أولًا: المعنى اللغوي:
من الجذر «و ك ل» وأصلها: اعتمادك على غيرك 1، تقول: وكلته إليك أكله كلةً، أي: فوضته، ورجل وكلٌ ووكلةٌ وهو المواكل يعتمد على غيره فيضيع أمره، وتقول: وكلت بالله، وتوكّلت على الله، ووكلت فلانًا إلى الله، أكله إليه، والوكيل: فعله التّوكّل، والتوكّل إظهار العجز والاعتماد على غيرك، وكذلك يعني «التكلان» الذي انقلبت تاؤه عن واو، ومصدر التوكل الوكالة 2، قال ابن منظور: «يقال: توكّل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلانٍ أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه، ووكّل فلانٌ فلانًا إذا استكفاه أمره؛ ثقةً بكفايته، أو عجزًا عن القيام بأمر نفسه» 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
غلب استخدام مصطلح التوكل في توكل العبد على ربه؛ لذا عرفه العلماء أنه: «الثقة بما عند الله، واليأس عما في أيدي الناس» 4، وقال الرازي: «التوكل هو أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعول بقلبه عليها، بل يعول على عصمة الحق» 5، وأضاف النسفي أن التوكل هو «قطع العلائق وترك التملق للخلائق» 6، وقال ابن عاشور: «هو انفعال قلبي عقلي يتوجه به الفاعل إلى الله؛ راجيًا الإعانة، ومستعيذًا من الخيبة والعوائق» 7.
وقد نخلص من المعاني السابقة إلى أن التوكل على الله هو: ثقة العبد بالله تعالى، وتفويض الأمر إليه، والاعتماد عليه في جلب النفع أو دفع الضر.
والمتأمل في التعريفين اللغوي والاصطلاحي يجد توافقًا واضحًا بينهما، فالتوكل لغةً هو تفويض الأمر والاعتماد على الآخر مع الثقة، والمعنى الاصطلاحي يتضمن تفويض الأمر لله تعالى، والاعتماد عليه وحده في تسيير الأمور؛ ثقةً بقدرته الكاملة عز وجل.
وردت مادة (وكل) في القرآن (70) مرة 8.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 13 ... {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) } [هود:88]
الفعل المضارع ... 18 ... {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) } [النحل:42]
فعل الأمر ... 11 ... {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) } [الأنفال:61]
اسم الفاعل ... 4 ... {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) } [آل عمران:159]
الصفة المشبهة ... 24 ... {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) } [الزمر:62]
والتوكل هو: الاعتماد على الغير وتفويض الأمور له، ولم يخرج في الاستعمال القرآني عن هذا المعنى 9.
الثقة:
الثقة لغة:
الائتمان 10.
الثقة اصطلاحًا:
من يعتمد عليه في القول والفعل 11.
الصلة بين الثقة والتوكل:
يوجد تكامل كبير في المفردتين، فلا يمكن أن يتوكل الإنسان إلا على من يثق به ويأتمنه على القيام بالأمر.
الثقة:
الاعتماد لغة:
اعتمد على الشيء اتكأ، واعتمد عليه في كذا اتكل، ويقال: اعتمد الشّيء: قصده وأمضاه، ويقال: اعتمد الرئيس الأمر: وافق عليه وأمر بإنفاذه 12.
الاعتماد اصطلاحًا:
هو «القصد إلى الشيء والاستناد إليه مع حسن الركون» 13.
الصلة بين الاعتماد والتوكل:
المفردتان متقاربتان؛ لأن في كلتيهما استنادًا إلى المعتمد عليه مع حسن الركون والاطمئنان.
التواكل:
التواكل لغة:
«تواكل القوم: اتكل بعضهم على بعض 14.
التواكل اصطلاحًا:
هو التخاذل وترك العمل بالأسباب، وانتظار الأماني 15.
الصلة بين التواكل والتوكل:
المفردتان متضادتان، فالتوكل هو عمل الجوارح مع توكل القلوب، أما الكسل عن الأخذ بالأسباب مع الادعاء بالتوكل هو حقيقة التواكل.
التفويض:
التفويض لغة:
«فوض إليه الأمر تفويضًا: رده إليه، وجعله الحاكم فيه» 16.
التفويض اصطلاحًا:
هو «ردّ الأمر إلى الله والتبرؤ من الحول والقوة» 17.
الصلة بين التفويض والتوكل:
المفردتان متقاربتان، فالتفويض والتوكل يشتركان في رد الأمور إلى الآخر فيما لا تستطيعه قدرة الشخص.
التوكل من أعظم العبادات المرتبطة بالإيمان؛ لذلك كثر اقترانه بمصطلحي «العبادة» و «الإيمان» ، فالتوكل على الله هو أجمع أنواع العبادة، وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها؛ لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة؛ فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل ما سواه؛ صح إخلاصه ومعاملته مع الله، وكذلك لا يصح إيمان الإنسان إذا فسد توكله، فالتوكل شرط في الإيمان 18، بدلالة قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:23] . أي على الله وحده اعتمدوا وثقوا، فهو وكيلكم الأعلم بما يصلح لكم إن كنتم مؤمنين، وإن لم تكونوا متوكلين فلن ينطبق عليكم سمت المؤمنين 19.
وفي موضع آخر قال جل وعلا: {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) } [يونس:84] .
وهنا يظهر اشتراط التوكل للإسلام، فيجب أن يسلّم الإنسان أموره لله عز وجل خالصة دون تخليط؛ حتى ينال الرضا من الله تعالى 20.
وقد قرن التوكل بالعبادة في أكثر من موضع، منها قول الله تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود:123] .
وقد بيّن الرازي أن أول درجات السير إلى الله تعالى هو عبودية الله، وآخرها التوكل على الله، وأن هذا هو السبب الذي أدّى إلى ترتيب الآية هكذا: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} ، بمعنى أن المخلص في العبادة المؤدي لها بيقين وتأمل وصفاء يصل به التدبر إلى عظم الخالق عز وجل وروعة إبداعه، وأنه لا يملك أمام تلك القدرة المطلقة سوى تفويض أموره كلها والاعتماد عليه تعالى في تسيير شؤون حياته كلها 21.
ولعل ترتيب الآية السابقة يؤكد على مبدأ العبادة والعمل، ومن ثمّ تفويض الأمور لله تعالى، وهذا هو التوكل الصحيح، خلافًا لما يفعله المتواكلون من القعود عن العمل، وترك الأمور بحجة التفويض، وإسناد الأمور للخالق عز وجل، فالله يحب العاملين ولا يحب المتخاذلين.
من أسماء الله تعالى الوكيل، وقد حقّ لجلاله وعزته وحكمته هذا الاسم، فعليه يجب أن يتوكل المؤمنون، وعلى غيره لا يصح التوكل؛ لأن التوكل عبادة قلبية، لا تصرف إلا لله عز وجل 22، وسيأتي بيان معنى اسم الله الوكيل واستحقاقه جل وعلا لهذا الاسم فيما يأتي:
أولًا: الوكيل من أسماء الله الحسنى:
أثبت الله تعالى لنفسه اسم الوكيل، يقول الحق عز وجل: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) } [الزمر:62] .
وقال في موضع آخر: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) } [آل عمران:173] .
والوكيل هو المتكفل باحتياجات عباده، وقيل: الموكول إليه ذلك، فإن عباده وكّلوا إليه مصالحهم اعتمادًا على إحسانه عز وجل 23.
يقول الطوسي: الوكيل «هو الموكول إليه الأمور، ولكن الموكول إليه ينقسم إلى من يوكل إليه بعض الأمور، وذلك ناقص، وإلى من يوكل إليه الكل، وليس ذلك إلا الله سبحانه وتعالى، والموكول إليه ينقسم إلى: من يستحق أن يكون موكولًا إليه لا بذاته ولكن بالتفويض والتوكيل، وهذا ناقص؛ لأنه فقير إلى التفويض والتولية، وإلى من يستحق بذاته أن تكون الأمور موكولة إليه، والقلوب متوكلة عليه لا بتوليةٍ وتفويضٍ من جهة غيره، وذلك هو الوكيل المطلق، والوكيل أيضًا ينقسم إلى: من يفي بما وكّل إليه وفاءً تامًا من غير قصور، وإلى: من لا يفي بالجميع، والوكيل المطلق: هو الذي الأمور موكولة إليه وهو مليٌّ بالقيام بها، وفيٌّ بإتمامها، وذلك هو الله تعالى» 24.
والفرق بين وكالة الله ووكالة العباد، أن الوكيل صفة الله التي تعني المتولي القائم بتدبير خلقه؛ لأنه مالك لهم رحيم بهم، أما توكيل العباد إنما يعقد بالتوكيل، ولا يتضمن الرحمة 25، لذا حريٌّ بنا أن نتوجه إلى الله جل جلاله بالدعاء باسمه الوكيل، وبجميع أسمائه الحسنى، فالله تعالى حقيق بذلك، وقد أمرنا بهذا في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) } [الأعراف:180] .
وعلى الإنسان أن يستحضر لحظة الدعاء عزة الربوبية وذلة العبودية، فبذلك يعظم الدعاء ويحسن الذكر 26.
ثانيًا: استحقاق الله تعالى للتوكل لاتصافه بصفات الكمال:
لله تعالى من الصفات المطلقة ما يجعلنا نسارع إلى عبادته، ونجتهد في التوكل عليه، توقًا إلى رحمته، وحرصًا على استحقاق جنته، فمن أهم ما يجعل المؤمن يتوكل على ربه عز وجل:
1.سعة علمه.
الله عز وجل هو العليم، فقد أثبت العلم المطلق لنفسه تبارك وتعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) } [الأنفال:61] .
وأثبتها له صفوة عباده المؤمنين، فقد وردت على لسان أنبياء الله الكرام، كقول إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) } [البقرة:127] .
وأيضًا أثبت العلم المطلق لله تعالى يعقوب عليه السلام في قوله: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) } [يوسف:83] .
وقال تعالى عن مريم ابنة عمران: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) } [آل عمران:35] .
والعليم يعني: أن الله تعالى يحيط بكل شيء علمًا، ظاهره وباطنه، دقيقه وجليله، أوله وآخره، عاقبته وفاتحته، فمعلوماته تعالى لا نهاية لها، وكذلك وضوحها وكشفها على أتم ما يمكن فيه، بحيث لا يتصور مشاهدة وكشف أظهر منه، ثم لا يكون تعالى مستفيدًا من المعلومات، بل تكون المعلومات مستفادة منه، فهو تعالى الذي يمدّ بالعلم من يشاء 27، وهذا العلم الإلهي يجعلنا نسلّم أمورنا متوكلين على الله تعالى؛ فنحن الجاهلون وهو الأعلم بحالنا وبما يصلح لشؤون ديننا ودنيانا، وهو الراضي عنا بهذا التوكل، وهو كافينا ما أهمّنا.
2.سعة رحمته.
وصف الله عز وجل ذاته المقدسة بالرحمة الواسعة، فقد قال عز وجل: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف:156] .
وقال أيضًا: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) } [البقرة:160] .
وتقررت الصفة مرة أخرى في موضع ليس ببعيد عن الموضع السابق في قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) } [البقرة:163] .
وقد أثبت صفة الرحمة لله تعالى أنبياء الله الكرام، فقد قال تعالى عن موسى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) } [البقرة:54] .
وعن سليمان {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) } [النمل:30] .
وأثبتها لله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) } [الأحقاف:8] .
ورحمة الله تعالى هي تفضله وكرمه على المؤمنين، فقد أوجب تعالى الرحمة على نفسه تفضلًا وإحسانًا، ولم يوجبها عليه أحد 28 في قوله: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:12] .
فهو الممتنّ عليهم بعطائه الجزيل، وهو الذي يتوب على عباده،
يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء العادلين بي الجاحدين نبوتك يا محمد، إن تابوا وأنابوا قبلت توبتهم، وإني قد قضيت في خلقي: أن رحمتي وسعت كل شيء» 29، ونحن نقول: إذا كانت هذه رحمته بالمعرضين عنه، فكيف تكون رحمته بالمقبلين عليه، الساجدين بين يديه، المتوكلين عليه في تسيير أمورهم، وكيف لهم ألا يتوكلوا إذا ما علموا عطفه على عباده ورفقه بهم، ورحمته فيما يقدّر لهم من مقادير!
3.عزته وقوته.
عزاء المؤمن المظلوم والمقهور في هذه الدنيا يقينه أن الله تعالى هو القوي العزيز، الذي لا تضيع عنده الحقوق ولا يفلت من عقابه الظالمون.
قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) } [هود:66] .
وتتجلى قوة الله وعزته في الآية: كونه تعالى قد أوصل العذاب إلى الكفار بصالح عليه السلام، وصان أهل الإيمان عنه، وهذا لا يصحّ إلاّ من القادر الذي يقدر على قهر طبائع الأشياء، فيجعل الشّيء الواحد بالنّسبة إلى إنسان بلاء وعذابًا، وبالنسبة إلى إنسان آخر راحة وريحانًا 30.
وقال تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) } [الشورى:19] .
أي: أن رب العزة ذو لطف بعباده مؤمنهم وكافرهم، فهو الذي يطعمهم ويسقيهم، وحتى في خلوات المعصية يمرّر إليهم الهواء فيحييهم، وهو تعالى على كرمه معهم قادر على أخذهم بقوته التامة؛ فهو الذي لا يعجزه شيء، وهو العزيز في انتقامه إذا أراد الانتقام من أحد 31.
وقد ابتلى الله ابن آدم بالموت؛ ليرى نتيجة عمله، والله هو العزيز المنتقم من الظالمين، القابل توبة التائبين 32: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } [الملك:2] .
والذي يفهم بحق معنى عزة الله وقوته، ويدرك أن الله مقتص من الظالمين، ناصر للطائعين عاجلًا كان أم آجلًا، سيفوّض أموره كلها لله واثقًا متوكلًا موقنًا أنه لن يضيع له حق.
4.حكمته.
من أسماء الله تعالى: الحكيم، فهو سبحانه صاحب الحكمة المطلقة.
يقول عز وجل: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) } [الأنعام:18] .
قال ابن القيم: «الحكمة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي» 33.
وقال الطوسي: «الحكمة: هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم .. ولا يعرف كنه معرفته غيره، فهو الحكيم الحق؛ لأنه يعلم أجلّ الأشياء بأجلّ العلوم، إذ أجلّ العلوم هو العلم الأزلي الدائم الذي لا يتصور زواله، المطابق للمعلوم مطابقةً لا يتطرق إليها خفاءٌ ولا شبهةٌ، ولا يتصف بذلك إلا علم الله سبحانه وتعالى، وقد يقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويحكمها ويتقن صنعتها حكيم، وكمال ذلك أيضًا ليس إلا لله تعالى، فهو الحكيم الحق» 34.
وقد أثبتت آيات القرآن الكريم هذه الصفة لله تعالى، قال جل وعلا على لسان ملائكته الكرام: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) } [البقرة:32] .
وقال على لسان يوسف عليه السلام: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف:100] .
وفي الآية الأخيرة تقرير لحكمة الله العليم، فقد مرت بيوسف عليه السلام ظروف صعبة، ابتداءً من إلقائه في الجب وانتهاءً بسجنه واتهامه ظلمًا، إلا أن نبي الله المعصوم يعلم أن ربه حكيم، يجري كل حدث بمراد دقيق، وبما تقتضيه مصلحة الإنسان 35، فإذا تيقن المرء من وجود الحكمة في تقدير الله تعالى وتدبيره، فسيترك التفكير، ويقطع السعي فيما ليس للبشر قدرة عليه، وسيفوّض أموره كلها لخالقه الحكيم العالم بمراد البشر، المتوكل بمصالحهم.
ثالثًا: نفي الإيمان عن غير المتوكل على الله تعالى:
التوكل على الله واجب وشرط لحصول الإيمان، وانتفاؤه انتفاء للإيمان بمقتضى قول الله تعالى 36: {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) } [يونس:84] .
ولأن التوكل عبادة قلبية، فلا يصح صرفه لغير الله، فهذا من الشرك.
وقد قسّم العلماء التوكل على غير الله إلى قسمين:
الأول: التوكل على غير الله في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؛ كالذين يتوكلون على الأموات، ويطوفون بالقبور استشفاءً أو طلبًا للنصر والرزق، فهذا شرك أكبر.
الثاني: التوكل على غير الله في الأمور التي يقدر عليها العباد؛ كأن يتوكل على وزير أو أمير في فيما جعله الله في يده من سلطة أو وظيفة، في جلب مصلحة أو دفع أذى، فهذا ينافي كمال الإيمان ويضعفه.
والوكالة الجائزة: هي توكيل الإنسان في فعلٍ مقدور عليه، ولكن ليس له أن يتوكل عليه، وإن وكّله، بل يتوكل على الله ويعتمد عليه في تيسير ما وكّل صاحبه فيه 37.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وما رجا أحدٌ مخلوقًا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه فإنه مشرك» 38.
وقد قال رب العزة: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31] .
والمشرك المتوكل على غير الله يوقع الله في قلبه التعلق بالمخلوقين، فيخافهم ويرجوهم فيحصل له رعب، كما قال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) } [آل عمران:151] .
والخالص من الشرك يحصل له الأمن واطمئنان النفس والتعفف عن سؤال الناس 39.
قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) } [الأنعام:82] .
ولعل من أهم قوادح التوكل التي نراها في هذه الأيام اعتماد الإنسان على الرقية بواسطة شخص معين، أو العلاج على يد طبيب بعينه اعتقادًا بقدرته على الشفاء، وهذا الأمر منافٍ للتوكل الصحيح الذي يعتمد على رجاء الله أولًا، ثم عمل ما يلزم بواسطة البشر مع عدم تعليق الأمل على أشخاصهم ثانيًا.
أنبياء الله الكرام هم صفوة خلقه، وقد أبرز القرآن الكريم الأسوة الحسنة من خلال قصصهم مع أقوامهم عليهم السلام، فكانوا خير المؤدّبين لأممهم والمخلّصين لها من أرذال الجاهلية، والمتحلّين بأجمل الخلال، قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:124] .
وقد تحلى أنبياء الله عليهم السلام بالتوكل، وحثوا أقوامهم على ذلك، وسنبين ذلك فيما يأتي:
أولًا: دعوة أقوامهم إلى التوكل على الله تعالى:
دعا أنبياء الله الكرام أقوامهم إلى التوكل؛ لأنه من أجلّ العبادات.