فهرس الكتاب

الصفحة 1309 من 2431

وكذلك العفو رحمة بالعافي إذ به يتخلص من الأحقاد، وأضغانها، ورحمة بالأمة لكونه بدل أن ينقص عددها اثنين ينقص إلى واحد، وبدل أن تتبادل الدماء تنتهي المعركة 230.

فبالعدالة والرحمة تسعد الأمم وتطمئن في حياتها؛ إذ العدالة هي التي تكسر شر النفوس، وتغسل غل الصدور، وتردع الجاني عن التمادي في الاعتداء، لأنه يعلم علم اليقين أن من وراء الاعتداء قصاصًا عادلًا، والرحمة هي التي تفتح الطريق أمام القلوب لكي تلتئم بعد التصدع وتتلاقى بعد التفرق، وتتواد بعد التعادي، وتتسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو؛ فلله هذا التشريع الحكيم الذي ما أحوج العالم إلى الأخذ به، والتمسك بتوجيهاته 231.

5.الموت في سبيل الله.

الموت في سبيل الله، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني 232، كما قال تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: 175] .

في هذه الآية ترغيب للمؤمنين في الجهاد وأنه مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون؛ وتعزية لهم وتسلية مما أصابهم في سبيل الله تعالى 233؛ لأنه سبحانه لا يختارهم لشيء أفضل مما عنده، ولا يختار الجزاء الدنيوي فقط مهما عظم وضخم؛ لأنه لا يساوي شيئًا مما في الآخرة، فبموت المؤمن أوقتله يتخلص من عدوه ويلحق بمحبوبه الرب العظيم، فكان جزاؤه منه سبحانه المغفرة والرحمة التي لا تعدلها الدنيا ثمنًا 234؛ لأن الشيء يعظم بعظم باذله {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ} 235؛ وجمع بينهما ليكمل للإنسان سعادته؛ إذ بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب 236، فالمغفرة تمحو ما كان من ذنوبه، والرحمة ترفع درجاته 237.

وذكر رحمة الله تعالى في هذا المقام؛ لكيلا تذهب نفوس المؤمنين حسرة على من ماتوا منهم، فإنهم ليسوا في شقاء بل هم في نعيم، {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] 238.

6.الاعتصام بالله.

وعد الله المؤمنين المعتصمين به بالرحمة والفضل والهداية، فقال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 175] .

فالذين اعترفوا بوجوده واتصافه بكل وصف كامل، وتنزيهه من كل نقص وعيب، ولجأوا إليه واعتمدوا عليه، وتبرؤوا من حولهم وقوتهم واستعانوا بربهم 239؛ ستنالهم الرحمة العاجلة والآجلة 240، الرحمة العاجلة في الدنيا بأن يكونوا في سعادة واطمئنان وهدوء بال 241؛ لأن أنعم الناس بالًا وأشدهم انشراحًا في الصدور هم المؤمنون المعتصمون بالله 242، وأما الرحمة الآجلة فهي النعيم المقيم، وجنات عدن خالدين فيها أبدًا 243.

ومن لم يؤمن بالله ويعتصم به ويتمسك بكتابه، منعهم من رحمته، وحرمهم من فضله، وخلى بينهم وبين أنفسهم، فلم يهتدوا، بل ضلوا ضلالًا مبينًا، عقوبةً لهم على تركهم الإيمان فحصلت لهم الخيبة والحرمان، نسأله تعالى العفو والعافية والمعافاة 244.

7.التقوى.

تقوى الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه سبب لرحمة أرحم الراحمين 245، كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] .

فرحمته سبحانه وسعت العالم العلوي والسفلي، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} 246 [الأعراف: 156] .

لأن الإقبال إلى الله عز وجل، واجتناب معصيته -الذي هو التقوى- سبب للرحمة 247، كما قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [يس: 45] .

أي: فيرحمكم ربكم إن أنتم حذرتم ذلك، واتقيتموه بالتوبة من شرككم والإيمان به، ولزوم طاعته فيما أوجب عليكم من فرائضه 248.

ولذا قال نبي الله نوح عليه السلام لقومه: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 63] .

أي: لينذركم العذاب الأليم، وتفعلوا الأسباب المنجية من استعمال تقوى الله ظاهرًا وباطنًا، وبذلك تحصل عليهم وتنزل رحمة الله الواسعة 249.

قال الرازي رحمه الله: «وهذا الترتيب في غاية الحسن؛ فإن المقصود من البعثة الإنذار، والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي، والمقصود من التقوى الفوز بالرحمة في دار الآخرة» 250.

بل جاء ما يدل على زيادة الرحمة لأهل التقوى فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 28] .

فهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم أعطاهم الله {كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا الله تعالى: أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، أو أجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد بها تكرار الإيتاء مرة بعد أخرى 251.

8.قراءة القرآن والاستماع والإنصات إليه.

الطريقة الموصلة لنيل الرحمة بالقرآن، والحصانة من نزغ الشيطان، هي الاستماع له إذا قرئ، والإنصات مدة القراءة 252 كما قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] .

وقد جاء الأمر بالاستماع والإنصات بعد أن وصف القرآن بأنه بصائر وهدى ورحمة في قوله: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 204] ؛ لأنّ الذي اشتمل على هذه الأوصاف من البصائر والهدى والرحمة حريّ بأن يصغى إليه، حتى يحصل منه للمنصت هذه النتائج العظيمة وينتفع بها؛ فيستبصر من العمى ويهتدي من الضلال ويرحم بها 253.

والخطاب في قوله: {فَاسْتَمِعُوا} إن كان للكفار فترجى لهم الرحمة باستماعه والإصغاء إليه بأن كان سببًا لإيمانهم، وإن كان للمؤمنين فرحمتهم هو ثوابهم على الاستماع والإنصات والعمل بمقتضاه، وإن كان للجميع فرحمة كلّ منهم على ما يناسبه 254.

فمن لازم الاستماع والإنصات؛ حين يتلى كتاب اللّه، فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًا متجددًا، وهدًى متزايدًا، وبصيرةً في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما؛ فدل ذلك على أن من تلي عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خيركثير 255.

9.البراءة من عبادة غير الله.

اعتزال المؤمن قومه الكفار ومعبوديهم من أسباب لطف الله به ورحمته 256، كما قال تعالى عن أصحاب الكهف: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} [الكهف: 16] .

فهؤلاء الفتية بعد تقريرهم لعقيدة التوحيد، وإبطالهم لعقيدة الشرك وبراءتهم من الكفر وأهله بينوا واجبهم الذي يتحتم عليهم فعله، وهو اعتزال قومهم، وما يعبدون من دون الله، والبراءة من شركهم 257.

فلما اعتزلوه أمرهم الله بالتوجه للكهف؛ وفي هذا دليل على ما كانوا عليه من التوكل حيث أووا إلى كهف، ورتبوا على مأواهم إليه نشر رحمة الله عليهم، وتهيئة رفقه تعالى بهم؛ لأن من أخرجهم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان لا يضيعهم 258.

وقبل هذا أخبر سبحانه أنهم دعوه بقولهم: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10] .

فجمعوا بين التبري من حولهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم، ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا جرم أن الله نشر لهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقًا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خلقه، ونشر لهم من الثناء الحسن، ما هو من رحمته بهم، ويسر لهم كل سبب، حتى المحل الذي ناموا فيه، كان على غاية ما يمكن من الصيانة 259.

وفي معنى هذه الآية أيضًا قوله تعالى في نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) } [مريم: 50] .

واعتزالهم إياهم هو مجانبتهم لهم، وفرارهم منهم بدينهم 260.

والرحمة تذكر هنا؛ لأنها هبة الله التي تعوض إبراهيم عن أهله ودياره، وتؤنسه في وحدته واعتزاله 261.

والأظهر أنها عامة لكل خير ديني ودنيوي أوتوه ممالم يؤت أحد من العالمين؛ وإن كان ذكرها بعد جعلهم أنبياء إيذانًا بأن النبوة من باب الرحمة التي يختص بها من يشاء 262.

قال ابن سعدي رحمه الله: « {مِنْ رَحْمَتِنَا} يشمل جميع ما وهب الله لهم من الرحمة، من العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والذرية الكثيرة المنتشرة، الذين قد كثر فيهم الأنبياء والصالحون» 263.

10.قيام الليل.

العابد لربه الطائع له، يقضي ساعات الليل في القيام والسجود لله، يخاف عذاب الآخرة، ويأمل رحمة ربه 264، أي: حصولها 265، كما قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9] .

فوصفه الله بأفضل العبادات الظاهرة وهي الصلاة، في أفضل الأوقات وهو أوقات الليل، ووصف عمل قلبه بالخوف والرجاء، فهو بين الخوف من سيئاته وفلتاته، وبين الرجاء لرحمة ربه أن يثيبه على حسناته 266، فيدخله الجنة 267.

11.الإصلاح بين المؤمنين.

من حقوق المؤمنين الإصلاح بينهم، وبه تحصل لهم الرحمة من الله عز وجل 268، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10] .

فالمؤمنون إخوة في الدين والعقيدة، يجمعهم أصل واحد وهو الإيمان، كما يجمع الإخوة أصل واحد وهو النسب، وكما أن أخوة النسب داعية إلى التواصل والتراحم والتناصر في جلب الخير، ودفع الشر، فكذلك الأخوة في الدين تدعوكم إلى التعاطف والتصالح 269، ومن ذلك إذا وقع الاقتتال بينهم، الموجب لتفرق القلوب وتباغضها وتدابرها.

وقد رتب الله على الإصلاح بين المؤمنين وبتقوى الله، الرحمة 270؛ وإنما اختيرت الرحمة لأن الأمر بالتقوى واقع إثر تقرير حقيقة الأخوة بين المؤمنين، وشأن تعامل الإخوة الرحمة، فيكون الجزاء عليها من جنسها 271.

وإذا حصلت الرحمة، حصل خير الدنيا والآخرة، ودل ذلك على أن عدم الاقتتال والتنازع بين المؤمنين، من أعظم حواجب الرحمة 272.

عرض القرآن الكريم لعدد من أسباب اليأس والقنوط من رحمة الله؛ ومن هذه الأسباب:

من أنعم الله عليه بالهداية والعلم العظيم، فلا سبيل إلى القنوط إليه لأنه يعرف من كثرة الأسباب والوسائل والطرق لرحمة الله شيئًا كثيرًا 273؛ كما ذكر الله تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام لما بشرته الملائكة بالولد مع كبر سنه وحال زوجه التي يستبعد معها حصول الولد: {قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 55 - 56] .

فأجابهم بأنه ليس بقانط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر وأسنت امرأته؛ فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك 274، لكنه قال ذلك على وجه التعجب والتفكر في عظيم قدرة الله ورحمته 275.

وإنما يقنط من رحمة الله القوم الذين أخطؤوا سبيل الصواب، وتركوا قصد السبيل في تركهم رجاء الله؛ لأنهم لا علم لهم بربهم، وكمال اقتداره فضلّوا بذلك عن دين الله 276.

وقد كان القانط من رحمة الله ضالًا؛ لأن من علم أن الله على كل شيء قدير لم يستبعد شيئًا على قدرة الله، ومن علم أن الله رحيم لا يستبعد أن يرحمه الله سبحانه 277.

قال الرازي رحمه الله: «القنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا عند الجهل بأمور: أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادرًا عليه، وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالمًا باحتياج ذلك العبد إليه، وثالثها: أن يجهل كونه تعالى منزهًا عن البخل والحاجة والجهل؛ فكل هذه الأمور سبب للضلال، فلهذا المعنى قال: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56] » 278.

والمعنى الذي قاله إبراهيم عليه السلام، قاله أيضًا يعقوب عليه السلام لبنيه في قوله: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] .

فروح الله رحمته، وفرجه، وتنفيسه 279، وقد كان اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين؛ إذ فيه: إما التكذيب بالربوبية؛ وإما الجهل بصفات الله تبارك وتعالى 280، جهل بقدرته وسعة رحمته، وجهل لما لله في عباده من حكم بالغة ولطف خفي، أما المؤمن حقًا فلا تقنطه المصايب ولا الشدائد من رحمة ربه وتفريجه لكربه 281.

فيصر عليها ويصمم على الإقامة على المعصية، ويقطع طمعه من رحمة الله؛ لأجل أنه مقيم على الأسباب التي تمنع الرحمة 282؛ وهذا ما يلمح إليه قوله سبحانه: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] .

الخطاب في قوله: {الَّذِينَ أَسْرَفُوا} جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك؛ لأن الله عم بقوله: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} جميع المسرفين، فلم يخصص به مسرفًا دون مسرف 283، وكلهم مظنة تطرق اليأس من رحمة الله إلى نفوسهم 284؛ فأهل الشرك لما دعوا إلى الإيمان بالله قالوا: كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا، وقتلنا النفس التي حرّم الله، والله يعد فاعل ذلك النار، فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان، وأهل المعاصي من أهل الإيمان يقولون: كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فيبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليهم الرحمن 285.

وفي نسبة عبوديتهم إلى الله تعالى إيماء إلى أن شأن الرب الرحمة بعباده 286، ولكن لهذه الرحمة ونيلها أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى اللّه تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم أيها المسرف إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم 287.

الصبر خير كله، وهو أول صفات المؤمنين، ومن الصبر ألا يكفر عند النعمة، وألا ييأس عند النقمة 288، كما قال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) } [هود: 9 - 11] .

فإذا أعطي الإنسان نوعًا من أنواع النعم كرخاء عيش، وبسطة رزق، وصحة، وأمن، وولد بار، فكان شديد الاغتباط بها، ثم سلب تلك النعمة بما يحدث من الأسباب التي قدرها الله في الخليقة كالمرض والموت والعسر، فإنه يظل في هذه الحال شديد اليأس من الرحمة، قاطعا ً للرجاء من عود تلك النعمة، كثير الكفران لغيرها من النعم التي لا يزال يتمتع بها فضلًا عما سلف منها؛ فهو يجمع بين اليأس مما نزع منه، والكفر بما بقي له؛ لحرمانه من فضيلتي الصبر والشكر 289.

ولذا استثنى تعالى الصابرين على الضراء وعاملي الصالحات، ومنها: الشكر على النعماء 290 من هذا الجنس بقوله: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ؛ لأنهم إن نالتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا 291؛ فكان جزاؤهم {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} غفران ذنوبهم التي يزول بها عنهم كل محذور، والفوز بجنات النعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين 292.

وما تضمنته هذه الآيات من أن عدم الصبر عند حلول المصايب، والشكر عند حلول النعم من أسباب اليأس والقنوط من رحمة الله دلت عليه آيات أخرى، كقوله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا} [الإسراء: 83] .

فالنعمة تطغى وتبطر ما لم يذكر الإنسان واهبها فيحمد ويشكر، والشدة تيئس وتقنط ما لم يتصل الإنسان بالله، فيرجو ويأمل، ويطمئن إلى رحمة الله وفضله، فيتفاءل ويستبشر، ومن هنا تتجلى قيمة الإيمان، وما فيه من رحمة في السراء والضراء سواء 293.

وقوله تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] .

فهم يفرحون بها فرح البطر الأشر، الذي لا يقابل نعم اللّه تعالى بالشكر، ولا يستعملها فيما خلقت له؛ فالمراد بالفرح هنا: الجحود والكفران للنعم، وليس مجرد السرور بالحصول على النعم، وإن أصابتهم مصيبة بسبب شؤم معاصيهم، وإهمالهم لشكر اللّه تعالى على نعمه أسرعوا باليأس من رحمة اللّه، وقنطوا من فرجه، واسودت الدنيا في وجوههم، شأن الذين لا يعرفون سنن الله تعالى في خلقه، والذين يعبدون اللّه على حرف، فهم عند السراء جاحدون مغرورون، وعند الضراء قانطون يائسون 294.

ما يفتحه للناس من رحمته وإنعامه عليهم بجميع أنواع النعم، لا يقدر أحد كائنًا ما كان أن يمسكه عنهم، وما يمسكه عنهم من رحمته وإنعامه لا يقدر أحد كائنًا من كان أن يرسله إليهم، وهذا معلوم بالضرورة من الدين 295، كما قال تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2] .

فخزائن الرحمات بيد الذي يقول للشيء: كن فيكون، يجود بها على من يشاء من عباده 296، وعبر عن إرسالها بالفتح؛ إيذانًا بأنها أنفس الخزائن التي يتنافس فيها المتنافسون وأعزها منالًا 297.

والرحمة المذكورة في الآية عامة في كل ما يرحم الله به خلقه من الإنعام الدنيوي والأخروي، كفتحه لهم رحمة المطر، كما قال تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50] .

ومن رحمته إرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ كقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [القصص: 86] 298.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت