قال سبحانه وتعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) } [الأعراف:73] فاقتران الدعوة إلى التوحيد بالإشارة إلى الناقة يدل على أنه طلب منهم الإيمان عقب مجيئها.
ثانيًا: تقسيم الماء بينهم وبين الناقة.
فلقوم صالح عليه السلام يوم، وللناقة يوم، في يومهم لا ترد الناقة الماء فيأخذون ما يكفيهم ويكفي بهائمهم، وفي يوم الناقة لا يريدون الماء.
وفي ذلك يقول تعالى: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) } [الشعراء:155] وقوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) } [القمر:28] .
كما حذرهم صالح عليه السلام من نقص حصة الناقة من الماء.
قال تعالى: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) } [الشمس:13] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أي: احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء ولا تعتدوا عليها يوم سقياها، فإن لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم» 67.
ثالثًا: أن لا تمس الناقة بأي سوء.
وقد حذرهم من مساس الناقة بسوء تحذيرًا صارمًا واضحًا، ونبههم بأنه يستدعي العذاب العاجل.
قال تعالى حكاية عن سيدنا صالح عليه السلام: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) } [الأعراف:73] .
فقد اقتصر النهي في هذه الآيات عن مس الناقة بسوء فلم ينههم عن عقرها أو قتلها.
وفي ذلك لطيفة عبر عنها ابن عاشور بقوله: «وأنيط النهي بالمس بالسوء، لأن المس يصدق على أقل اتصال شيء بالجسم فكل ما ينالها مما يراد منه السوء فهو منهي عنه» 68.
وقد كان خروج الناقة ابتلاء لثمود كما قال تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) } [القمر:27] .
فهي ابتلاء لثمود أيؤمنون بصالح عليه السلام كما وعدوه بذلك؟ أم ينكصون ويكفرون، وكان الابتلاء عدم مساسهم بالناقة بسوء وتقسيم الشرب بينهم.
أما صالح فقد أمر أن ينتظر يرتقب ما يؤول إليه أمرهم بعد هذا الامتحان وأن يصبر عليهم حتى يأتي الفرج من الله. إلا أن قوم ثمود خسروا الامتحان ونكثوا العهد وأصروا على الكفر والتكذيب، وبذلك حكموا على أنفسهم باستحقاق العذاب، وكذلك عتوا في الضلال والعناد وضاقوا ذرعًا بالناقة ويوم شربها، وكبر عليهم رؤيتها تجوب وديانهم وحقولهم شاهدة على قدرة الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) } [هود:65] .
وقال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) } [الشعراء:157 - 158] .
والربط بين عقر الناقة وهلاك القوم (بالفاء) في هذه الآيات كلها يدل دلالة واضحة على أن عقرها كان السبب المباشر لهلاكهم 69.
والعقر: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف 70.
وأطلق العقر مكان النحر من باب إطلاق اسم المسبب على السبب.
وعلى الرغم من استجابة سيدنا صالح عليه السلام لقومه في إخراج الناقة لهم، وتحذيره إياهم، فإنهم كانوا قومًا مفسدين، فلم يستجيبوا لنداء الله تعالى ولا لتحذير رسوله فعقروا هذه الناقة. ويأتي البيان الإلهي ليصف هذا التعدي على حدود الله وعاقبة ذلك. لنتأمل الآيات الثلاث الآتية:
1. (فَعَقَروها فَقالَ تَمَتَّعوا في دارِكُم ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعدٌ غَيرُ مَكذوبٍ) [هود:65] .
2. (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ) [الشعراء:157] .
3. (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا) [الشمس:14] .
فالآية الأولى تحدثت عن وعد صالح عليه السلام لهم بالعذاب جزاء فعلتهم، ثم تأتي الآية الثانية لتعبر عن ندمهم لأنهم أدركوا أن العذاب واقع لا محالة. أما الآية الثالثة فجاءت بالعذاب مباشرة.
{فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ} . إذن جاء التدرج الزمني للأحداث عبر الآيات الثلاث من الوعد بالعذاب .. إلى اقتراب هذا العذاب حيث لا ينفع الندم.
وأخيرًا وقوع هذا العذاب، ومع أن هذه الآيات متباعدة من حيث النزول ومن حيث الترتيب في القرآن فقد جاءت متناسقة ومتدرجة وتعبر تعبيرًا دقيقًا عن حقيقة هذه القصة.
وقد أسند العقر إلى قوم ثمود جميعًا مع أن الذي باشره شخص واحد منهم كما في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) } [الشمس:11 - 12] .
وذلك لأنهم كلهم متواطئون راضون على عقرها.
قال الطبري رحمه الله: «عن رضى جميعهم قتلها قاتلها وعقرها من عقرها، ولذلك نسب التكذيب والعقر إلى جميعهم» 71.
وقد سعى في قتل الناقة تسعة رجال من ثمود كانوا يحرضون من قتلها يدفعونه دفعًا.
قال تعالى: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) } [القمر:29] .
وبهذا فالقبيلة مشتركة في قتلها جميعًا لا ذلك الرجل العارم 72، ولا التسعة المفسدون.
قال الطبري رحمه الله تعالى: إن الذي عقر الناقة أشقى ثمود يسمى قدار بن سالف، وكان أحد التسعة المفسدين الذين قال تعالى فيهم: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) } [النمل:48] .
وقد جاءت صفته في الحديث الصحيح الذي ذكره الإمام البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: (إذا انبعث أشقاها انبعث لها رجل عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة) 73 الذي ظن أن منعته في قومه تحميه من العذاب الموعود به على عقر الناقة، فكانت جريمته هذه والتي مالأه عليها قومه سببًا في إنزال الهلاك بهم، فآتاهم الله سبحانه وتعالى بعذاب الصيحة، فهي صيحة واحدة قطعت نياط قلوبهم وتركتهم أجسادًا هامدة. أما ولد الناقة فيقال: إنهم ذبحوه مع أمه، وقال آخرون: إنه دخل في صخرة فغاب فيها، والله أعلم.
قال تعالى: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) } [الأعراف:77] .
فلما فعلوا ذلك وبلغ الخبر صالحًا فجاءهم وهم مجتمعون، فلما رأى الناقة بكى، وقال: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود:65] .
خامسًا: قوم ثمود يسعون في قتل رسولهم:
فعزم بعدها التسعة رجال هؤلاء على قتل صالح، فلما عزموا على ذلك وجاءوا من الليل ليفتكوا به، فأرسل الله سبحانه وتعالى عليهم حجارة فقتلتهم قبل قومهم. فأحبط الله بذلك مخططات القوم الكافرين وخدعتهم، وأنقذ صالحًا من بين يدي من أرادوا به سوءًا 74.
وبقي قومه على إعراضهم وعدم رغبتهم في الاستجابة له، أخبرهم بما سيصيبهم من هلاك خلال ثلاثة أيام.
قال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) } [هود:65] .
وقال تعالى: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68) } [هود:67 - 68] .
فصاروا صرعى لا أرواح فيهم. ولم يفلت منهم أحدًا، لا صغير ولا كبير ولا ذكر ولا أنثى 75.
1.أنعم الله تعالى على ثمود بنعم جليلة توجب شكرها، لكن كان لثمود موقفٌ منها نوضحه فيما يأتي:
أولًا: نعم الله تعالى على ثمود:
بعد أن وجه سيدنا صالح عليه السلام قومه إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعباده، شرع يذكرهم بنعم الله جلّ وعلا عليهم بأنه أنشأ أباهم آدم من التراب.
وقال لهم أيضًا: {قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود:61] .
أي: هو الذي خلقكم، فأنشأكم من الأرض، وجعلكم عمارها، أي: أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار، فهو الخالق الرزاق، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا سواه.
{فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا} أي: أقلعوا عما أنتم فيه، وأقبلوا على عبادته فإنه يقبل منكم، ويتجاوز عنكم.
{وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أي: وجعلكم عُمَّارًا فيها من العمران، فقد كانوا زُرَّاعًا وصُنَّاعًا وبنائين، {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) } [الحجر:82] .
وقيل: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ} من العمر، أي: أطال أعماركم فيها، والصحيح الأول. واستعمرهم في الأرض، أي: جعلهم عمارها بعد من كانوا فيها من سلفكم وأبيدوا، وأطال أعمارهم فيها حيث كانت أعمارهم تتراوح ما بين ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة، فكانوا ينجرون الحجارة ويتخذون لأنفسهم من الجبال بيوتًا، أي: يخرقونها في الجبال، ولذلك عدلوا عن بناء الطين 76.
وقيل: ومعنى الإعمار: أنهم جعلوا الأرض عامرة بالبناء والغرس والزرع؛ لأن ذلك يعد تعميرًا للأرض، حتى سمي الحرث عمارة؛ لأن المقصود منه عمر الأرض 77.
كانت لثمود حضارة عمرانية واضحة المعالم، فقد كانوا مهرة في نحتهم الجبال واتخاذها بيوتًا، يسكنون فيها في الشتاء؛ لتحميهم من الأمطار والعواصف التي تأتي إليهم من حين لآخر واتخذوا من السهول قصورًا يقيمون فيها في الصيف. كما مهارة ظاهرة في البناء وقدرة على العمارة لا زالت ماثلة إلى يومنا هذا من نقوش على الحجر، وقطع في واجهات الصخور تنم عن قدرة عظيمة على النحت 78.
قال سبحانه وتعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) } [الأعراف:74] .
وقال تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) } [الشعراء:149] .
يقول ابن كثير: بينما كانوا حاذقين ومهرة في البناء والنقش، ألا أنهم جعلوها للمباهاة والفخر؛ أشرًا وبطرًا وعبثًا 79.
وقال تعالى في حقهم أيضًا: {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) } [الحجر:82] .
قال ابن كثير: أي: من غير احتياج إليها، بل أشرًا وبطرًا وعبثًا 80.
وقال تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) } [الفجر:9] أي: نحتوا الصخر 81.
وأنعم الله عز وجل على ثمود بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، فأعطاهم الأرض الخصبة، والماء العذب الغزير، والحدائق والنخيل، والزروع والثمار. قال سبحانه وتعالى: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) } [الشعراء:146 - 148] .
{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ} أي: في الدنيا من العذاب {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا} أي: ثمرها الذي يطلع منها {هَضِيمٌ} قال ابن عباس: لطيف يانع نضيج، وقيل: هو اللين الرخو. وقيل: متهشم يتفتت إذا مس. وقيل: الهضيم هو الذي دخل بعضه في بعض من النضج أو النعومة 82.
قال الله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) } [هود:61] .
أمرهم بالاستغفار، أي: طلب غفران الذنوب من الله جلّ وعلا والتوبة إليه؛ لأنّه تواب رحيم قريب مجيب.
فإن ما فصل من فنون الإحسان داعٍ إلى الاستغفار عما وقع منهم من التفريط والتوبة عما كانوا يباشرونه من القبائح 83.
ومن تفنن الأسلوب أن جعلت هذه النعم علة لأمرهم بعبادة الله وحده بطريق جملة التعليل، وجعلت علة أيضًا للأمر بالاستغفار والتوبة بطريق التفريع 84.
وتدل الآثار الموجودة الآن في مدائن صالح على ما كانوا فيه من رغد العيش، تدل عليه واجهات الغرف الجميلة التي نحتها الثموديون في الحجر داخل الصخور، والتي تحتوي على أشكال بديعة وعلى سلالم وزخارف وأشكال حيوانات كالأسود والطيور.
قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) } [الأعراف:74] .
ومع هذا العمران والحياة الطيبة كانوا مفسدين مشركين.
ثانيًا: موقف ثمود من نعم الله تعالى عليهم:
1.الجحود.
لم تقابل ثمود نعم الله تعالى عليها بالشكر والعرفان، بل قابلوا هذه النعم بالجحود والكفران والنكران، فأرسل الله تعالى إليهم أخاهم صالحًا عليه السلام، فدعاهم إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأصنام، فكذبوه وطالبوه بآية دالة على صدقه صلفًا وتكبرًا وعنادًا، فآتاهم الله تعالى الناقة آية بينة وحجة بالغة.
قال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) } [القمر:23 - 26] .
ويروي لنا القرآن أن ثمودًا كذبوا واستهتروا بالنذر التي أرسلها الله إليهم مثل عاد، فلاقوا نفس المصير.
وقال تعالى: {أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود:62] يعني: إنا مرتابون في قولك، من أرابه، إذا أوقعه في الريبة، وهي: قلق النفس ووقوعها في التهمة 85.
2.المعاداة.
بدأ قادة ثمود وكبراؤها المعاداةلسيدنا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد كان صالح فردًا من أفراد القوم، إلا أن قومه لم يكونوا يتوقعون أن يأتيهم بدين الحق، لذلك فقد فوجئوا عندما سمعوا دعوته وأنه هجر ما كانوا عليه من الانحراف والضلال، كان أول ما جابهوه به أن قذفوه وشتموه.
قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) } [الأعراف:75 - 76] .
وقال تعالى: {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) } [هود:62] .
واستجاب له القليل من القوم، إلا أن غالبية القوم لم يقبلوا دعوته، وكان أشدهم عداوة علية القوم وزعماؤهم، غضبوا من صالح لأنه دعاهم لعبادة الله، فكذّبوه وحاولوا أن يضطهدوا الذين آمنوا معه ويعذبوهم، ولم تكن ثمود أول من يفعل ذلك، فهم يكررون الخطأ الذي وقع فيه كلٌّ من قوم نوح وعاد الذين عاشوا قبلهم، لهذا نجد أن القرآن يقرن بين هؤلاء الأقوام الثلاثة.
قال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) } [إبراهيم:9] .
1.تحدث القرآن الكريم عن عاقبة قوم ثمود، وذكر أن الله أهلكهم، وأن هذا الإهلاك مر بمراحل، وهي:
أولًا: التحذير والإنذار من الإهلاك:
ورد تحذير سيدنا صالح عليه السلام لقومه بعبارة {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ} في ثلاثة مواضع من كتاب الله عز وجل، محذرًا قومه ثمود، وأنه سيأخذهم عذاب أليم قريب عظيم.
قال تعالى: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف:73] .
وقال تعالى: {وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) } [هود:64] .
وقال عز وجل: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) } [الشعراء:156] .
فهو حذرهم أولًا من {عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، ولكنهم لم يستجيبوا لهذا التحذير، فأكد لهم بعدها بقوله: {عَذَابٌ قَرِيبٌ} أي: أن عذاب الله قد اقترب، ولن تمهلوا 86، ولكنهم لم يبالوا بهذا النداء، فجاءهم التحذير الأخير ليصف أن اليوم الذي ينتظرهم قد اقترب كثيرًا فقال لهم: {عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} ، فأكد صدق هذا الوعد بكلمة {يَوْمٍ} ، وأنه سيحل بكم من الله يوم عظيم عذابه 87.
ثانيًا: إهلاك قوم ثمود:
ذكر الله سبحانه وتعالى كيفية إهلاك قوم صالح في سور كثيرة؛ كهود والأعراف والحاقة والذاريات والشمس، وغير ذلك.
قصّ الله سبحانه وتعالى علينا ما بلغه قوم ثمود من الارتقاء والقوة، فأخبر أن صالحًا عليه السلام قال لقومه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) } [الأعراف:74] .
ولكن القوم كفروا وأعرضوا عما قاله لهم أخوهم صالح عليه السلام؛ فكانت النتيجة أن أخذهم العذاب: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) } [الأعراف:78] .
وقد وصف الله عز وجل عذاب ثمود بعدة صفات، منها: