فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 2431

سليمان عليه السلام

اسمه ونسبه:

سليمان بن داوود بن إيشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن تخشون بن عمينا آداب بن إرم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم 1.

ذلك ما يذكره المؤرخون من نسب سليمان عليه السلام، أما في كتاب الله فقد جاءت آيات تدل على أنه ابن لداوود عليه السلام وهي:

الآية الأولى: قوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13] .

والخطاب هنا سليمان عليه السلام 2؛ إذ الآل في اللغة يستعمل فيمن يختص بالإنسان اختصاصًا ذاتيًّا إمّا بقرابة قريبة، أو بموالاة 3. ففي هذه الآية دلالة على أنه من أهله وقرابته.

والآية الثانية: قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30] .

فالمعنى أن الله تعالى وهب لداوود سليمان ابنًا 4، وكثيرًا ما يذكر الله تعالى الأبناء بلفظ الهبة، كما قال تعالى: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} [الشورى: 49] .

وقال تعالى: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم: 5] .

وقال تعالى: {وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [مريم: 49] .

وقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى} [الأنبياء: 90] .

ولا يتعارض هذا مع ما ورد في سورة الأنعام من قوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} [الأنعام: 84] .

وسواء أرجعنا الضمير إلى نوح عليه السلام أم إلى إبراهيم عليه السلام فلا تنافي بين كونه ابنًا لداوود عليه السلام، وأما نوح عليه السلام فكل من جاء بعده فهو من ذريته كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} [الصافات: 77] ، وأما إبراهيم عليه السلام فهو جد لداوود كما رأينا في نسبه فهو من ذريته.

الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16] .

فالأصل أن الولد يرث أباه؛ قال السعدي: «أي: ورث علمه ونبوته فانضم علم أبيه إلى علمه، فلعله تعلم من أبيه ما عنده من العلم مع ما كان عليه من العلم وقت أبيه» 5.

فظهر من مجموع دلالات هذه الآيات الثلاث أن سليمان عليه السلام ابن لداوود عليه السلام.

زمانه:

إن الناظر في سياق الآيات القرآنية التي تتحدث عن سليمان عليه السلام يجد أن السياق لا يخرج عن أحد ثلاثة أمور:

الأول: أن يكون ذكره مقترنًا بأبيه داوود عليه السلام، ومن هذا الاقتران ما يدل دلالة قطعية على اجتماعهما في مكان واحد وزمن واحد، قال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] .

فحكمهما في قضية واحدة في مكان واحد دليل على وجودهما في زمن واحد 6.

الثاني: أن يذكر سليمان عليه السلام بعد ذكر أبيه داوود، ومثال ذلك ورود قصته بعد قصة أبيه في سورة ص.

الثالث: أن يذكر سليمان عليه السلام منفردا، كقوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} [البقرة: 102] .

ومن مجموع ما سبق يظهر لنا جليًّا أن سليمان عليه السلام عاش مدة من الزمن في حياة أبيه داوود عليه السلام، وبلغ من العمر ما يؤهله لأن يحضر مجلس قضاء والده، ويستدرك عليه بعض أحكامه، وبعد وفاة والده ورثه في الملك والنبوة، واستقل بذلك، قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16] ، وما يهمنا هنا أن الوراثة لا تكون إلا بعد موت المورث 7، أما ماهية هذه الوراثة فسنذكره عند الكلام عن فضائله عليه السلام.

ورد ذكر سليمان عليه السلام في القرآن الكريم (17) مرة، في (7) سور.

وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:

السورة ... الآيات

البقرة ... 102

الأنبياء ... 78 - 82

النمل ... 15 - 44

سبأ ... 12 - 14

ص ... 30 - 40

حبا الله تعالى نبيه سليمان عليه السلام بفضائل جليلة، منها:

1.العلم.

قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} [النمل: 15] .

وهو علم مخصوص غير النبوة؛ منطق الطير والدواب، ومعرفة القضاء.

قال الطبري: «وذلك علم كلام الطير والدواب، وغير ذلك مما خصهم الله بعلمه» 8.

وقال السمعاني: «علم القضاء وعلم منطق الطير ومنطق الدواب» 9.

2.وراثة النبوة.

قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16] .

ولكن يا ترى ما هو هذا الميراث الذي ورثه هذا النبي الكريم؟

إن هذا الميراث قد ذكره المفسرون عند كلامهم على هذه الآية، وفي ذلك يقول ابن جرير الطبري: «يقول تعالى ذكره: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ} [النمل: 16] أباه داوود العلم الذي كان آتاه الله في حياته، والملك الذي كان خصه به على سائر قومه، فجعله له بعد أبيه داوود دون سائر ولد أبيه» 10.

فالوراثة إذن وراثة للعلم والملك؛ ولكن لم لا يكون ورث مع ذلك مال أبيه، مع أنه المتبادر إلى الأذهان من لفظ الوراثة والميراث؟

يجيب على ذلك الإمام ابن كثير ذلك بقوله: «وليس المراد وراثة المال؛ إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داوود، فإنه قد كان لداوود مائة امرأة، ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة؛ فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) 11» 12.

ومما يؤكد هذا ويؤيده أنه قد ورد الاستعمال القرآني للوراثة في وراثة العلم والدين دون المال في غير ما آية من كتاب الله تعالى منها:

قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ} [الأعراف: 169] .

وقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32] .

وقوله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [الشورى: 14] .

فظهر مما تقدم أن سليمان عليه السلام ورث علم أبيه ونبوته وملكه.

3.تعليم منطق الطير.

قال تعالى: {وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل: 16] .

يقول ابن كثير: «أخبر سليمان بنعم الله عليه، فيما وهبه له من الملك التام، والتمكين العظيم، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير، وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضا، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر -فيما علمناه -مما أخبر الله به ورسوله» 13.

4.الشكر.

وقد ذكر الله تعالى شكر هذا النبي في ثلاث آيات:

الأولى: قوله تعالى: {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19] .

قال الألوسي: «أي اجعلني أزع شكر نعمتك أي أكفه وأرتبطه لا ينفلت عني وهو مجاز عن ملازمة الشكر والمداومة عليه فكأنه قيل: رب اجعلني مداومًا على شكر نعمتك» 14.

وهنا كان شكره عليه السلام على سماع قول النملة، وفهم خطابها.

الثانية: قال تعالى: {وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل: 16] .

قال الزمخشري: «قوله: إنّ هذا لهو الفضل المبين قول وارد على سبيل الشكر والمحمدة» 15.

فشكر ربه سبحانه على ما وهب له من علم وما آتاه الله من الملك.

الثالثة: قوله تعالى: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40] .

قال الطبري: «هذا البصر والتمكن والملك والسلطان الذي أنا فيه حتى حمل إلي عرش هذه في قدر ارتداد الطرف من مأرب إلى الشام، من فضل ربي الذي أفضله علي وعطائه الذي جاد به علي ليختبرني ويمتحنني، أأشكر ذلك من فعله علي، أم أكفر نعمته علي بترك الشكر له؟» 16.

وفي هذا الموضع كان شكره على نعمة التسخير والتمكن من إحضار العرش بين يديه في زمن يسير جدًّا.

5.الفهم.

قال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] .

والفهم أخص من العلم 17.

قال الزبيدي: «فإن العلم مطلق الإدراك، وأما الفهم فهو سرعة انتقال النفس من الأمور الخارجية إلى غيرها» 18.

وفهم سليمان عليه السلام إمّا إنه قد جعل الله له من فضل قوّة الفهم ما أدرك به ما يعرض له من القضايا، وإمّا بأن ألقى ذلك في روعه إلهامًا، أو بأن يوحى إليه بوحي خاص 19.

وظهرت عليه هذه الصفة في زمان أبيه، وقد ذكر في القرآن الكريم ما يدل على ذلك في قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78، 79] .

فيذكر ربنا سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين قضية حدثت في زمان داوود عليه السلام، يلخصها العلامة السعدي بقوله: «إذ تحاكم إليهما صاحب حرث، نفشت فيه غنم القوم الآخرين، أي: رعت ليلًا فأكلت ما في أشجاره، ورعت زرعه، فقضى فيه داوود عليه السلام، بأن الغنم تكون لصاحب الحرث، نظرًا إلى تفريط أصحابها، فعاقبهم بهذه العقوبة، وحكم فيها سليمان بحكم موافق للصواب، بأن أصحاب الغنم يدفعون غنمهم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرها وصوفها ويقومون على بستان صاحب الحرث، حتى يعود إلى حاله الأولى، فإذا عاد إلى حاله، ترادَّا ورجع كل منهما بما له، وكان هذا من كمال فهمه وفطنته عليه السلام» 20.

6.الأوبة.

قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30] .

قال السعدي: «أي: رجّاعًا إلى الله في جميع أحواله، بالتأله والإنابة، والمحبة والذكر والدعاء والتضرع، والاجتهاد في مرضاة الله، وتقديمها على كل شيء» 21.

وقد ذكر الله هذه الصفة تعليلًا لمدح سليمان عليه السلام بكونه نعم العبد، فكل من كان كثير الرجوع إلى الله ناله حظه من هذا المدح الإلهي.

وفي هذا يقول الرازي: «وهذه الكلمة للتعليل، فهذا يدل على أنه إنما كان نعم العبد لأنه كان أوابا، فيلزم أن كل من كان كثير الرجوع إلى الله تعالى في أكثر الأوقات وفي أكثر المهمات كان موصوفا بأنه نعم العبد وهذا هو الحق الذي لا شبهة فيه» 22.

لا بد لكل نبي يرسل إلى قوم أن يؤيده ربه سبحانه ببرهان يظهر به صدقه ويكون عنوان هداية لمن يريد سبحانه أن يهديه سواء السبيل، فيلهمه رشده، وفي السنة ما يدل على ذلك.

فعن أبي هريرة، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (ما من الأنبياء نبيٌّ إلّا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الّذي أوتيت وحيًا أوحاه اللّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) 23.

وعموم هذا الحديث يدخل فيه نبي الله سليمان عليه السلام؛ فيا ترى ما هو برهان هذا النبي ودليل صدقه على نبوته؟

لقد وهبه ربه جل في علاه ملكًا خصه فيه بخصائص تدل على نبوته، ولم تكن لغيره من بعده، وهي:

وقد بين الله سبحانه وتعالى أن من سخر لسليمان عليه السلام نوعان:

النوع الأول: بعض الشياطين الذين هم الكفار من الجن 24، وهؤلاء كانوا على قسمين:

القسم الأول: من امتثل أوامر سليمان عليه السلام، فكان بعض هؤلاء الممتثلين يقومون بالغوص في البحار كما قال الله تعالى: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ} [الأنبياء: 82] .

أي: يغوصون في أعماق البحار لاستخراج اللآلئ و الدرر وغير ذلك مما يطلب منهم 25.

وصنف آخر منهم لهم عمل غير الغوص الذي هو البناء، قال تعالى: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ} [ص:37] .

فهؤلاء يقومون ببناء المدن والقصور ويخترعون الصنائع العجيبة 26.

والقسم الثاني: هم العصاة المتمردون من الشياطين، وهؤلاء يقول الله فيهم: {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [ص: 38] .

قال ابن كثير: «أي: موثقون في الأغلال والأكبال ممن قد تمرد وعصى وامتنع من العمل وأبى أو قد أساء في صنيعه واعتدى» 27.

والذي جعلنا نجزم بأن هؤلاء هم الكفار من الجن دليلان:

الأول: أن الكافر من الجن يسمى شيطانًا 28.

والثاني: في قوله تعالى: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء: 82] .

يقول ابن كثير: «أي: يحرسه الله أن يناله أحد من الشياطين بسوء، بل كل في قبضته وتحت قهره لا يتجاسر أحد منهم على الدنو إليه والقرب منه» 29.

فحراسة الله تعالى له عن أن يناله منهم سوء يدل على كفرهم إذ إن من يقدم ذلك يدل على بغضه للرسول ورسالته، وهذا من المكفرات المعلومة والله أعلم.

النوع الثاني: بعض مؤمني الجن.

قال تعالى: {وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} [سبأ: 12] .

فبين تعالى أنه سخر بعضًا من مؤمني الجن للعمل بين يدي سليمان عليه السلام، وكانت أعمالهم ما ذكره الله في قوله: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 13] .

فهم يعملون له ما يلي:

المحاريب: وهي جمع محراب، والمحراب: كل بناء حسن، وأشرف شيء فيه وصدره سواء كان مسجدًا أم بيتًا أم مصلى 30.

التماثيل: وهي جمع تمثال، والتمثال: (كل ما صوّر على مثل صورة غيره من حيوان وغير حيوان) 31.

الجفان: جمع جفنة، وهي: ما يوضع فيه الطعام، ولعظمها شبهها بالجواب التي هي جمع جابية، وهي البركة التي يجبى إليها الماء 32.

القدور: ما يطبخ فيها الطعام، ولعظمها كانت ثابتة على الأثافي لا تنزل عنها 33.

فقد سخر الله تعالى لسليمان عليه السلام الريح.

قال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 81] .

ووصفها الله تعالى بصفات:

الأولى: أنها ريح عاصفة، بمعنى أنها شديدة الهبوب 34.

الثانية: أنها رخاء، قال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص: 36] .

والمعنى: أنها ريح لينة لا تزعزع ولا تعصف 35.

فإن قيل: كيف يمكن الجمع بين الوصفين المتناقضين؟

فالجواب: ذكر المفسرون للجمع وجوهًا:

الأول: إن المراد بالعاصفة أنها في قوة العاصفة ولا تعصف.

والثاني: إنها تكون تارة رخاء، وتارة عاصفة على ما يريده سليمان عليه السلام ويشتهيه 36.

والظاهر من السياق أنها تكون بحسب ما يريده سليمان عليه السلام، يقول ابن عاشور: ( .. وذلك باختلاف الأحوال فإذا أراد الإسراع في السير سارت عاصفة، وإذا أراد اللين سارت رخاء، والمقام قرينة على أن المراد المواتاة لإرادة سليمان كما دل عليه قوله تعالى: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ} في الآيتين المشعر باختلاف مقصد سليمان منها كما إذا كان هو راكبًا في البحر؛ فإنه يريدها رخاء لئلا تزعجه، وإذا أصدرت مملكته بضاعة أو اجتلبتها سارت عاصفة، وهذا بين بالتأمل) 37.

الثالثة: أنها تجري حيثما يريد سليمان عليه السلام.

قال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص: 36] .

أي: إنها تجري حيثما أراد، وهذا يدل على التعميم في الأمكنة التي يريد الذهاب إليها 38.

ولكن في الآية الأخرى يقول تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 81] .

فظاهر هذه الآية أن جريها مخصوص بكونه إلى الأرض التي بورك فيها، فكيف الجمع بينهما؟

يقول العلامة الشنقيطي: «قوله: {حَيْثُ أَصَابَ} [ص: 36] يدل على أنها تجري بأمره حيث أراد من أقطار الأرض، وقوله: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء: 81] ؛ لأن مسكنه فيها وهي الشام، فترده إلى الشام. وعليه فقوله: حيث أصاب في حالة الذهاب. وقوله: إلى الأرض التي باركنا فيها في حالة الإياب إلى محل السكنى، فانفكت الجهة فزال الإشكال» 39.

الرابعة: سرعة جري هذه الريح المسخرة، وهذا ذكره الله تعالى في قوله: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ: 12] .

قال الطبري: «وسخرنا لسليمان الريح، غدوها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر، ورواحها من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهر» 40.

وقال ابن كثير: «من تسخير الريح له تحمل بساطه، غدوها شهر ورواحها شهر، قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق فينزل بإصطخر يتغذى بها، ويذهب رائحًا من إصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع، وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع» 41.

قال تعالى: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} [سبأ: 12] .

قال البيضاوي: «النحاس المذاب أساله له من معدنه فنبع منه نبوع الماء من الينبوع، ولذلك سماه عينًا وكان ذلك باليمن» 42.

قال تعالى: {وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل: 16] .

قال ابن كثير: «أخبر سليمان بنعم الله عليه، فيما وهبه له من الملك التام، والتمكين العظيم، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير. وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضا، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر -فيما علمناه -مما أخبر الله به ورسوله» 43.

قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] .

فهذه الآية الكريمة تبين أن لسليمان عليه السلام أنواعًا من الجنود، جند من الإنس، وجند من الجن، وجند من الطير.

قال ابن كثير: «وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير يعني: ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة في الإنس، وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم يكونون في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حرًّا أظلته منه بأجنحتها، وقوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] . أي: يكف أولهم على آخرهم؛ لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له» 44.

وقد ذكر الله تعالى نموذجًا واحدًا لكل نوع من هذه الجنود:

فمن الطير ذكر سبحانه الهدهد، قال تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل: 20] .

ومن الجن العفريت المذكور في قصة الملكة بلقيس، قال تعالى: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] .

ومن هذه الآية يتبين لنا بعض صفات هذا العفريت وهي السرعة الفائقة، والقوة والأمانة 45.

ومن الإنس: الذي عنده علم من الكتاب، قال تعالى: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40] .

وأهم ما يتميز به هذا الجندي من الإنس: العلم ومعرفة اسم الله الأعظم وإجابة الدعاء 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت