لكنه يتخفى ويتكتم؛ ليظهر الله لهم حاله، كما أظهر كفر إبليس للملائكة بخلق آدم، فالله بهذا يستهزئ بهم بأن يريهم ما يرضونه، حتى إذا جاء وقت الحصاد وجدوا حصادهم هشيمًا، وألفوا جناهم نارًا؛ ليشتعل هشيمهم بنارهم فيزدادوا احتراقًا، ويجدوا أنفسهم في أسفل دركات النار، فقد اشتروا الضلال والانحراف والزيغ والهلاك وما هو الثمن، إنه الهدى والإيمان والاستقامة والأمان 46، فهل بعد هذا الخسران من خسران؟ نسأل الله السلامة من الخذلان.
رابعًا: تنزيه الرسل عن الاستهزاء:
إنهم غلاظ الطباع، وقساة القلوب، الذين ما أدركوا نبيًا من أنبياء الله إلا ساموه ألوان الأذى، وقد ذكر الله من ذلك ما فعلوه بنبيه موسى عليه السلام أصنافًا، إنهم اليهود، الذين لا مواثيق لهم ولا عهود، أحوالهم مع أنبياء الله، لم يحفظوا للنبوة حقها ولا للرسالة قدرها، فظنوا أن الرسول يكون منه ما يكون من غيره من سفاهة العقل، وصلافة الهزل، وجلافة القول، كما يكون من أمثالهم، وخبر ذلك ما كان بينهم وبين نبي الله موسى الكليم الحليم عليه السلام في قصة البقرة.
يقول الله جل جلاله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] .
يخبرهم بأمر جاءه من عند الله، فيرمونه بالاستهزاء، وهذا الأمر لو وقع من إنسان معيب لزاده عيبًا، ولما سكت عنه من سمعه، فكيف يتهمون به نبيًا كريمًا من أولي العزم، وله خاصية التكليم، ورأوا على يديه من الآيات ما رأوا، وخاض بهم البحر وأنجاهم الله عز وجل به من سوء عذاب فرعون، وأحياهم الله بدعائه بعد الموت، مواقف وآيات وعبر لا حصر لها، لكنهم لهم قلوب أشد قساوة من الحجارة، وأيبس من الصخر، فأجابهم عليه السلام بكل أدب، وسعة صدر وحلم، فقال: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] 47.
إنه موطنٌ الاستهزاء فيه يكون حماقة، فالواقعة واقعة قتل، والحال حال لا يسوغ أن يكون الاستهزاء فيها لائقًا بنبي؛ لأنه في معرض سؤال عن أمر لا يجوز الجواب عنه إلا بالحق، ولا يكون فيه العلم إلا من عند الله عز وجل، والاستهزاء بحالة كهذه استهزاء نقص، لا يليق بمقام النبوة، ولو كان المقام مقام بيان لحال عجز آلهة عبدت من دون الله، واعتقاد باطل لا يسوغ لعاقل أن يرضاه، لكان جائزًا كما حدث مع إبراهيم عليه السلام مع قومه وآلهتهم، في قول الله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات: 88 - 93] .
فهو يعتذر لهم بالسقم الذي لم يكن مصابًا به، كما أخبر بذلك أبو هريرة رضي الله عنه فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذباتٍ، ثنتين منهن في ذات الله عز وجل قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] .
وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] ... ) 48.
فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن فعل إبراهيم في هذين المقامين إنما كان في ذات الله، أما في غير مثل هذه الحال فلا يليق بالرجل الكامل أن يستهزئ بشيء.
فالأول: استهزاء بالنجوم التي ليس بيدها الشفاء.
والثاني: استهزاء بالآلهة؛ لعلمه أنها لا تنطق، ولا تأكل ولا تشرب 49.
والثالث: استهزاء بقومه ومعتقدهم في آلهة لا تستطيع أن تدافع عن نفسها، ولا أن تجيب من يسألها 50، ليس من باب الهزل، أو لغو القول، بل من باب إيقاظ العقل، ودفع الجهل، وكشف الظلمة، وإزاحة العتمة عن حقيقة الألوهية، وما هم فيه من قبيح العبودية، بطريقة من الاستهزاء مرضية.
-أولًا: الاستهزاء بالكتب المنزلة:
حينما يعجز المعاند للحق عن إقامة الدليل على صحة ما ينادي به وما يدعو إليه، تجده يلجأ إلى الحيل الدفاعية السلبية الرديئة، فيلجأ إلى الهروب والانسلاخ الوجداني والانفعالي من الموقف الذي يظهر فيه وضوح الحق، حتى لا يغلبه الحق على هواه، وهذه أولى خطواته، معززًا حاله بأسلوب السخرية والاستهزاء، ويكذب بالحق الذي يدعوه ما استقر في نفسه من اليقين بصدقه، لكنه يجحده، وينتهج أسلوب الغوغائية وإثارة غبار الكلام في عيون العقول؛ ليشوش بذلك على المستمعين بآذان الألباب؛ ليوقع الشكوك في نفوس أصحابها فيما جاءهم من الحق، وقد عرض القرآن استهزاءهم الذميم، والأحوال التي ترديهم في مهاوي الجحيم، وإن من صور استهزائهم ما يأتي:
الإعراض: وهو الأسلوب الذي أوصى به الله سبحانه وتعالى عند تطاول السفهاء فهو بلا أدنى شك أسلوب حكيم في مثل هذا الموطن، ولا يفعله العبد عن عجز، بل يترفع ويربأ بنفسه عن مجاراة السفيه في سفاهته، وفيه يقول الشاعر 51:
يخاطبني السفيه بكل قبحٍ
وأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهةً وأزيد حلمًا
كعودٍ زاده الإحراق طيبا
وجاء ذلك في قول الله جل جلاله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .
لكنه في مواطن أخرى يكون من أقبح السفه، وذلك حين يفعله من يفعله إعراضًا عما ينفعه ويرفعه، حيث يجد من داخله انهزامًا في مواجهة الحق ورده، فيعرض عنه عجزًا عن مقاومته، وهو بذلك ينزل بنفسه إلى أحط مستويات الدونية، ويلقي بها في أسفل دركات الردية، ويخبر الله عز وجل عن فاعليه بقولهم: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الشعراء: 5 - 6] .
فإن الإعراض عما يأتيهم من رحمته سبحانه وتعالى مما يكون به محض منفعتهم شنيع قبيح؛ فما يأتيهم من المواعظ القرآنية تذكرهم أكمل تذكير، وتنبههم عن الغفلة أتم تنبيه، فإن الله سبحانه وتعالى بمقتضى رأفته الواسعة يجدد لهم تنزيله حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة، فيجددوا إعراضًا عنه على وجه التكذيب والاستهزاء وإصرارًا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال 52.
الجدال بالباطل: يعلم أعداء الله أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق، وكل خبر يأتي به فإنه حتمًا واقع، لكن عنادهم طغى عليهم، فأرادوا أن يبطلوا ما جاءهم به بباطلهم، لكنهم لا يملكون الحجة على رده، فاستهزءوا به على سبيل الجدل، يقول سبحانه وتعالى في شأنهم: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} [الكهف: 56] .
كان الذين جاء وصفهم في هذه الآية يريدون أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالآيات على أهوائهم؛ ليبطلوا ما جاء به صلى الله عليه وسلم، وكان من جدالهم استهزاؤهم بالبعث، وبشجرة الزقوم، وبتحريم الميتة، وكذا بعدد خزنة جهنم 53.
إنكار الفائدة من نزول القرآن: كان المنافقون إذا نزلت سورة من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم لا ينتفعون بها؛ لأن مادة الخبث كلما زاد الخبث كانت أكثر نقصًا، أما مادة الخير كلما زاد الخير كانت أعظم زيادة وأوفر بركة؛ لذلك يقول الله سبحانه وتعالى فيهم: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 124 - 125] .
فهم لفساد طبعهم وسوء مادتهم لا يجدون ما يجده المؤمنون من انتفاع تظهر آثاره عليهم، فيستهزئون بهم بالتساؤل عن زيادة الإيمان التي يعلنها المؤمنون ولم يجدوها، فبين القرآن أن هذا الاستهزاء من الرجس والخبث الذي ازداد به رجسهم فازدادوا نقصًا، وأعقبهم كفرًا حتى ماتوا على الكفر 54.
الخوض: قد عد الله عز وجل عدم توقير الله جل جلاله عند قراءة كلامه كفر، وجعل الخوض فيها استهزاءً، فأمر المؤمنين بعدم مجالسة الفاعلين لهذا الأمر، ونهى عن القعود معهم، والذي لا يدفعه فعلهم هذا لمفارقتهم حاله مثل حالهم.
يقول المولى جل جلاله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] .
ثانيًا: الاستهزاء بالبراهين والحجج:
ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه نموذجًا للمستهزئين، وهم الذين كانوا يستهزئون بالأدلة والبراهين القاطعة على صدق المرسلين، وقد مكن الله لهم في الأرض، وآتاهم أدوات الفهم والإدراك وأراهم الآيات ولكنهم اتخذوها هزوًا ولعبًا، يقول الله عز وجل مبينًا خبرهم: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأحقاف: 26] 55.
وأخبر عن الذين يفعلون مثل فعلهم، ويتخذون رسل الله عليهم السلام الذين هم حجة الله على خلقه 56 استهزاءً وسخريةً، يقول سبحانه: {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا} [الكهف: 106] .
فبين أن مصيرهم المحتوم ومآلهم المشئوم جهنم، وبئس المستقر الدائم جزاءً لهم على استهزائهم.
ثالثًا: الاستهزاء بالوعيد:
تجرأ أعداء أنفسهم لما اغتروا به من سعة حلم الله وإمهاله لهم، وظنوا أن بمقدورهم إعلان التحدي، وحسبوا أن الله يعجل بعجلة أحدهم، فتساءلوا لقد اقترفنا ما نستحق به حلول الوعيد الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فأين هذا العذاب؟! وهذا ما جاء في قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [هود: 8] .
ويذكر الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم أن ما وقع من قومه من ذلك وقع مثله من الأمم السابقة، يقول جل جلاله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنبياء: 41] .
وقد أحاط بهم ووقع ما كانوا يجعلونه محط سخريتهم واستهزائهم من العذاب الذي كانوا يستعجلون وقوعه 57.
رابعًا: الاستهزاء بالأحكام الشرعية:
بين الله سبحانه وتعالى في كتابه حدود العلاقات بين الناس في القرآن الكريم، ورتب عليها أحكامًا؛ لمنع الخصومات وسدًا لباب الفساد، وذكر الله جل جلاله أن التلاعب بهذه الأحكام هو من الاستهزاء بآياته، خاصة إذا كان هذا في أمر وصف الله ميثاقه بأنه غليظ، وقد ترتكب بسبب التلاعب به الفواحش، واستحلال ما حرم الله عز وجل، والمقصود هنا النكاح والطلاق، وما يتعلق بهما من أحكام، يقول الله عز وجل: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231] .
وإن إنزال مثل هذه الأحكام في كتاب الله لهو من نعم الله عز وجل علينا والتي توجب علينا شكرها والقيام بحقها، لا أن يكون تعاملنا معها على سبيل الاستخفاف والتلاعب والاستهزاء 58.
خامسًا: الاستهزاء بالعبادات:
كان المشركون والكفار المخالفون للمسلمين-ولا زالوا- يقدحون في دين المسلمين، ويتخذونه هزوًا ولعبًا، خصوصًا الصلاة التي هي أظهر شعائر المسلمين، وأجل عباداتهم، فإنهم إذا نادوا إليها اتخذوها هزوًا ولعبًا، وذلك لعدم عقلهم ولجهلهم العظيم، وإلا فلو كان لهم عقول لخضعوا لها، ولعلموا أنها أكبر من جميع الفضائل التي تتصف بها النفوس، ولقد علمتم -أيها المؤمنون- حال الكفار وشدة معاداتهم لكم ولدينكم، واستهزاءهم به، فمن لم يعادهم بعد هذا دل على أن الإسلام عنده رخيص، وأنه لا يبالي بمن قدح فيه أو قدح بالكفر والضلال، وأنه ليس عنده من المروءة والإنسانية شيء.
فكيف تدعي لنفسك دينًا قيمًا، وأنه الدين الحق وما سواه باطل، وترضى بموالاة من اتخذه هزوًا ولعبًا، وسخر به وبأهله، من أهل الجهل والحمق؟! وهذا فيه من التهييج على عداوتهم ما هو معلوم لكل من له أدنى مفهوم، وفيه يقول الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 57 - 58] .
وكانوا يهزأون بالأذان، والقيام والركوع والسجود في الصلاة 59.
-الاستهزاء الذي لا يكون له هدف سامٍ نبيل، ولا مسوغ لاستعماله، ولا هو من قبيل مكافأة المسيء من جنس إساءته، لاشك أنه عبثٌ وسفه وجهل وحمق، ولا يصدر إلا عن ناقص بوجه من الوجوه، هذا إن كان الاستهزاء في أمر غير ذي بال، فكيف إذا كان الاستهزاء بأقدس ما أظلت السماء وأقلت الغبراء، أو بمن يحمله، إنه لمن المسلم به أن يكون فاعله يتصف بأقبح النعوت، ويتلبس بأخس الأحوال، وأن السبب الحامل لهم على ذلك هو وجود هذه الصفات فيهم، ولم يغفل القرآن بيان تجليتهم وإظهار حالهم، تسليةً للمؤمنين، وتوبيخًا للفاعلين، وقد وصف القرآن المستهزئين تارةً بالكفر، وذكر الفعل في معرض النفاق أخرى، أو أن منبعه الجهل ثالثة، وقد يكون الحامل عليه الكبر أخرى.
أولًا: الكفر:
عرفنا ما هي الحال التي يكون عليها الجاحدون من الاستهزاء والجدال بالباطل، وذلك عند عجزهم عن دحض الحق الذي ليس من شأنه أن يدحض، وما حملهم على هذا الفعل إلا الكفر الذي هم به متمسكون، والإنكار الذي هم به متشبثون، يقول الله: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} [الكهف: 56] .
وقد بين الله سبحانه وتعالى أن دحض الحق بالباطل لا يكون أبدًا، ولو عقل هؤلاء لخضعوا وأذعنوا للحق الذي جعله الله دامغًا للباطل، يقول تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18] .
وبه تكون حجتهم داحضةً، يقول الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 16] .
وأن الحق هو الباقي فقال أيضًا: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 8 - 9] .
«وكل شيء ثابت غير زائل ولا مضمحل تسميه العرب حقًا» 60، وكما هو معلوم أنه «ليس بعد الكفر ذنب» 61، وهم بكفرهم هذا متلبسون بأعظم الظلم؛ لذلك أعقب الله جل جلاله ذكرهم فاعلين للاستهزاء بقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف: 57] .
فإنه لا يوجد أحد أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها، واستهزأ بها وصد عنها، وهذا ذنبهم وهذا وصفهم الذي يستحقون 62.
ثانيًا: النفاق:
يفرح المنافقون بما انخدعوا به من إمهال الله عز وجل لهم، ومعاملتهم على وفق ما يريدون من معاملة في الدنيا، ظانين بذلك أنهم تمكنوا من خديعة المؤمنين، فيجرؤهم ذلك على التمادي في طغيانهم، فيصل بهم الأمر إلى الاستهزاء بالدين، والإعلان أنهم هم المصلحون على سبيل حصر أحوالهم وأفعالهم على الإصلاح، وأن ما عليه المؤمنون هو السفه، وما هم عليه هو الرشد، وذلك بمصانعة أعداء الله عز وجل وإثبات الولاء لهم، وإظهار شعائر الإيمان بين المؤمنين، وإعلان ما كتموه من الاستهزاء بالمؤمنين بين الكافرين.
يقول الله سبحانه وتعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة:9 - 14] .
وما علم هؤلاء أن ترك عقابهم هو جزاء من جنس العمل، كما يقول الله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] .
وهم لضعف نفوسهم تجدهم يترقبون نزول القرآن خشية أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ما يفضحهم، يقول تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} [التوبة:64] .
وهذا أمر كائن لا محالة، فإنه وإن لم ينزل بكشف أسمائهم، إلا أنه نزل ببيان ما يعرفون به من أحوالهم.
قال الله: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد:30] .
والفائدة في كشف حقيقتهم، وبيان سلوكهم، وما يعرفون به أعظم من ذكر أسمائهم؛ لأنهم قوم يتكررون في كل زمان، فيصير الحال أن كل من ظهرت منه هذه الصفات علم نفاقه، ولحن القول: هو فلتات لسانه التي تكشف أحوالهم، وقديمًا قالوا: كاد المريب أن يقول: خذوني، وقد جاء من وصفهم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاثٌ: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) 63.
ثالثًا: الكبر: