فهرس الكتاب

الصفحة 1782 من 2431

قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ? غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ? بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ? وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ? وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ ? كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ? وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ? وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ?64?) [المائدة: (64) ] .

ذكر الإمام الطبري في تفسيره عن معنى الآية فقال: «عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ? غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) ، قالا: ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا» 21.

يقول سيد قطب «وقد بلغ من غلظ حسهم وجلافة قلوبهم ألا يعبروا عن المعنى الفاسد الكاذب الذي أرادوه وهو البخل بلفظه المباشر، فاختاروا لفظًا أشد وقاحةً وتهجمًا وكفرًا، فقالوا: يد الله مغلولة! ويجيء الرد عليهم بإحقاق هذه الصفة عليهم، ولعنهم وطردهم من رحمة الله جزاء على قولهم: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) وكذلك كانوا، فهم أبخل خلق الله بمال» 22. كما جاء الرد على بهتانهم وكفرهم سريعًا بقوله سبحانه: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) ، فالله سبحانه وتعالى هو الكريم الجواد المنعم الوهاب، ينفق ما يشاء لمن يشاء وكيف يشاء.

كما بين الله سبحانه وتعالى أنه كلما أنزل على رسوله شيئًا من القرآن ازداد هؤلاء المفترون من اليهود طغيانًا وكفرًا، كما عاقبهم الله سبحانه بأن ألقى العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة.

كما تعهد الله تعالى بأنه سيطفئ كل نار للحرب أراد اليهود أن يوقدوها، وختم سبحانه الآية بأن بين طبيعة هؤلاء اليهود التي لا ينفكون عنها، وهي: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) فلذلك الله لا يحبهم؛ لأن الله لا يحب المفسدين.

3.قولهم: عزير ابن الله.

استحق اليهود القتال من الله، وذلك بافترائهم على الله عز وجل الذي لم يلد ولم يولد، فافتروا عليه بأن عزيرًا ابن الله، وعزير هو حبر من أحبار بني إسرائيل أوتي حفظ التوراة وعلمها.

قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ? يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ? قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ? أَنَّى? يُؤْفَكُونَ ?30?) [التوبة: (30) ] .

ذكر الطبري في تفسيره عن سبب نزول الآية: «واختلف أهل التأويل في القائل: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) ، فقال بعضهم: كان ذلك رجلا واحدًا، هو فنحاص، ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) ، قال: قالها رجل واحد، قالوا: إن اسمه فنحاص، وقالوا: هو الذي قال: (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) . وقال آخرون: بل كان ذلك قول جماعة منهم، ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشأس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيرًا ابن الله؟! فأنزل في ذلك من قولهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) ، إلى (أَنَّى? يُؤْفَكُونَ) » 23.

وهناك قول ثالث ذكره الرازي في تفسيره حيث قال: «والقول الثالث: لعل هذا المذهب كان فاشيًا فيهم ثم انقطع، فحكى الله ذلك عنهم، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك، فإن حكاية الله عنهم أصدق» 24.

4.إيمانهم بالجبت والطاغوت.

وهذا كفر بواح، ونفاق كبير، آمنوا بعبادة الأوثان والشيطان من دون الله، وفضلوا المشركين الكافرين على المؤمنين، وهم يعلمون علم اليقين بما آتاهم الله من الكتاب من هم الذين أهدى سبيلًا وطريقًا إلى الله.

قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَ?ؤُلَاءِ أَهْدَى? مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ?51?أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ? وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ?52?) [النساء: (51) - (52) ] .

وعن سبب نزول هذه الآية يذكر الطبري في تفسيره: «عن قتادة قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) الآية، قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ورجلين من اليهود من بني النضير لقيا قريشًا بموسم 25، فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه فإنا أهل السدانة والسقاية، وأهل الحرم؟ فقالا: لا، بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه! وهما يعلمان أنهما كاذبان، إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه» 26.

فهكذا هم اليهود، من شدة كرههم وحقدهم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه آمن اليهود بالجبت والطاغوت وأقروا المشركين على شركهم نكايةً واستكبارًا، فاستحقوا بذلك لعنة الله عليهم وغضبه.

5.عداوتهم لجبريل عليه السلام.

من فرط الحقد الذي يكنه اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم والعداوة التي عادوها له عليه الصلاة والسلام أن عادوا جبريل عليه السلام أيضًا الذي بدوره أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بإذن ربه.

يقول الله تعالى في حق اليهود: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى? قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى? لِلْمُؤْمِنِينَ ?97?مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ?98? [البقرة:(97) - (98) ] .

وهذه الآيات تخص اليهود، فلقد ذكر الطبري في تفسيره: «أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا على أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم» 27، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لذا فمن كان من اليهود أو غير اليهود عدوًا لله أو أحد من ملائكته أو رسله فإن الله عدوٌّ له.

6.إنكارهم لإنزال الكتب والكفر بها.

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: (91) ] .

وهذا تناقض عجيب من اليهود، إذ يقولون أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم من التوراة، ومع أن التوراة تأمرهم بأن يؤمنوا بما سيأتي من بعدهم من الكتب السماوية، إلا أنهم يخالفون هذا الأمر ويكفرون بتلك الكتب، ذكر الطبري معقبًا على الآية: «وإنما قال جل ثناؤه: {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} لأن كتب الله يصدق بعضها بعضًا، ففي الإنجيل والقرآن من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به وبما جاء به مثل الذي من ذلك في توراة موسى عليه السلام» 28.

ولقد جاء الاستفهام الاستنكاري من الله عز وجل، {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} تدعون الإيمان وتدعون أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم من التوراة ومع ذلك تقومون بقتل أنبياء الله الذين أرسلوا إليكم مصدقين لما جاءكم في التوراة وعاملين بتعاليمها!

ثانيًا: انحرافات في الأخلاق والسلوك:

النوع الثاني من الانحرافات بعد تلك الانحرافات العقائدية هي الانحرافات الأخلاقية والسلوكية:

انحرافات اليهود الأخلاقية والسلوكية:

1.حسدهم للمسلمين.

النعمة التي تمنى اليهود زوالها من عند المسلمين هي نعمة الإسلام والهداية، فأكثر اليهود يعلمون علم اليقين أن هذا الدين دين حق، وأن هذا الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، ولكنهم لم يتوقعوا أن يكون من غير ملتهم أو طائفتهم.

قال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ? فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى? يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ? إِنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?109?) [البقرة: (109) ] .

وعن سبب نزول هذه الآية يذكر الإمام الطبري في تفسيره: «عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدًا، إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ) » 29.

2.حرصهم على إضلال المؤمنين.

لقد حرصت طائفة من أهل الكتاب على أن يردوا المسلمين عن دينهم وأن يخرجوهم عن ملة الإسلام، حتى لو كان هذا الخروج فيه شرك بالله، ولا زالت هذه الأمنية باقية إلى عصرنا هذا، فمكايد اليهود ومن دخل بدائرتهم من النصارى ترمي إلى إبعاد المسلمين عن دينهم، وإضلالهم، سواءً بالحملات التنصيرية أو بالإعلام الهابط الذي يبث سمومه وأفكاره الهدامة للفرد والمجتمع.

قال تعالى: (وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [آل عمران: (69) ] .

ولقد أبدع سيد قطب في تعليقه على هذه الآية بقوله: «وهذه الرغبة القائمة على الهوى والحقد والشر ضلال لا شك فيه، فما تنبعث مثل هذه الرغبة الشريرة الآثمة عن خير ولا عن هدى، فهم يوقعون أنفسهم في الضلالة في اللحظة التي يودون فيها إضلال المسلمين، فمن يحب إضلال المهتدين إلا ضال يهيم في الضلال البهيم» 30.

3.كتمانهم لما أنزل الله.

قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ? فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ?187?ٹ) [آل عمران: (187) ] .

توعد الله سبحانه وتعالى العلماء الذين يكتمون ما أنزل الله، ومع أن الآية نزلت في علماء اليهود والنصارى إلا أنها وبمفهومها الشامل تشمل كل عالم «ولو كان مسلمًا» يكتم ما وهبه الله من علم بكتابه.

ويقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى? مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ? أُولَ?ئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ?159?) [البقرة: (159) ] .

وإن من أعظم ما أخفاه وكتمه علماء اليهود والنصارى في كتبهم أمر التبشير برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا فعلٌ شنيع استوجب لعنة الله عليهم ولعنة اللاعنين.

يقول الإمام الطبري: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ) ، علماء اليهود وأحبارها وعلماء النصارى، لكتمانهم الناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم وتركهم اتباعه وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل» 31.

4.أخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل.

قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ?160?وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ? وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ?161?) [النساء: (160) - (161) ] .

في هاتين الآيتين الكريمتين عقابان للذين هادوا، أحدهما في الحياة الدنيا والآخر في الحياة الآخرة، ففي الدنيا شمل العقاب كل الذين هادوا بتحريم طيبات من الطعام كان لهم حلالًا، وفي الآخرة سيكون العقاب للكافرين من الذين هادوا بأن أعد الله لهم عذابًا أليمًا، وما هاذان العقابان إلا لما اقترفوه من آثام وذنوب، فقد ظلموا أنفسهم بنقضهم للعهود والمواثيق مع الله، وظلموا أنبياءهم بالتكذيب والعصيان، كما صدوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله كثيرًا، واستحلوا الربا وهو عليهم محرم، وأكلوا أموال الناس، وتعبير الأكل دليل النهم والطمع المتأصل فيهم، فلقد استباحوا أموال الناس وممتلكاتهم بالباطل والعدوان.

وقال تعالى: (وَتَرَى? كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ? لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?62?لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ? لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ?63?) [المائدة: (62) - (63) ] .

فكثير من أهل الكتاب وليس قليلهم يفعلون ذلك، وهم يسارعون ويتسابقون في الإثم والعدوان وأكل كل مال حرام، سواء بالسرقة أو الرشوة أو الربا، يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي «والمعنى: إن هؤلاء اليهود دأبهم المسارعة إلى اقتراف الآثام وإلى أكل المال الحرام، فهلا ينهاهم علماؤهم عن هذه الأقوال الكاذبة الباطلة، وعن تلك المآكل الخبيثة التي أكلوها عن طريق السحت» 32.

ولقد طال التوبيخ من الله علماء النصارى واليهود؛ لامتناعهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلمهم بأن ما يفعله هؤلاء لا يرضي الله سبحانه وتعالى.

والربا وأكل أموال الناس عقيدة راسخة عند اليهود بالذات، فلقد جاءت تعاليم التلمود بذلك، بالنص الآتي: «غير مصرح لليهودي أن يقرض الأجنبي إلا بالربا» 33.

وأمر تعامل اليهود بالربا امتد إلى عصرنا الحاضر، متمثلًا بالبنوك الربوية التي يسيطر عليها اليهود في العالم، ويتحكمون من خلالها بالاقتصاد العالمي.

5.حرصهم على الحياة.

قال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ?94?وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ?95?وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى? حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ? يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ? وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ?96?) [البقرة: (94) - (96) ] .

ذكر ابن الجوزي في تفسيره عن هذه الآيات: (قوله تعالى:(قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ) كانت اليهود تزعم أن الله تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وولده، فنزلت هذه الآية، ومن الدليل على علمهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم صادق أنهم ما تمنوا الموت، وأكبر الدليل على صدقه أنه أخبر أنهم لا يتمنونه بقوله تعالى: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ) فما تمناه أحد منهم، والذي قدمته أيديهم: قتل الأنبياء وتكذيبهم، وتبديل التوراة) 34.

ومع أن المشركين لا يؤمنون بالآخرة، ويعتبرون حياتهم الدنيا هي الحياة، ولا حياة بعدها، ومع ذلك تجد هؤلاء اليهود هم أشد حرصًا منهم، بل هم أشد الناس حرصًا على حياة، وأي حياة تلك؟ لا يهم، المهم أنها حياة، بغض النظر عن كيفيتها أو صعوبتها، المهم أنها حياة، وهذا الحرص يفاجئك للوهلة الأولى، وخصوصًا أنهم يؤمنون بأن هنالك حياة أخرى، ولكن تلك المفاجأة تزول عند التأمل بما اقترفه هؤلاء من قتلهم للأنبياء وتكذيبهم لهم، ومن تجرئهم على الله، وغيرها من الأعمال المهينة التي ارتكبوها.

6.جبنهم عند اللقاء في الحرب.

يقول الله سبحانه وتعالى في حق أهل الكتاب: (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ? وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ [آل عمران:(111) ] .

ويوضح الدكتور محمد سيد طنطاوي معنى الآية بقوله: «والمعنى: إن أهل الكتاب لن يضروكم يا معشر المؤمنين إلا ضررًا يسيرًا لا يبقى أثره فيكم ما دمتم مستمسكين بدينكم، فإن قاتلوكم وأنتم على هذه الحال أمدكم الله بنصره، وألقي في قلوبهم الرعب فيولونكم الأدبار انهزاما منكم، ثم لا ينصرون عليكم بل تنصرون أنتم عليهم» 35.

فلقد عاش المسلمون ذلك في صراعهم مع أهل الكتاب، وخاصة ما تعلق الأمر منه بقتال اليهود، فيهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة قد ولوا الأدبار في المدينة في عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك فعل يهود خيبر، وفي أيامنا هذه يتكرر الأمر عندما يكون هناك عقيدة راسخة مؤمنة بالله وبنصره في مواجهة اليهود 36.

7.تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى.

قال تعالى: لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ? بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ? تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى? ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ?14?) [الحشر: (14) ] .

يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي: «والجدر» جمع جدار، وهو بناء مرتفع يحتمى به من يقاتل من خلفه، و (جَمِيعًا) بمعنى مجتمعين كلهم، أي أن هؤلاء اليهود وحلفاءهم من المنافقين لا يقاتلونكم مجتمعين كلهم في موطن من المواطن إلا في قرى محصنة بالخنادق وغيرها، أو يقاتلونكم من وراء الجدران التي يتسترون بها؛ لأنهم يعجزون عن مبارزتكم، وعن مواجهتكم وجها لوجه، لفرط رهبتهم منكم، وقوله تعالى: (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) جملة مستأنفة، كأن قائلًا قال: ولماذا لا يقاتلون المؤمنين إلا على هذه الصورة؟

فكان الجواب: بأسهم بينهم شديد، أي: عداوتهم فيما بينهم عداوة شديدة، بحيث لا يتفقون على رأي، وقوتهم يستعملونها فيما بينهم استعمالًا واسعًا، فإذا ما التقوا بكم تحولت هذه القوة إلى جبن وهلع 37.

أما أمر قتالهم في القرى المحصنة أو من وراء جدر فهو أمر واقع ومشهود في زماننا هذا، فاليهود في فلسطين قد أقاموا جدارًا عنصريًّا فاصلًا طويلًا، يبلغ طوله (700) كيلومتر، يفصل بين الضفة الغربية وبين الأراضي الفلسطينية المحتلة عام (1948) ، والحجة في بنائه هو حماية دولتهم المحتلة، وحماية مواطنيها المغتصبين من هجمات المجاهدين.

8.يسعون في الأرض فسادًا.

قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ? غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ? بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ? وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ? وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ ? كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ? وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ? وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ?64?) [المائدة: (64) ] .

وتعقيبًا على هذه الآية يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي عن اليهود: «ويكتشف الكون كل فترة من الزمن أن الفساد الذي فيه إنما هو بسبب هؤلاء الناس وبسبب مكائدهم، لذلك يصيبهم الحق بالكوارث كل فترة من الزمن؛ لأنهم يسعون في الأرض فسادًا، وهذا السعي في الأرض بالفساد إنما يأخذ صورًا متعددة، مرة يأخذ شكل النظريات العلمية، ومرة يأخذ شكل التطرف في الأنظمة السياسية من رأسمالية شرسة أو شيوعية شرسة، وكل ذلك تخريب لحياة الناس» 38.

من طباع اليهود الدنية إشعال الحروب بين الناس، فلا تهنأ لهم نفس أن يروا الناس متحابين ومتراحمين، ولا تقر لهم عين أن تكون الأرض مستقرة دون حروب وفتن، ولقد شهد التاريخ عليهم بذلك، فلقد أشعل اليهود الفتن والحروب بين الأوس والخزرج في المدينة قبل البعثة، كما أن التاريخ المعاصر يشهد عليهم أيضًا.

فهذا هتلر الزعيم الألماني في القرن الماضي يقول عنهم: «فلقد أثبتت لي الأيام أنه ما من عملٍ مخالفٍ للأخلاق وما من جريمة بحق المجتمع إلا ولليهود يد فيها» 39.

9.أشد الناس عداوةً للمؤمنين.

قال تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ? وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى? ? ذَ?لِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ?82?) [المائدة: (82) ] .

لكل نبي أعداء، ولكل دعوة حق أعداء، كما للذين آمنوا أعداء أيضًا، فهم على الحق، وعلى منهج الأنبياء والرسل عليهم السلام، وأعداء الذين آمنوا كثر، وأشد هؤلاء الأعداء عداءً للمؤمنين هم اليهود والذين أشركوا، فاليهود هم قتلة الأنبياء وأعداء الحق، وخاصة الحق الذي جاء مع نبي من غير بني إسرائيل، فهم له أشد عداوةً وبغضًا، ولما يمثله المؤمنون من قوة تحول دون أن يحقق هؤلاء اليهود مطامعهم التي لا تنتهي سياسيًا وجغرافيًا واقتصاديًا.

والتاريخ يشهد على مظاهر العداء التي يكنها اليهود للمسلمين، وسأذكر منها:

10.قتل بعضهم بعضًا.

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: (84) - (85) ] .

اليهود لا عهد عندهم ولا ميثاق، ولو كان ذلك مع الله سبحانه وتعالى، فهاهم اليهود في موضع جديد من نقض العهد والميثاق، ينقضون عهدهم الذي واثقوه وشهدوا عليه، بقتلهم أنفسهم، بعد أن أقروا بميثاق عدم سفك دماء بعضهم بعضًا، لكن بأسهم بينهم شديد.

يقول ابن كثير في تفسيره: «يقول -تبارك وتعالى- منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار- كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير: حلفاء الخزرج، وبنو قريظة: حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب عملًا بحكم التوراة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت