فهرس الكتاب

الصفحة 1354 من 2431

أي: تلك أمانيهم التي تمنوها على الله باطلًا 50.

وقد يطال الاغترار بإمهال الله تعالى وسعة رحمته عصاة المؤمنين لقولهم: إن الله غفور رحيم. وإنما يرجى عفوه فاتكلوا على ذلك وأهملوا الأعمال، وذلك من قبيل الرجاء، واتكؤوا على أن رحمة الله واسعة ونعمته شاملة وكرمه عميم، وإنهم موحدون يرجوه بوسيلة الإيمان والكرم والإحسان 51.

بين القرآن الكريم مظاهر الغرور ومعظمها يندرج تحت البعد عن الدين والاغترار بالحياة الدنيا وزينتها وزخرفها، وتتجلى صفة الغرور في فتنة الدنيا كونها لذة سريعة الزوال لا دوام فيها ولا بقاء، فينخدع الإنسان بها ويفتتن ببهائها وزينتها ثم إنها سرعان ما تزول وكأنها لم تكن، ومن هذه المظاهر:

أولًا: التفاخر والتكاثر بالأموال والأولاد:

ما أن يعي الإنسان على الدنيا إلا ويكبر معه هم جمع المال وإنجاب الأبناء ذكورهم قبل إناثهم، حتى إن نظرة الرجل لإنجاب الذكور هي استمرار لتعلقه في الدنيا بعد موته، باعتبار أنهم من سيحملون اسمه، غير أن المال والولد كدمى الأطفال التي يلهون بها ساعة ثم يتركونها، وكذا المال والولد ومفاتن الدنيا يوم القيامة، فإنها إن كانت في طاعة تنفع يوم الشفاعة، وإن كان في معصية زالت لذتها وبقيت حسرتها.

قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20] .

جاءت هذه الآية في أعقاب آية سابقة لها تحث على الصدقة وتحرض على الإنفاق، ومناسبتها لما قبلها دحض سبب الشح المتمثل في الحرص على استبقاء المال لإنفاقه في لذائذ الحياة الدنيا، فضرب لهم مثل الحياة الدنيا بحال محقرة على أنها زائلة تحقيرا لحاصلها وتزهيدا فيها؛ لأن التعلق بها يعوق عن الفلاح 52.

والمعنى في الآية: «اعلموا أيها الناس إن متاع الحياة الدنيا المعجلة لكم ما هي إلا لعب ولهو تتفكهون به، وزينة تتزينون بها، وتفاخر بينكم، يفخر بعضكم على بعض بما أولى فيها من رياشها، ويباهي بعضكم بعضا بكثرة الأموال والأولاد» 53.

وقد ضرب الله تعالى للدنيا مثلًا آخر، وهو مثل مطر نزل من السماء فنبت به الزرع، ففرح الزارع بنباته، ويقال: (أعجب الكفار) يعني: الكفار بالله، لأنهم أشد إعجابًا بزينة الدنيا من المؤمنين، ثم إن هذا الزرع ييبس فيتغير فتراه مصفرًّا بعد خضرته ثم يكون يابسًا وحطامًا هالكًا، وكذا متاع الحياة الدنيا 54.

قال سعيد بن جبير: «الغرة من الله أن يصرَّ العبد في معصية الله ويتمنى على الله في ذلك، والغرة في الدنيا أن يغتر بها وأن تشغله عن الآخرة أن يمهد لها ويعمل لها، وأما متاع الغرور فهو ما يلهيك عن طلب الآخرة، فهو متاع الغرور، وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور، ولكنه متاع بلاغٍ إلى ما هو خيرٌ منها» 55.

وعلى هذا فالحياة الدنيا غير مذمومة، بل المراد أن من صرف هذه الحياة الدنيا لا إلى طاعة الله بل إلى طاعة الشيطان ومتابعة الهوى، فذاك هو المذموم 56.

وهذا شأن النفوس المريضة، إذا أنعم الله عليها صاحبها الغرور والبطر، وإذا أبليت قابلت البلاء بالضجر.

فيا عجبًا من إنسان إذا أنعم الله عليه أُعجب بنفسه، وتكبر مختالًا في زهوه، لا يشكر ربه، ولا يذكر فضله، ويتباعد عن بساط طاعته 57، ثم هو يغتر بما رزقه بدلًا من شكره، فيفتري على الله بقوله: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35] !

ثانيًا: رد النصيحة، والجدال بالباطل:

ينظر المغرور إلى نفسه نظرة إعجاب، ويظن أن الحق ما قال ولا سواه، وأن الصواب ما فعل ولا يصح غيره، فلا يسمع الحق من أصحاب الحق، لأن غروره عمى قلبه وبصره، فهو يجادل في آيات الله، ولا يقبل نصيحة من أحد {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر: 4 - 5] .

أي: يماري في آيات الله ويخاصم بهوى نفسه وطبع جبلة عقله 58.

والملاحظ في الآيتين أن الجدل في الآيات جاء بعده عدم قبول النصيحة من الأنبياء، ومن ثم تكذيبهم، وهذا بسبب الغرور بالباطل.

وكذا كان موقف الأمم التي غرها في دينها ما كانت تعبد من دون الله، فلم تقبل نصح أنبيائها، قال قوم نوح لنبيهم: {يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) } [هود: 32 - 34] .

والنصح: «إخلاص العمل عن الفساد. وقيل: إنه بيان موضع الغي ليجتنب، وبيان موضع الرشد ليطلب» 59.

وقال صاحب المنار: «النصح تحري الصلاح والخير للمنصوح له والإخلاص فيه قولًا وعملًا، والمعنى: إن نصحي لكم لا ينفعكم بمجرد إرادتي له فيما أدعوكم إليه، وإنما يتوقف نفعه على إرادة الله تعالى، وقد مضت سنته تعالى بما عرف بالتجارب أن نفع النصح له شرطان أو طرفان، هما الفاعل للنصح والقابل له، وإنما يقبله المستعد للرشاد، ويرفضه من غلب عليه الغي والفساد بمقارفة أسبابه من الغرور بالغنى والجاه والكبر» 60.

وعلى شاكلة قوم نوح كان قوم صالح، فلم يتعظوا بنصحه لهم وقالوا لنبيهم: {يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) } [الأعراف:77 - 79] .

ثالثًا: البغي والاستكبار:

البغي: التعدي، وبغى الرجل على الرجل: استطال. وبغت السماء: اشتد مطرها، وبغى الوالي: ظلم، وكل مجاوزة في الحد وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء فهو بغي 61، والبغي في عدو الفرس اختيال ومرح 62.

وأما التكبر والاستكبار فهما بمعنى التعظم 63.

ومن معاني الاستكبار: «أن يتشبع المرء فيظهر من نفسه ما ليس له، وهو مذموم، ومنه ما ورد في القرآن نحو {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34] » 64.

والمعنيان السابقان للبغي والاستكبار يلتقيان مع الغرور في كون الغرور يشمل كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة، وكونه سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، وما البغي والاستكبار إلا متابعة للنفس على هواها وتحقيق لنزواتها ومبتغاها فيما يستحسن ظاهره، ويحصل الندم عند انكشاف الحال فيه، وكذا هو الغرور.

والملاحظ أن التضرع إلى الله يكون في حال الشدة والبلاء، أما في حال الخير والرخاء فإننا نجد عند كثير من الناس الكبر والبغي والبطر والغرور.

قال تعالى: {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يونس: 23] .

والبغي العمل في الأرض بالفساد وبالمعاصي، من بغى الجرح إذا فسد، وأصله الطلب، أي: يطلبون الاستعلاء بالفساد. {بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي: بالتكذيب، ومنه بغت المرأة بغاءً إذا فجرت فطلبت غير زوجها 65.

وقيل في معنى البغي أيضا أنه: «الكبر، وقيل: هو الظلم. وقيل: الحقد. وقيل: التعدي. وحقيقته: تجاوز الحد، فيشمل هذه المذكورة ويندرج بجميع أقسامه تحت المنكر، وإنما خص بالذكر اهتمامًا به لشدة ضرره ووبال عاقبته، وهو من الذنوب التي ترجع على فاعلها» 66.

والباغي الذي اغتر بقوته وكبريائه ما يضر إلا نفسه، لأن وبال بغيه عائد إليه، فقد يمتع ببغيه متاع الحياة الدنيا ثم يعود إليه وبال بغيه في الدنيا وفي الآخرة أيضا، وفي الآية إيماء إلى أن البغي مجزي عليه في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلقوله: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} ، ولما جاء في الحديث: (ما من ذنبٍ أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم) 67، وأما في الآخرة فكفى دلالة على ذلك ما أفادته الآية من التهديد والوعيد.

والخلاصة: إن البغي -وهو أشنع أنواع الظلم- يرجع على صاحبه؛ لما يولد من العداوة والبغضاء بين الأفراد، ولما يوقد من نيران الفتن والثورات في الشعوب، فمن يبغى على مثله تجده قد خلق له عدوًّا أو أعداءً ممن يبغي عليهم 68.

ومن صور البطر والغرور بدلا من الحمد والشكر غرور قارون الذي ظن أن ما أوتيه بفضل منه لا تفضلا من المنعم، ويلحق به أيضا اغترار قوم قارون بما أوتيه قارون: قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) } [القصص: 76] .

{فَبَغَى عَلَيْهِمْ} أي: بكثرة ماله، كأنه جاوز الحد بالتكبر والتجبر عليهم، فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت أمره، أو ظلمهم 69.

رابعًا: الاستهزاء بآيات الله تعالى:

إن هؤلاء استهزؤوا بآيات الله لأنهم اغتروا في الحياة الدنيا، فهم طمعوا في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال وقوة الجاه، فاشتدت رغبتهم في هذه الأشياء، وأصبحوا محجوبين عن طلب الدين غارقين في طلب الدنيا؛ فاتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا 70.

قال تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) } [الأعراف: 51] .

«يعني: أنهم تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم ولهوا عنه، وأصل اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه. ويقال: لهوت بكذا ولهيت عن كذا أي: اشتغلت عنه» 71.

وقد اتخذ المشركون اللهو واللعب دينًا لأنفسهم، وهو ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة وأخواتها، والمكاء والتصدية حول البيت، وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية. وخدعهم عاجل ما هم فيه من خصب العيش ولذته، وشغلهم ما هم فيه من ذلك عن الإيمان بالله ورسله، وعن الأخذ بنصيبهم من الآخرة حتى أتتهم المنية على ذلك. والغرة غفلة في اليقظة، وهو طمع الإنسان في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال والجاه ونيل الشهوات، فإذا حصل ذلك صار محجوبا عن الدين وطلب الخلاص؛ لأنه غريق في الدنيا بلذاته 72.

قال ابن عباس: «وذلك أنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزؤوا به اغترارًا بالله» 73.

وعلى شاكلة آية الأعراف السابقة كانت آية الجاثية، قال تعالى: {ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الجاثية: 35] .

وقال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأنعام: 70] .

والمعنى: «ذر هؤلاء الذين اتخذوا دين الله وطاعتهم إياه لعبًا ولهوًا، فجعلوا حظوظهم من طاعتهم إياه اللعب بآياته، واللهو والاستهزاء بها إذا سمعوها وتليت عليهم، فأعرض عنهم، فإني لهم بالمرصاد، وإني لهم من وراء الانتقام منهم والعقوبة لهم على ما يفعلون، وعلى اغترارهم بزينة الحياة الدنيا ونسيانهم المعاد إلى الله تعالى ذكره والمصير إليه بعد الممات» 74.

قال ابن عباس: «يعني: الكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزؤوا بها وتلاعبوا عند ذكرها» 75.

وقال مقاتل: «اتخذوا دينهم الإسلام لعبًا، يعني: باطلًا ولهوًا عنه» 76.

خامسًا: الانغماس في الشهوات والشبهات:

إن الركون إلى الدنيا ومفاتنها وشهواتها يعد المدخل الرئيس للانزلاق في الشبهات والتزوير في العقائد رجاء موافقة الهوى، فالفتنة مقدمة للغرور.

وقال تعالى: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 14] .

يعني: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء ذلك السور حين حجز بينهم وبقوا في الظلمة {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} أي: في الدنيا نصلي ونصوم، {قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي: أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات، وكلها فتنة، {وَتَرَبَّصْتُمْ} أي: بالإيمان والتوبة، وقيل: تربصتم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقلتم: يوشك أن يموت فنستريح منه، {وَارْتَبْتُمْ} أي: شككتم في نبوته وفيما أوعدكم به {وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ} أي: الأباطيل، وذلك ما كنتم تتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين {حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ} يعني: الموت، وقيل: هو إلقاؤهم في النار، وهو قوله تعالى: {وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} يعني الشيطان، قال قتادة: ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار 77.

وقال تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأعراف: 51] .

«يعني أنهم تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم ولهوا عنه. وأصل اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه» 78.

سادسًا: التسويف والأماني الباطلة:

قال ابن الجوزي: «فمن الناس من يغره تأخير العقوبة، ومنهم من كان يقطع بالعفو، وأكثرهم متزلزل الإيمان، فنسأل الله أن يميتنا مسلمين» 79.

فالكفار كانوا يسوفون ويؤخرون في توبتهم إلى الله، ويمنون أنفسهم بعفوه وغفرانه.

وقال تعالى: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 14] .

قال الزمخشري: « {وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ} طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار {حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ} وهو الموت {وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} وغركم الشيطان بأن الله عفو كريم لا يعذبكم» 80.

فهذا خداع من الشيطان بإمهال الله للإنسان وحلمه عليه، وأن هذا الإمهال مدعاة للرضا عنهم وعدم إنزال العذاب عليهم.

قال الطبري: «خدعكم بالله الشيطان، فأطمعكم بالنجاة من عقوبته والسلامة من عذابه» 81.

بين القرآن الكريم عاقبة الغرور، وبيانها في النقاط الآتية:

أولًا: الاستدراج:

الاستدراج هو الإمهال والتأخير إلى أجل، فإن الله تعالى قد يعطي الكفار من الدنيا مع جحودهم وشركهم ما لا يعطيه للمؤمنين، ومن هنا جاء الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام والمراد به أمته: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196 - 197] .

والمراد تصرفهم في التجارات والمكاسب، أي: لا يغرنكم أمنهم على أنفسهم وتصرفهم في البلاد كيف شاؤوا وأنتم معاشر المؤمنين خائفون، فإن ذلك لا يبقى إلا مدة قليلة ثم ينتقلون إلى أشد العذاب، وإنما وصفه الله تعالى بالقلة؛ لأن نعيم الدنيا مشوب بالآفات والحسرات، ثم إنه بالعاقبة ينقطع وينقضي 82.

قال ابن كثير: «لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه من النعمة والغبطة والسرور، فعما قليل يزول هذا كله عنهم ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجا» 83.

وقال تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} [غافر: 4] .

فلا يغررك إمهالهم وإقبالهم في دنياهم، وتقلبهم في بلاد الشام واليمن بالتجارات المربحة، والتكبر والتجبر بغير حق، فإنهم مأخوذون عما قريب بكفرهم أخذ من قبلهم 84.

ثانيًا: الضلال:

لما أن كان الغرور من عمل الشيطان وتزيينه للنفوس أصبح من انساق إليه كأنما تتبع خطوات الشيطان وسار على نهجه واكتسب بعضا من صفة الغرور عنده.

قال تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 117 - 120] .

والإضلال: الصرف عن طريق الهداية إلى طريق الغواية، أو هو الدعاء إلى ترك الدين وتقبيحه في عينهم 85.

والملاحظ هنا أن الإغواء والتغرير الذي قام به إبليس عندما شعر بعلوه وتكبره قام به أيضا فرعون بعد أن زهت نفسه واختالت فاغتر بنفسه ودعا قومه إلى الضلال موهما إياهم أنه طريق الرشاد، وهو في الحقيقة ضلال مبين، قال تعالى: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} [طه: 79] .

ولما أن كان الشيطان المصدر الرئيس للتغرير بين الناس وكان لا يصدر عن تغريره إلا الضلال تلاه أهل الباطل في تغرير بعضهم بعضًا؛ لإضلالهم عن طريق الهداية.

قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا} [فاطر: 40] .

ثالثًا: استحقاق العقاب:

إن العذاب الأليم مصير المغرور الذي بدل في دين الله وشك في عطائه، وظن في نفسه من الصفات ما لا تجوز إلا لله.

قال تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51] .

والجريمة التي اقترفها هؤلاء كما قال ابن عباس: «أنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزؤوا به، اغترارًا بالله» 86.

وكان من عقوبتهم نسيان الله لهم يوم القيامة، ومعنى الآية: عن ابن عباس قال: نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشر، والمعنى: نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا. وقال مجاهد: نتركهم في النار. وقال السدي: نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا 87.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يقول للعبد يوم القيامة: (ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس، وتربع؟ فيقول: بلى، أي رب. فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني) 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت