فهرس الكتاب

الصفحة 1525 من 2431

أي: ما أخذتم من مال الكفار قهرًا بحقٍ، قليلًا كان أو كثيرًا {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} أي: وباقيه لكم أيها الغانمون، لأنه أضاف الغنيمة إليهم، وأخرج منها خمسها. فدل على أن الباقي لهم، يقسم على ما قسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم: للراجل سهم، وللفارس سهمان لفرسه، وسهم له.

وأما هذا الخمس، فيقسم خمسة أسهم، سهم لله ولرسوله، يصرف في مصالح المسلمين العامة، من غير تعيين لمصلحة، لأن الله جعله له ولرسوله، والله ورسوله غنيان عنه، فعلم أنه لعباد الله. فإذا لم يعين الله له مصرفًا، دل على أن مصرفه للمصالح العامة. والخمس الثاني: لذي القربى، وهم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب. وأضافه الله إلى القرابة دليلًا على أن العلة فيه مجرد القرابة، فيستوي فيه غنيهم وفقيرهم، ذكرهم وأنثاهم. والخمس الثالث لليتامى، وهم الذين فقدت آباؤهم وهم صغار، جعل الله لهم خمس الخمس رحمة بهم، حيث كانوا عاجزين عن القيام بمصالحهم، وقد فقد من يقوم بمصالحهم. والخمس الرابع للمساكين، أي: المحتاجين الفقراء من صغار وكبار، ذكور وإناث. والخمس الخامس لابن السبيل، وهو الغريب المنقطع به في غير بلده.

وبعض المفسرين يقول: إن خمس الغنيمة لا يخرج عن هذه الأصناف ولا يلزم أن يكونوا فيه على السواء بل ذلك تبع للمصلحة وهذا هو الأولى 93.

قال الفقهاء: إن أموال الحربيين الذين لم يسلموا، إذا ظهر المسلمون عليهم في الحرب فغنموا أموالهم، فيجب على إمام المسلمين أن يقسم الغنيمة ويخرج خمسها للأصناف الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41] .

ويقسم الأربعة الأخماس على الغانمين ولا خيار للإمام فيه، للنصوص الواردة في ذلك، وعليه انعقد الإجماع 94.

ولذلك لا يجوز للإمام أن يمن على هؤلاء بأموالهم المنقولة المجردة فيردها عليهم، لأنه لم يرد به الشرع في هذا المال، ولأنه لا يدوم بل ينقطع، والجواز باعتبار الدوام نظرًا لهم ولمن يجئ بعدهم. ولهذا لا يجوز أيضًا المن بالرقاب وحدها بدون الأرض، لأنه ينقطع بالموت والإسلام، وإنما يجوز تبعًا للأراضي ـ كما سبق ـ كيلا يشتغلوا بالزراعة عن الجهاد، ثم إذا من عليهم بالأراضي والرقاب فإنه يدفع إليهم من المنقول قدر ما يتهيأ لهم به العمل، لأن عمر رضي الله عنه ترك لهم ذلك، وهو القدوة في هذا الباب، ولأن منفعة الأرض بالزراعة، وهم لا يقدرون على الزراعة إلا بآلتها، فيكره له أن يكلفهم بها بدون الآلة 95.

وهو ما ذهب إليه جماهير العلماء واتفقوا عليه، فقد قال الإمام أبو جعفر الطبري: «أجمع الكل من الحجة لا خلاف بينها أن أربعة أخماس الغنيمة للمقاتلة» 96.

وكذلك نقل ابن حزم وابن هبيرة الاتفاق على أن أموال أهل الحرب كلها -عدا الأرض- تخمس، وتدفع الأربعة الأخماس للغانمين، فقال ابن حزم: «اتفقوا أن الخمس يخرج مما غنم عسكر المسلمين، أو عشرة من المسلمين الأحرار البالغين العقلاء الرجال، من الحيوان -غير بني آدم- ومما غنم من الأثاث والسلاح والمتاع كله الذي ملكه أهل الحرب، بعد أن يخرج منه سلب المقتولين، وما أكل المسلمون من الطعام أو احتملوه» 97.

وبعد هذا الإيجاز لحكم المسألة وأقوال العلماء فيما تدل عليه الآيتان الكريمتان؛ فإن الموقف لا يسمح بتفسير كل الآيات المتعلقة بذلك، فحسبنا أن نعرض بعضها لما فيها من توجيهات، كقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 69] .

وهذه الآية الكريمة افتتحها الله تعالى بحرف الفاء وهي تؤذن بتفريع هذا الكلام على ما قبله. وفي هذا التفريع وجهان:

أحدهما: الذي جرى عليه كلام المفسرين أنه تفريع على قوله: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) } [الأنفال: 68] .

أي: لولا ما سبق من حل الغنائم لكم لمسكم عذاب عظيم، وإذ قد سبق الحل فلا تبعة عليكم في الانتفاع بمال الفداء. وقد روي أنه لما نزل قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} [الأنفال: 67] .

أمسكوا عن الانتفاع بمال الفداء، فنزل قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} وعلى هذا الوجه قد سمي مال الفداء غنيمة، تسمية بالاسم اللغوي دون الاسم الشرعي؛ لأن الغنيمة في اصطلاح الشرع هي ما افتكه المسلمون من مال العدو بالإيجاف عليهم.

والوجه الثاني: يظهر أن التفريع ناشئ على التحذير من العود إلى مثل ذلك في المستقبل، وأن المعنى: فاكتفوا بما تغنمونه ولا تفادوا الأسرى إلى أن تثخنوا في الأرض. وهذا هو المناسب لإطلاق اسم الغنيمة هنا إذ لا ينبغي صرفه عن معناه الشرعي. ولما تضمن قوله: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} [الأنفال: 68] .

امتنانًا عليهم بأنه صرف عنهم بأس العدو، فرع على الامتنان الإذن لهم بأن ينتفعوا بمال الفداء في مصالحهم، ويتوسعوا به في نفقاتهم، دون نكد ولا غصة، فإنهم استغنوا به مع الأمن من ضر العدو بفضل الله. فتلك نعمة لم يشبها أذى. وعبر عن الانتفاع الهنيء بالأكل؛ لأن الأكل أقوى كيفيات الانتفاع بالشيء، فإن الآكل ينعم بلذاذة المأكول وبدفع ألم الجوع عن نفسه- ودفع الألم لذاذة- ويكسبه الأكل قوة وصحة- والصحة مع القوة لذاذة أيضًا 98.

وقوله سبحانه: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [الفتح: 15] .

أي: سيقول المخلفون، إذا انطلقت -أيها النبي- أنت وأصحابك إلى غنائم «خيبر» التي وعدكم الله بها: اتركونا نذهب معكم إلى «خيبر» ، يريدون أن يغيروا بذلك وعد الله لكم. قل لهم: لن تخرجوا معنا إلى «خيبر» ؛ لأن الله تعالى قال لنا من قبل رجوعنا إلى «المدينة» : إن غنائم «خيبر» هي لمن شهد «الحديبية» معنا، فسيقولون: ليس الأمر كما تقولون، إن الله لم يأمركم بهذا، إنكم تمنعوننا من الخروج معكم حسدًا منكم؛ لئلا نصيب معكم الغنيمة، وليس الأمر كما زعموا، بل كانوا لا يفقهون عن الله ما لهم وما عليهم من أمر الدين إلا يسيرًا 99.

وقال الله تعالى: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21) } [الفتح: 20 - 21] .

والمعنى الإجمالي للآيات: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها في أوقاتها التي قدرها الله لكم فعجل لكم غنائم «خيبر» ، وكف أيدي الناس عنكم، فلم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال، ومن أن ينالوا ممن تركتموهم وراءكم في «المدينة» ، ولتكون هزيمتهم وسلامتكم وغنيمتكم علامة تعتبرون بها، وتستدلون على أن الله حافظكم وناصركم، ويرشدكم طريقا مستقيما لا اعوجاج فيه. وقد وعدكم الله غنيمة أخرى لم تقدروا عليها، الله سبحانه وتعالى قادر عليها، وهي تحت تدبيره وملكه، وقد وعدكموها، ولا بد من وقوع ما وعد به. وكان الله على كل شيء قديرًا لا يعجزه شيء. ولو قاتلكم كفار قريش بـ «مكة» لانهزموا عنكم وولوكم ظهورهم، كما يفعل المنهزم في القتال، ثم لا يجدون لهم من دون الله وليًا يواليهم على حربكم، ولا نصيرًا يعينهم على قتالكم 100.

ويجدر أن أختم هذه الفقرة عن الغنائم في العصر الحاضر بالقول: إن بعض العلماء المعاصرين يرى أن القرآن الكريم لم ينص على وجوب توزيع الغنائم الحربية -حتى المنقولة منها- بين المجاهدين الفاتحين، وإنما نصت آية الأنفال على مصارف معينة لخمس الغنائم، وأن توزيع الأخماس الأربعة على الغانمين إنما جاءت به السنة، وهو من السياسة الشرعية والتدابير المصلحية التي يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام بصفة ولايته العامة في الحكم والإدارة، فلا تفيد حقًا تشريعيًا ثابتًا لا يتبدل.

بل إن كل من يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الولاية العامة أن يلجأ إلى تدبير آخر عند الحاجة، كما كان ذلك ممكنًا للنبي نفسه صلى الله عليه وسلم. فإذا تبدلت الظروف واقتضت الحاجة نظامًا آخر للجندية تقوم فيه حقوق الجيش المجاهد لا على اقتسام الغنيمة، بل على أساس إعاشةٍ ووظائف ماليةٍ مرتبة للجند، وتكون الغنائم الحربية كلها للدولة ولا حق فيها للمقاتلين، كما في زماننا وأنظمتنا اليوم، فذلك سائغ شرعًا، وهو من قبيل الاستصلاح في شؤون الإدارة العامة.

غير أن نظام توزيع الغنائم كان في صدر الإسلام هو التدبير الممكن من الوجهة المالية، وهو الأصلح أيضًا لسياسة الجهاد بالنسبة إلى العرب في ذلك الزمن من الوجهة العرفية 101.

الجزية في اللغة: مشتقة من الجزاء -وهو المكافأة على الشيء- يقال: جزاه به وعليه جزاءً، وجازاه مجازاةً وجزاء. وهي على وزن فعلة لأنها تدل على الهيئة - أي هيئة أخذ المال- والجمع جزىً وجزيٌ وجزىً وجزاءٌ 102.

وفي الاصطلاح الفقهي: هي المال الذي يؤخذ من الكفار بعقد الذمة مقابل حمايتهم وعصمة دمائهم بخضوعهم لنظام الإسلام، وإقامتهم في دار الإسلام. سميت بذلك؛ لأنها تجزئ الذمي عن القتل، فإنه إذا قبلها سقط عنه القتل؛ لأن الله تعالى جعل إعطاءها -عند عدم الإسلام- سببًا لمنع القتل 103.

وكان وضع الجزية على الشعوب المغلوبة عادة مألوفة منذ عهد طويل قبل الإسلام، وقد سلك المسلمون سبيل من سبقهم في هذه الوسائل المالية بعد أن صبغها الإسلام بصبغة خاصة، وجعلها عنوانًا على الخضوع العام للنظام الإسلامي، وكان هذا يغلب على الجانب المالي، فكان المسلمون يصالحون الذميين على الجزية، ويعفون فريقًا منهم منها فيأخذونها باسم الصدقة -كبني تغلب- وقد يسقطونها عنهم لأسباب ومسوغات.

وفي مشروعية الجزية التي تترتب على عقد الذمة للكفار الذين يرتضون بها، يقول الله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] .

وأجمع العلماء على أن الجزية تؤخذ من الرجل البالغ العاقل الصحيح البدن الموسر إذا كان حرًّا. واختلفوا بعد ذلك في بعض الجزئيات والصور. وتسقط الجزية بعد وجوبها بأسباب أربعة: الإسلام و الموت؛ وحدوث آفة على الذمي تمنع وجوب الجزية، كأن صار أعمى أو فقيرًا لا يقدر على شيء، و إذا اجتمعت جزية سنين، فتسقط عنه 104.

والذي يذكر هنا أن الجزية على الذميين، ونظام الذمة الذي بحثه الفقهاء، انتهى العمل به في الواقع منذ نشأة الدولة القومية المعاصرة، وعدم قيامها على أساس الدين والعقيدة الدينية، وظهور الدولة المدنية ونظام المواطنة والجنسية المعاصرة، منذ أواخر عهد الدولة العثمانية.

الأسر في اللغة العربية هو الحبس والإمساك. أو هو الشد بالقيد، مأخوذ من قولهم: أسرت القتب، بمعنى شددته. ومنه سمي الأسير؛ لأنهم كانوا يشدونه بالقد وهو الإسار. ثم كثر استعماله حتى سمي كل من يؤخذ قهرًا: أسيرًا، وإن لم يشد أو يقيد 105.

ويعرف الفقهاء الأسرى بأنهم الرجال المقاتلون من الكفار الذين ظفر بهم المسلمون في الحرب. كما يطلق الأسير على الحربي الذي دخل دار الإسلام دون عهد أو أمان فوقع في يد المسلمين قبل أن يسلم. ويقسم الفقهاء الأسرى إلى أقسام، ولكل منهم أحكام تخصه 106.

وحسبنا هنا الإشارة إلى الآيات الكريمة في الأسر وأحكام الأسرى ومعاملتهم، مع إضاءات سريعة حول ذلك من أقوال المفسرين وأهل العلم.

قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) } [الأنفال: 67 - 69] .

وقد نزلت هذه الآيات الكريمة هذه معاتبة من الله لرسوله وللمؤمنين يوم «بدر» إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء، فكانت بيانًا لما هو الأجدر والأولى فيما ينبغي في شأن الأسرى وتقرير مصيرهم.

قال الإمام محيي السنة البغوي رحمه الله 107: روى الأعمش عن عمر بن مرة، عن أبي عبيد، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما تقولون في هؤلاء؟) فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك فاستبقهم، واستأن بهم، لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية، تكون لنا قوة على الكفار.

وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، قدمهم نضرب أعناقهم، مكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، ومكني من فلان -نسيب لعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر.

وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم نارًا. فقال له العباس: قطعت رحمك. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم، ثم دخل.

فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة.

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (إن الله تعالى ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36] .

ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى حيث قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) } [المائدة:118] .

وإن مثلك يا عمر مثل نوح حيث قال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح:26] .

ومثل موسى قال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [يونس: 88] .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنتم اليوم عالة، فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق) .

قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي الحجارة من السماء من ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إلا سهيل بن بيضاء) 108.

قال ابن عباس: قال عمر بن الخطاب فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله تعالى هذه الآيات 109.

وأخبرهم أنه لأجل ما علم في قلوبهم من الخير غفر لهم فلم يعذبهم بتسرعهم إلى إسار من لم يأمرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم للمفاداة دون توقف على إذنه، ورحمهم فأحسن إليهم فأحل لكم الغنائم ولما ساق سبحانه وتعالى هذه البشارة في النذارة، سبب عنها قوله: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ} أي: من الفدية وغيرها حال كونه {حَلَالًا} أي: لا درك ولا تبعة فيه من جهتي {طَيِّبًا} أي: شهيًّا لكم ملائمًا لطباعكم.

وهذا إذا كان مع الشروط التي أقمتها لكم من عدم الغلول والخيانة بوجه من الوجوه والاستئثار وشدة الرغبة السائقة إلى ما لا يليق من التنازع وغيره، ذلك فيما تقدمت فيه إليكم {وَاتَّقُوا اللَّهَ} أي: الذي له جميع صفات الكمال في جميع ذلك، فلا تغلوا ولا تنازعوا ولا تقدموا إلا على ما يبيحه لكم الرسول صلى الله عليه وسلم {إِنَّ اللَّهَ} أي: المتصف بالجلال والإكرام {غَفُورٌ} أي: لمن يعلم من قبله أنه من أهل التقوى {رَحِيمٌ} له؛ لأنه أهل للرحمة، فلأجل ما علم في قلوبكم من الخير غفر لكم فلم يعذبكم بتسرعكم إلى إسار من لم يأمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم للمفاداة دون توقف على إذنه، ورحمكم فأحسن إليكم فأحل لكم الغنائم 110.

وبعد هذا البيان والعتاب ثم الإقرار للتصرف و العفو عنهم فيما كان منهم خلاف الأولى و الأجدر، بعد هذا كله يلمس القرآن الكريم قلوب الأسرى لمسة تحيي فيها الرجاء، وتطلق فيها الأمل، وتشيع فيها النور، وتعلقها بمستقبل خير من الماضي، وبحياة أكرم مما كانوا فيه، وبكسب أرجح مما فقدوا من مال وديار. وبعد ذلك كله بالمغفرة والرحمة من الله.

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 70] .

وهذه الآية نزلت أيضًا في أسارى يوم بدر، وكان في جملتهم العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما طلب منه الفداء، ادعى أنه مسلم قبل ذلك، فلم يسقطوا عنه الفداء، فأنزل الله تعالى هذه الآية جبرًا لخاطره، ومن كان على مثل حاله، وقد أنجز الله وعده للعباس وغيره، فحصل له -بعد ذلك- من المال شيء كثير، حتى إنه مرة لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مال كثير، أتاه العباس فأمره أن يأخذ منه بثوبه ما يطيق حمله، فأخذ منه ما كاد أن يعجز عن حمله 111.

وهذا الخير كله -وقد وعدهم الله به- معلق بأن تصلح قلوبهم، فتتفتح لنور الإيمان، فيعلم الله أن فيها خيرًا، والخير هو الإيمان حتى ما يحتاج إلى ذكر وتنصيص، الخير محض الخير، ولا يسمى الشيء ما خيرًا إلا أن يستمد منه وينبثق منه ويقوم عليه.

إن الإسلام إنما يستبقي الأسرى لديه، ليلمس في قلوبهم مكامن الخير والرجاء والصلاح، وليوقظ في فطرتهم أجهزة الاستقبال والتلقي والتأثر والاستجابة للهدى. لا ليستذلهم انتقامًا، ولا ليسخرهم استغلالًا كما كانت تتجه فتوحات الرومان، وكما تتجه فتوحات الأجناس والأقوام! عن الزهري عن جماعة سماهم قال: بعثت قريش في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا 112.

وقال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: (يا رسول الله قد كنت مسلمًا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أعلم بإسلامك، فإن تكن كما تقول فإن الله يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن فهر) : قال: ما ذاك عندي يا رسول الله!

قال: (فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل، قلت لها: إن أصبت في سفري هذا فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد الله وقثم؟) . قال: (والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله. إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت