاء وهداية من شاء، وأنه إنما يضل به الفاسقين، فكانت أعمالهم هذه القبيحة التي ارتكبوها سببًا لأن أضلهم وأعماهم عن الهدى، فكيف يمتنع من ضرب المثل بالبعوضة، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يخلقوا بعوضة لا يقدرون عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت