فهرس الكتاب

الصفحة 1400 من 2431

إنه انتصار العفة واستعلاء الإيمان، فمهما تكبد العفيف من البلاء والمحن في طريقه فلا بد أن يحالفه النصر، فها هو يوسف السجين، يرفعه الله من السجن والحصر إلى رحاب القصر، بل ويهبه فيه القوة والتمكين {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22] 74.

وتجدر الإشارة إلى أن يوسف عليه السلام قد ثبتت بحقه العفة عن المال أيضًا، فقد أثبتها لنفسه وتعهد بها عندما طلب أن يعين على خزينة المال: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) } [يوسف: 55] .

أي: حافظ أمين على ما استودعتني، عالم بما أوليتني 75، فهو المتعفف عن الفحش، وعن الطمع في المال العام.

ثانيًا: قصة ابني آدم عليه السلام:

قص الله علينا خبر ابني آدم وهما هابيل وقابيل على ما ذكره غير واحد من السلف والخلف، وكان من خبرهما أن الله تعالى شرع لآدم أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، وكان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان آدم عليه السلام يزوج أنثى هذا البطن بذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة، وأخت قابيل وضيئة، فأراد قابيل أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك، قال السمرقندي: فقال آدم: إن الله تعالى أمرني بذلك. فقال له قابيل: إن الله تعالى لم يأمرك بهذا، ولكنك تميل إلى هابيل 76، فأمرهما بأن يقربا قربانًا، فمن تقبل منه فهي له، فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه 77.

قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) } [المائدة: 27 - 30] .

الآيات الكريمة تشير إلى أن ابني آدم عليه السلام قربا قربانًا، واختلف في السبب الذي قربا لأجله قربانًا على قولين:

أحدهما: أنهما فعلاه لغير سبب.

والثاني: وهو أشهر القولين أن ذلك لسبب، وهو أن حواء في كل عام تلد غلامًا وجارية، فكان الغلام يتزوج من إحدى البطنين بالجارية من البطن الأخرى، وكان لكل واحد من ابني آدم عليه السلام - هابيل وقابيل - توأمة، فأراد هابيل أن يتزوج بتوأمة قابيل فمنعه، وقال: أنا أحق بها منك 78.

قال أهل التفسير في بيان هذا القربان، والقربان هو البر الذي يقصد من رحمة الله، وهو اسم ما يتقرب به إلى الله من نسيكة أو صدقة 79.

أُمِرَ ابنا آدم أن يقربا قربانًا، وكان هابيل صاحب غنم وعهد إلى كبش أنتج فذبحه طيبة بها نفسه، وكان قابيل صاحب زرع وعهد إلى سيء من الفوم رديء 80 فقربه غير طيبةٍ به نفسه، فتقبل الله عز وجل قربان صاحب الغنم -أي: هابيل- ولم يتقبل قربان صاحب الزرع -أي: قابيل- فتحرك الحسد في قلبه، ودفعه إلى قتله، فقال قابيل لأخيه: تقبل قربانك ولم يتقبل مني، والله لأقتلنك 81.

فهو إنما غضب عليه وحسده؛ لقبول قربانه. فقال له أخوه: ما ذنبي؟! إنما يتقبل الله القربان من المتقين لا من غيرهم، وكأنه يقول لأخيه: إنما أتيت من قبل نفسك لا من قبلي، فإن عدم تقبل قربانك بسبب عدم تقواك 82.

وهنا يرد عليه التقي الورع العفيف الذي تقبل الله تعالى قربانه منبها له ومبينا أن تقوى الله تعالى والإخلاص له من أهم أسباب القبول عند الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] .

وإن كنت مصرًا على قتلي فلن أفعل فعلك، فخوفي من الله تعالى ربي وربك يمنعني من فعل ذلك والإقدام عليه، فهذه جريمة لا أجرؤ على الإقدام عليها 83. فقال: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) } [المائدة: 28] .

أخبر الله في هذه الآية بتحرج المقتول عن القتل، وقال ابن عمر: وأيم الله، إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن عفة يده عن فعل الحرام منعته من أن يبسط يده إلى أخيه 84.

قال سيد قطب: وهكذا يرتسم نموذج من الوداعة والسلام والتقوى في أشد المواقف استجاشة للضمير الإنساني وحماسة للمعتدى عليه ضد المعتدي وإعجابًا بهدوئه واطمئنانه أمام نذر الاعتداء وتقوى قلبه وخوفه من رب العالمين. إلى أن قال: إذا أنت مددت يدك إلي لتقتلني فليس من شأني ولا من طبعي أن أفعل هذه الفعلة بالنسبة لك خوفًا من الله رب العالمين لا عجزًا عن إتيانه: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: 29] ، أي: تحمل إثم قتلي وتضيفه إلى إثمك الذي جعل الله لا يتقبل منك قربانك فيكون إثمك مضاعفًا وعذابك مضاعفًا. {وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 29] أراد أن يثنيه ويعفه عما تراوده به نفسه، وعرض له وزر جريمة القتل لينفره منه، ويزين له الخلاص من الإثم المضاعف، بالخوف من الله رب العالمين، وبلغ من هذا وذلك أقصى ما يبلغه إنسان في صرف الشر ودوافعه عن قلب إنسان 85.

ومع هذا فإن الحسد وعدم العفة قد غطى على كل شيء منه، فلم ير في كلمات أخيه وفي تحديه له شيئًا يعدل به عن طريقه الذي ركبه من أول الأمر، وكان أن قتل أخاه وأسال على الأرض دمه 86.

المعوقات التي تقف في طريق العفة في هذا الزمن كثيرة جدًا، ومن تلك المعوقات:

1.ضعف الإيمان.

إن الباعث على العفة هو الإيمان الذي يرافقه الخوف من الله وخشية جلاله، فمن الطبيعي أن لا توجد العفة متى رفع الإيمان، ولذا فإن هذا المعوق تندرج تحته أغلب المعوقات إن لم تكن كلها، لما للإيمان من أهمية في استقامة الفرد وأخلاقه، لأن الإيمان بالله وعبادته المتصلة يحرران الإنسان من العبودية والخضوع لأية قوة مادية بشرية من العوائق الداخلية والخارجية، فينطلق إلى أداء رسالته وهو يحس بالحمية والحيوية، والله معين على أدائها ويتكفل برعايته ويضمن له الثواب، سواء أصاب أم أخطأ ما دامت الوجهة كلها لله 87.

فالعفة من الإيمان، ونقصه يؤدي إلى الوقوع في المعاصي والتدرج فيها، والوقوع في المنكرات بأنواعها، ومن مظاهره اتباع خطوت الشيطان.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور: 21] .

أي: طرقه ووساوسه، حيث يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب واللسان والبدن 88.

2.الصحبة السيئة.

تعد الصحبة السيئة من أهم العوائق التي تعيق الإنسان عن القربات والأعمال الصالحات؛ لما لها من تأثير كبير على الإنسان؛ ولذا فقد ذكر القرآن الكريم تأثير الصحبة السيئة وبيان خطورتها وأنها قد تورد المهالك في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) } [الفرقان: 27 - 29] .

ففي هذه الآية يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله من الحق المبين الذي لا مرية فيه، وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم وعض على يديه حسرة وأسفا 89.

قال الشنقيطي: «وهذه الآية الكريمة تدل على أن قرين السوء قد يدخل قرينه النار، والتحذير من قرين السوء مشهور معروف» 90.

ولأهمية هذا الموضوع قد أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم باختيار من يجالسهم ويصاحبهم، فقال عز وجل: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) } [الكهف: 28] .

يقول ابن كثير: «أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشيًّا من عباد الله سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء، وقوله: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} [الكهف: 28] ، أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] ، أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعًا ولا محبًا لطريقته ولا تغبطه بما هو فيه» 91.

3.ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هو ضياع للأفراد والمجتمعات، وانتشار المنكرات وشيوعها، وقيامها كأسباب للانحراف ومهيجات للغرائز، وما ذاك إلا نتيجة لغياب تلك الفريضة.

قال الغزالي: «إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة» 92.

فعندما ترك بنو إسرائيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنوا على لسان أنبيائهم.

قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) } [المائدة: 78 - 79] .

قال ابن كثير: «أي: كان لا ينهى أحدٌ منهم أحدًا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه» 93.

وقد حذر الله سبحانه عباده المؤمنين من القعود عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو التراخي عن الدعوة وإرشاد الناس إلى الخير، فيكون ذلك سببًا في وقوع الفتنة التي لا تختص بمن يمارسها من العاصين دون الطائعين، بل تتعدى هؤلاء الواقعين في المنكر لتعم الصالح والطالح كما في قوله عز وجل: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) } [الأنفال: 25] .

قال ابن عباس رضي الله عنه: «أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب» 94.

والمراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره هي أن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه عمهم الله بالعذاب: صالحهم وطالحهم، وبه فسرها جماعة من أهل العلم، والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك 95.

4.وسائل الإعلام الفاسدة.

فمن معوقات العفة في هذا العصر وسائل الإعلام المفسدة، والناظر إلى أغلب وسائل الإعلام في الدول الإسلامية فضلًا عن غيرها يجد فيها الكثير من الفساد، سواء كان في القنوات الفضائية المتنوعة كالتلفاز، أو الشبكة العنكبوتية كاليوتيوب والفيس بوك وغيرها، أو الإذاعات والمجلات والصحف 96.

بل يجد أن مهمتها العظمى بث السموم ونشر الرذيلة والفاحشة والدعوة إلى خلاف العفة. فإذا تناولت مجلة فصورها وأحاديثها تنطق بهدم العفاف، وإذا فتحت المذياع فالأغاني الماجنة المائعة تصك الآذان، وإذا نظرت إلى التلفاز نظرت إلى هدم العفاف، وهذه هي الحقيقة والواقع بالنسبة لبعض بلاد المسلمين التي وقعت فريسة في أيدي بعض أبنائها الذين يستوردون المبادئ والأخلاق والعقائد والشرائع والتعليمات من الأعداء ثم ينفذونها بدقة وأمانة 97.

5.الجهل.

لا شك أن الجهل من الأسباب التي تعوق العبد المسلم عن العفة، فعدم العلم بالشيء هو السبب الحقيقي في عدم الإقبال عليه وفعله؛ ولهذا ذم الله تعالى الجهل وحذر منه، وبين أنه سبب إعراض المعرضين عن دعوة الأنبياء والمرسلين، وأن الناس لجهلهم كذبوا بهم.

يقول تعالى مخبرًا عن قول نوح عليه السلام لقومه: {وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) } [هود: 29] .

بل ذكر سبحانه أن الجهل هو الذي دفع قوم لوط لعمل جريمتهم البشعة من اللواط، يقول تعالى: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) } [النمل: 55] .

قال ابن تيمية: الجهل والظلم هما أصل كل شر 98، كما قال سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) } [الأحزاب: 72] .

6.تأخير الزواج.

من معوقات العفة أن كل واحد من الجنسين محتاج للآخر، وقد فطرهما الله على ذلك، فلا غنى لأحدهما عن الآخر 99.

قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) } [الروم: 21] .

فالزواج المبكر من أقوى الوسائل المعينة للعفاف، فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله، فقال عبد الله: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شبابًا لا نجد شيئًا، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاءٌ) 100.

في الحديث ما يدل على أن الزواج وسيلة لصيانة الفروج والأعراض وحفظها من الانزلاق في مهاوي الفواحش وأوحال الرذائل والمحرمات.

هذا وقد حث ديننا الحنيف على مساعدة الشباب على الزواج، بالذات من كان المانع من زواجه هو نقص المال.

قال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) } [النور: 32] .

وهنا جاء الندب للجماعة المسلمة بمساعدة المحتاج للزواج من الجنسين لإعفافه، ففي ذلك حماية له من الوقوع فيما حرم الله، وحفظ للمجتمع من بلاء الفواحش.

يقول سيد قطب: «وهذا أمر للجماعة بتزويجهم، والجمهور على أن الأمر هنا للندب، ودليلهم أنه قد وجد أيامى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزوجوا، ولو كان الأمر للوجوب لزوجهم 101» .

ويحسن التحذير مما يقع فيه بعض أولياء الأمور من منع زواج فتياتهن بحجة إتمام الدراسة الجامعية أو العمل وتحقيق الذات والمال، أو لأسباب أسوأ من ذلك تتعلق بأصول الشاب ومدى غناه، بل وأصبح بعض الأولياء يرفض الشاب الصالح لمجرد مكان سكناه ويتناسى أنه -بصفته وليًّا- مؤتمن على عفة ابنته، والمفترض أن يسعى إلى ذلك ما استطاع.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريضٌ) 102.

ولعل من المهم معالجة بعض المشاكل الاجتماعية المتعلقة بارتفاع المهور ومستلزمات الزواج، فالأهل يوقعون -غير قاصدين- أبناءهم وبناتهم في المشاكل الأخلاقية، لأنهم يرفعون من سقف مطالبهم عند التزويج؛ فلا يبقى للشاب أو الفتاة سوى إقامة علاقات تشبع رغباتهم ولا تكلفهم شيئًا!

ومن الأمور التي يجب على المجتمع أن يتبناها حتى تنخفض الرذيلة هو مسألة خفض مستوى الشروط التي يطلبها أهل الشاب، فبدلًا من الإقبال على فتاة بكر على قدر عالٍ من الجمال لم لا يفكر الأهل أو الشاب في التقدم لمطلقة أو أرملة صغيرة السن أو بكر تكبر الشاب ببضع سنين؟ فهؤلاء لن يشترطن مهورًا عالية كغيرهن، وستحصل البركة في هذا الزواج مادام الغرض منه الاستعفاف عن الحرام، فلا يقاس النجاح في الحياة بكم المبالغ المدفوعة فيه، بل هو التوفيق الرباني لا غير.

7.الاختلاط بين الجنسين.

إن العفة حجاب يمزقه الاختلاط؛ ولهذا صار طريق الإسلام التفريق والمباعدة بين المرأة والرجل الأجنبي عنها، فالمجتمع الإسلامي مجتمع فردي لا زوجي، فللرجال مجتمعاتهم، وللنساء مجتمعاتهن، ولا تخرج المرأة إلى مجتمع الرجال إلا لضرورة أو حاجة بضوابط الخروج الشرعية. كل هذا لحفظ الأعراض والأنساب، وحراسة الفضائل، والبعد عن الريب والرذائل، وعدم إشغال المرأة عن وظائفها الأساس في بيتها؛ ولذا حرم الاختلاط، سواء في التعليم، أم في العمل والمؤتمرات والندوات والاجتماعات العامة والخاصة، وغيرها؛ لما يترتب عليه من هتك الأعراض، ومرض القلوب، وخطرات النفس، وخنوثة الرجال، واسترجال النساء، وزوال الحياء، وتقلص العفة والحشمة، وانعدام الغيرة 103.

قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53] .

8.الطمع.

يطمع بعض الناس فيما في أيدي الناس من الأموال والنساء والأولاد والمتاع ونحوها.

قال تعالى: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) } [الحجر: 88] .

قال السعدي في تفسيره: «أي: لا تعجب إعجابًا يحملك على إشغال فكرك بشهوات الدنيا التي تمتع بها المترفون واغتر بها الجاهلون، واستغن بما آتاك الله من المثاني والقرآن العظيم» 104؛ لأنه لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص 105.

9.إهمال حفظ المال.

حفظ المال مقصد من مقاصد الشريعة الخمس، وإهمال حفظه مفسدة، وفتحٌ لباب من أبواب الشيطان، والأصعب أن يكون هذا الإهمال من ولي المال القائم عليه بداعي الثقة الزائدة أو الاستهتار.

وقد نهى الله تعالى عباده عن التبذير في إنفاق المال؛ ليدلل على ضرورة حفظه، فالإنسان مأمور بالاقتصاد في ماله، ومن باب أولى هو مأمور بصيانة هذا المال من أن يتعدى عليه غيره.

قال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) } [الإسراء: 26 - 27] .

وكذلك أمر بالانتباه للمال حتى لا يندم الإنسان.

قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) } [الإسراء: 29] .

ومعنى القعود ملومًا محسورًا أي: ملومًا من الناس لائمًا لنفسك على ما ضيعته من مال 106.

فالمال نعمة بموجب قول الله تعالى متفضلًا على نبيه الكريم عليه السلام: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) } [الضحى: 8] .

وعلينا شكرها بحفظها وعدم إهمالها، وقد ورد في المثل العربي ما معناه «المال المهمل يعلم السرقة» ، فالمال له حظوة في النفس، والنفس أمارة بالسوء، فإذا ترك المال هكذا بلا رقابة ولا متابعة ولا حفظ جيد سيكون مغريًا لمن ضعف إيمانه، ولن يتعفف عن سرقته أو إهداره، أما لو كان الإنسان أمينًا فستمنعه العفة عن هذا المال مهما بلغ إهماله، بل سيراعي ربه فيه، وقد يستثمره لمصلحة صاحبه إرضاءً لأمانته وضميره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت