فهرس الكتاب

الصفحة 846 من 2431

وقال تعالى في شأن المنافقين: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} [التوبة:67] .

فالمنافقون والمنافقات من طينة واحدة، وطبيعة واحدة، المنافقون في كل زمان، وفي كل مكان، تختلف أفعالهم وأقوالهم؛ ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين واحد، سوء الطوية، ولؤم السريرة، والغمز والدس، والضعف عن المواجهة، والجبن عن المصارحة، تلك سماتهم الأصيلة، أما سلوكهم فهو الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، والبخل بالمال إلا أن يبذلوه رئاء الناس، وهم حين يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف، يستخفون بهما، ويفعلون ذلك دسًا وهمسًا وغمزًا ولمزًا 69.

فقوله: {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} يعني: في الاجتماع على الضلال، كما قال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة:71] أي: في الاجتماع على الهدى 70.

قال البغوي: «قوله تعالى: {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} أي: هم على دين واحد، وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق» 71.

فالمنافقون والمنافقات وصفهم الله بقوله: {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} أي: أنهم كلهم متشابهون وسلوكهم مبني على التقليد والاتباع، فهم يقلدون بعضهم بعضًا، وبما أنهم قد أقاموا عقيدتهم على الشر فكلهم شر، ولا يوجد بينهم من ينصحهم بالخير، أو يحاول رَدَهم عن النفاق، بل هم يمضون في تيار الشر إلى آخر مدى.

ولما كان مرضهم واحدًا، وهو الكفر الباطني كان سلوكهم متشابهًا، قال الإيجي في تفسير هذه الآية: أي: هم على دين وطريق واحد، وبعضهم مشابه ومقارب من بعض، كأبعاض الشيء الواحد 72.

والحاصل: أن المنافقين يربط بينهم عامل مشترك، وهو أن بعضهم يشبه بعضًا في الشك والنفاق والارتياب، ولكن لا صلة بينهم ولا تآلف؛ إذ الولاية والصلة والأخوة هي من صفات المؤمنين أصحاب العقائد الراسخة.

فإن قيل: لمَ قال تعالى في وصف المنافقين: {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} وقال في وصف المؤمنين: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ما الحكمة في ذلك؟

أجيب: بأنه لما كان نفاق الأتباع حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر لسبب مقتضى الهوى والطبيعة والعادة، قال فيهم: {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} ولما كانت الموافقة الخالصة بين المؤمنين بتوفيق الله تعالى وهدايته لا بمقتضى الطبيعة، وهوى النفس، وصفهم بأن بعضهم أولياء بعض، فظهر الفرق بين الفريقين، وظهرت الحكمة 73.

والمقصود: أن الكفر صفة مشتركة قد جمعت بين الكافرين، كما أن الشك والنفاق والارتياب صفة مشتركة قد جمعت بين المنافقين، كما أن المؤمنين بعضهم من بعض، أي: بعضهم أولياء بعض في الاجتماع على الهدى.

ومما يجمع الناس العاقبة المشتركة، سواء كانت خيرًا أو شرًا، وقد أخبر الله تعالى أن المجرمين تجمعهم عاقبة واحدة، وهي أنهم جميعًا في العذاب، التابع والمتبوع.

قال تعالى: {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) } [الزخرف:39] .

وقال تعالى: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) } [الصافات:33] .

فذكر العذاب الذي سيحل بهم جميعًا رؤساء ومرؤوسين، فقال: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي: إن الفريقين المتسائلين حينئذٍ مشتركون في العذاب لا محالة، كما اشتركوا في الضلال والغواية.

فَحُقَ لهؤلاء أن يجتمعوا ويشتركوا هم وقرناؤهم في العذاب، كما كانوا مشتركين ومجتمعين في سببه، وهو الكفر والمعاصي، فقد اجتمعوا واشتركوا؛ ولكنه بئس الاجتماع والاشتراك.

ولا يخفف هذا الاجتماع والاشتراك عنهم شيئًا من العذاب؛ لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب 74.

فكأن الله تعالى منعهم التأسي بما يُسَهِل على الإنسان المصيبة والعقوبة، فإنه إذا كان في مصيبة فرأى غيره في مثلها سهل عليه، كما قالت الخنساء في أخيها صخر 75:

وَلَوْلا كَثْرة البَاكِين حَوْلي

على إِخْوانِهم لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وَمَا يَبْكُون مثلَ أخِي ولكِنْ

أُسلِي النَفْس عَنهُ بالتَأسِي

ففي هذا حرمان التأسي، وهي نعمة يسلبها الله أهل النار؛ ليكون أشد لعذابهم، فإن التأسي قد يخفف كثيرًا عن المتأسي من حزنه 76.

وقد بين الله تعالى لا يفيد التخفيف، كما كان يفيده في الدنيا، والسبب فيه وجوه:

الأول: أن ذلك العذاب شديد، فاشتغال كل واحد بنفسهأن حصول الشركة في هذا العذاب يذهله عن حال الآخر، فلا جرم أن الشركة لا تفيد الخفة.

الثاني: أن قومًا إذا اشتركوا في العذاب أعان كل واحد منهم صاحبه بما قدر عليه، فيحصل بسببه بعض التخفيف، وهذا المعنى متعذر في القيامة.

الثالث: أن جلوس الإنسان مع قرينه يفيده أنواعًا كثيرة من السلوة، فبين تعالى أن الشيطان وإن كان قرينًا إلا أن مجالسته في القيامة لا توجب السلوة، وخفة العقوبة 77.

بل إن الإنسان إذا قرن في العذاب بمن كان سبب عذابه كان أشد في ألمه وحسرته؛ ولهذا المعنى يقرن الكفار بشياطينهم التي أضلتهم.

قال معمر عن سعيد الجريري: بلغنا أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبر شفع بشيطانه فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار، فذاك حين يقول: {يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [الزخرف:38] .

وقد أخبر الله تعالى عن حنق الكفار على من أضلهم بقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29) } [فصلت:29] .

فإذا قرن أحدهم بمن أضله في العذاب كان أشد لعذابه، فإن المكان المتسع يضيق على المتباغضين باقترانهما في المكان الضيق، وأخبر الله تعالى عن اختصام الكفار مع من كان معهم من الشياطين، ومن عبدوه من دون الله تعالى 78.

ومع اشتراكهم في العذاب إلا أن للمتبوعين عذابًا زائدًا للإغواء، ولكن الزيادة لا تنافي الاشتراك في أصل الشيء كما دلت عليه أدلة أخرى؛ لأن المقصود هنا بيان عدم إجداء معذرة كلا الفريقين وتنصله.

قال السعدي: «ولكنه من المعلوم أن عذاب الرؤساء وأئمة الضلال أبلغ وأشنع من عذاب الأتباع، كما أن نعيم أئمة الهدى ورؤسائه أعظم من ثواب الأتباع، قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) } [النحل:88] .

فهذه الآيات ونحوها دلت على أن سائر أنواع المكذبين بآيات الله مخلدون في العذاب، مشتركون فيه، وفي أصله، وإن كانوا متفاوتين في مقداره بحسب أعمالهم وعنادهم وظلمهم وافترائهم، وأن مودتهم التي كانت بينهم في الدنيا تنقلب يوم القيامة عداوة وملاعنة» 79.

والمقصود: أن المجرمين اجتمعوا على هذه العاقبة السيئة، وهي الاشتراك في العذاب، كما اشتركوا في سببه في الدنيا، ولكن لن ينفعهم اشتراكهم في العذاب كما ينفع الواقعين في شدائد الدنيا اشتراكُهم فيها؛ لتعاونِهم في تحملِ أعبائِها، وتقسمِهم لعنائِها؛ لأنَ لكل منهم ما لا تبلغُه طاقتُه كما قيلَ؛ لأنَ الانتفاعَ بذلكَ الوجهِ ليسَ مما يخطرُ ببالِهم.

بل إن في هذا الاجتماع تعذيب وحسرة، فمن قذفه عصيانه لله ولرسوله في النار، فإن له من العذاب ما يمنعه عن الأنس بغيره، فهو وحيد لا يجد لذة في الاجتماع بغيره ولا أنسًا، فلما كان لا يتمتع بمنفعة من منافع الاجتماع كان كأنه وحيد.

فالعذاب إذن كامل، لا تخففه الشركة، ولا يتقاسمه الشركاء فيهون! ولهذا تقع الملاحاة بين الأتباع والمتبوعين، ويتبرأ المتبوعون من الأتباع، وتتقطع بينهم أسباب التقارب والتواصل، ويترامون بالعداوة والبغضاء! والأتباع والمتبوعون هنا: هم جميعًا من أهل الضلال، أما الأتباع فهم العامة، وأما المتبوعون فهم العلماء وأصحاب القيادة الدينية فيهم؛ إذ هم الذين زينوا للعامة هذا الضلال، وهم الذين حرفوا لهم الكلم عن مواضعه، فأهلكوهم وهلكوا معهم جميعًا.

فالمشهد هنا بين الأتباع والمتبوعين قائم على شفير جهنم التي يساق إليها الأتباع والمتبوعون معًا؛ ولما كان هؤلاء المتبوعون هم الذين زينوا لأتباعهم هذا الضلال الذي أوردهم موارد الهلاك، فقد وقع في أنفسهم حين رأوا العذاب الذي ينتظرهم أن أتباعهم سوف يتعلقون بهم، ويسوقونهم للقصاص منهم، بتهمة التحريض والغواية لهم، عندئذٍ بادر هؤلاء المتبرعون، وتبرؤوا من أتباعهم، ونفضوا أيديهم من كل صلة بهم!

وحين يجد الأتباع أنهم وقادتهم حصب جهنم، كما يقول الله تعالى: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} يتضاعف حزنهم، وتشتد حسرتهم، ويقطع اليأس نياط قلوبهم، حين لم ينالوا منالًا من هؤلاء الذين غرروا بهم، وأوردوهم هذا المورد الوبيل!

وإذ ذاك تنطلق ألسنتهم بكلمات تتميز غيظًا ويأسًا: {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} [البقرة:167] .

فهم إنما يتمتمون -في يأس مغلق- أن يردوا هم ورؤساؤهم إلى هذه الدنيا ليراجعوا حسابهم معهم، على ضوء ما تكشف لهم في هذا الموقف؛ وليصموا آذانهم عن كل دعوة باطلة يدعونهم إليها، أما تبرؤهم منهم في الآخرة فإنه لا يجدى نفعًا، فقد دعوا إلى الضلال وأجابوا.

{وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} الخطاب هنا للفريقين، التابعين والمتبوعين، إنه لن ينفعهم اشتراكهم جميعًا في العذاب، ولن يشفى ما بصدور الضالين من نقمة وحنق على من كانوا سببًا في إغوائهم وإضلالهم، أن يلقى هؤلاء المغوون ما يلقون من عذاب وبلاء 80.

ومن العوامل المشتركة التي تجمع بين الناس: الاشتراك في صفة واحدة أو أكثر، سواء أكانت حسنة أم سيئة.

قال تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور:3] .

يعني: الغالب أن المائل إلى الزنا والتقحب لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في نكاح فاسقة من شكله، أو مشركة، والمسافحة لا يرغب في نكاحها الصلحاء، وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها فاسق مثلها، أو مشرك، فإن المشاكلة سبب الائتلاف والاجتماع، كما أن المخالفة سبب الوحشة والافتراق.

وقدم الزاني في هذه الآية لأن الرجل أصل في النكاح من حيث أنه هو الطالب، ومنه تبدأ الخطبة؛ ولأن الآية نزلت في فقراء المهاجرين الذين رغبوا في نكاح موسرات كانت بالمدينة من بقايا المشركين لينفقن عليهم من أكسابهن على عادة الجاهلية، فاستأذنوا رسول الله في ذلك فنفر عنه ببيان أنه من أفعال الزناة، وخصائص المشركين، كأنه قيل: الزاني لا يرغب إلا في نكاح إحداهما، والزانية لا يرغب في نكاحها إلا أحدهما، فلا تحوموا حوله، كيلا تنتظموا في سلكهما، أو تتسموا بسمتهما 81.

فالآية تفيد نفور طبع المؤمن من نكاح الزانية، ونفور طبع المؤمنة من نكاح الزاني، واستبعاد وقوع هذا الرباط بلفظ التحريم الدال على شدة الاستبعاد: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} وبذلك تقطع الوشائج التي تربط هذا الصنف المدنس من الناس بالجماعة المسلمة الطاهرة النظيفة 82.

والحاصل: أن الزاني لا يطأ إلا زانية، أي: لا يتهيأ له الحصول على من يشاركه هذا الإثم إلا امرأة فاسدة فاسقة مثله، فهو فاسد فاسق، لا يستجيب له إلا فاسدة فاسقة، أو مشركة لا تؤمن بالله، ولا تخشى حسابًا أو جزاء، فهي لهذا مستخفة بكل معنى من معاني الخلق والفضيلة؛ إذ لا ترجو بعثًا، ولا تطمع في ثواب، ولا تخشى من عقاب، وكذلك الشأن في الزانية، إنها لا تدعو إليها إلا فاسدًا فاسقًا، يستجيب لها، ويواقع المنكر معها، أو مشركًا لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر، وفي هذا تغليظ لهذا الجرم، واستخفاف بأهله، وأنهم أهل سوء، يجتمع بعضهم إلى بعض، فليس فيهما صالح وفاسد، وإنما هما كائنان فاسدان، ينجذب بعضهما إلى بعض، كما ينجذب الذباب إلى القذر والعفن.

فالآية الكريمة تحكي بأسلوب بديع ما تقتضيه طبيعة الناس في التآلف والتزاوج، وتبين أن المشاكلة في الطباع علة للتلاقي، وأن التنافر في الطباع علة للاختلاف.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) 83 84.

ومن الأدلة على أن من أسباب الاجتماع التناسب والتجانس في بعض الصفات: قوله تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور:26] .

{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} أي: إن الخبيثات لا يرغب فيهن إلا الخبيثون، والآية مبنية على الآية السابقة: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} لأن الخبيثات والخبيثين هم الزواني {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} وهم العفائف؛ فلا يجوز أن يتزوج عفيف إلا عفيفة مثله، ولا أن تتزوج عفيفة إلا عفيفًا مثلها، وهذه هي سنة النفوس الفاضلة، والخلق الكامل، هذا ولم تخرج أوامره تعالى وإرشاداته لخلقه عن أسمى الأخلاق التي تصبو إليها الإنسانية، وتنتظم بها الأسر، فلا يختلط الخبيث بالطيب، ولا يدنس العفيف نفسه بمخالطة البغي، ولا تنزل العفيفة إلى درك الزاني الفاجر {أُولَئِكَ} الطيبون والطيبات {مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} أي: مما يقوله فيهم الخبيثون والخبيثات، الوالغون في الأعراض، الطاعنون في الكرامات 85.

وقال تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) } [الأنفال:37] أي: ويجعل الله الخبيث بعضه منضمًا متراكبًا على بعض، بحسب سنته تعالى في اجتماع المتشاكلات، واختلاف المتناكرات 86.

فقوله: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ} أي: الفريق الكافر {مِنَ الطَّيِّبِ} أي: من الفريق المؤمن {وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا} أي: يجمعه متراكمًا بعضه على بعض 87.

فيجمع الله الخبيث على الخبيث فيلقي به في جهنم، وتلك غاية الخسران، والتعبير القرآني يجسم الخبيث حتى لكأنه جِرم ذو حجم، وكأنما هو كومة من الأقذار، يقذف بها في النار، دون اهتمام ولا اعتبار {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} وهذا التجسيم يمنح المدلول وقعًا أعمق في الحس، وتلك طريقة القرآن الكريم في التعبير والتأثير 88.

فيجمع الله بين من كانوا يجتمعون في هذه الدنيا على الباطل، ويستحبون الاجتماع معهم أن يجمعوا في عذاب الآخرة، على ما كانوا يستحبون الاجتماع في الملاهي والطرب في هذه الدنيا ويجتمعون على ذلك؛ فيجمع بين أولئك وبين قرنائهم في جهنم، ويقرن بعضهم إلى بعض في العذاب، كما قال تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} أي: من مات منهم على الكفر {إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال:36] أي: يجمعون، وعلة هذا الجمع أن يميز الله تعالى الخبيث من الطيب، فالطيبون وهم المؤمنون الصالحون يعبرون الصراط إلى الجنة دار النعيم، وأما الخبيث وهم فريق المشركين فيجعل بعضه إلى بعض فيركمه جميعًا كومًا واحدًا، فيجعله في جهنم.

ليس كل اجتماع محمودًا شرعًا، ولا كل فُرقة منهي عنها شرعًا، فهناك اجتماع محمود، واجتماع مذموم، وهناك فُرقة محمودة، وفرقة مذمومة.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «الاجتماع بالإخوان قسمان، أحدهما: على مؤانسة الطبع، وشغل الوقت، فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب، ويضيع الوقت، الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة، والتواصي بالحق والصبر؛ فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها» 89.

وقد ذكر العلماء أن الاجتماع على ضربين: اجتماع أجسام، واجتماع معانٍ، وهي الأخلاق والأهواء، وجعل افتراق الأهواء كافتراق الأجسام 90، وهذه تنقسم إلى ما هو محمود، وما هو مذموم.

وقد سميت سورة من القرآن باسم سورة (الزُمر) ، أي: الجماعات، وفيها ذُكر الاجتماع بنوعيه المحمود والمذموم، وفيها عرض لحال من اجتمعوا في الدنيا على الخير زُمرًا، وحال من اجتمعوا في الدنيا على الشر زُمرًا، وحال الفريقين حين يردون الآخرة.

قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا} [الزمر:71] .

وقال في الفريق الآخر: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) } [الزمر:73] .

و {زُمَرًا} أي: جماعات، والواحد: زمرة، ويقال: تزمر القوم إذا اجتمعوا، وزمرتهم، أي: جمعتهم، وأصله: أن يساق كل فريق على ما أحبوا، وكانوا في الدنيا جماعة جماعة، وأمة أمة، وعلى ما يجتمعون في هذه الدنيا، أهل الخير على أهل الخير، وأهل الشر على أهل الشر، وسروا بالاجتماع في ذلك، لكن أهل الخير يساقون إلى الجنة على ما كانوا يجتمعون في هذه الدنيا مسرورين، وأهل الكفر يساقون إلى النار على ما كانوا يجتمعون في هذه الدنيا على الشر حزنين مغتمين 91.

قال ابن القيم رحمه الله: وتأمل ما في سَوْقِ الفريقين إلى الدارين {زُمَرًا} من فرحة هؤلاء بإخوانهم، وسيرهم معهم كل (زمرة) على حدة، كلُ مشتركين في عمل، متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم، مستبشرين، أقوياء القلوب، كما كانوا في الدنيا وقت اجتماعهم على الخير، كذلك يؤنس بعضهم بعضًا، ويفرح بعضهم ببعض، وكذلك أصحاب الدار الأخرى يساقون إليها {زُمَرًا} يلعن بعضهم بعضًا، ويتأذى بعضهم ببعض، وذلك أبلغ في الخزي والفضيحة والهتيكة من أن يساقوا واحدًا واحدًا، فلا تهمل تدبر قوله: {زُمَرًا} 92.

أولًا: الاجتماع المحمود:

الاجتماع المحمود هو الذي يكون على الحق، والتعاون عليه ونصرته، والاجتماع على الأعمال الصالحة، ويمكن القول: إن الاجتماع المحمود هو كل ما تتحقق به المصالح والواجبات الشرعية، وتندفع به المضار والمفاسد، وقد أمر الله تعالى في القرآن بالاجتماع والائتلاف والاتفاق، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [آل عمران:103] يريد بذلك: تمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله.

والحبل لفظ مشترك، وأصله في اللغة السبب الذي يتوصل به إلى البغية، وهو إما تمثيل أو استعارة، أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام، أو بالقرآن، والمعاني كلها متقاربة متداخلة، وذكر ابن جرير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن حبل الله هو: الجماعة، وذكر بأسانيده أقوالًا أخرى عن السلف في تفسير معنى (حبل الله) منها: القرآن، والإخلاص لله وحده، والإسلام 93، وهذه الأقوال مؤداها واحد، ونتيجتها واحدة، فإن الاعتصام بالقرآن، والإخلاص لله وحده، والتمسك بالإسلام الصحيح الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها مما ينتج عنه تآلف المسلمين، واجتماعهم، وترابطهم، وتماسك مجتمعهم.

قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: «فإن الله تعالى يأمر بالألفة، وينهى عن الفرقة، فإن الفرقة هلكة، والجماعة نجاة» 94.

وزاد الله الأمر تأكيدًا حيث قال: {وَلَا تَفَرَّقُوا} أي: بعد الاجتماع، فالافتراق نقيض الاجتماع، قال الراغب الأصفهاني: قوله: {وَلَا تَفَرَّقُوا} حث على الألفة والاجتماع الذي هو نظام الإيمان، واستقامة أمور العالم 95.

ثم أمرهم بتذكر نعمته عليهم، فقال: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران:103] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت