فهرس الكتاب

الصفحة 2214 من 2431

لقد منّ الله تعالى على نبيه يوسف عليه السلام بكل درجات الرفعة فآتاه الملك والسلطان والعلم والنبوة وتعليم الأحاديث، وهذه الآية تدل على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات، لأنه تعالى لما هدى يوسف إلى هذه الحيلة والفكرة مدحه لأجل ذلك، فقال تعالى: (? ? ? ?) ، وأيضا وصف إبراهيم عليه السلام بقوله: (? ? ? ?) [الأنعام: 83] ، عند إيراده ذكر دلائل التوحيد والبراءة عن إلهية الشمس والقمر والكواكب ووصف هاهنا يوسف أيضًا بقوله سبحانه: (? ? ? ?) لما هداه إلى هذه الحيلة، وكم بين المرتبتين من التفاوت 42.

-رفع عيسى عليه السلام.

أخبر الله تعالى نبيه عيسى عليه السلام أنه منجيه من كيد الكافرين المتآمرين على قتله، وأنه سوف يصونه من القتل ويرفعه إليه.

قال سبحانه وتعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہہ ھ ھ ھ ھ ے ے) [النساء: 155 - 159] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ?) [آل عمران: 54 - 55] .

عيسى عليه السلام آخر أنبياء بني إسرائيل، وليس بينه وبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم نبي آخر، وهو من آل عمران، ومن نسل داود، ولذلك اضطهده اليهود، وآذوه، وحاولوا قتله، دعا الإسرائيليين إلى شريعة موسى عليه السلام وبشر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين من بعده، وهو أحد أولي العزم من الرسل، الذين أبلوا بلاء حسنًا، وصبروا على ما كذبوا، وأوذوا حتى أتاهم نصر الله المبين، وإن الذي يجب اعتقاده بنص القرآن: أن المسيح عليه السلام لم يقتل ولم يصلب، وأن الله رفعه إليه بروحه وجسده، ولما علم الله أن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على أنه عليه الصلاة والسلام رفع بتمامه إلى السماء بروحه وبجسده.

وقوله تعالى: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [آل عمران: 55] .

فيه أربعة أقاويل:

أحدها: معناه: إني قابضك برفعك إلى السماء من غير وفاة بموت.

والثاني: متوفيك وفاة نوم للرفع إلى السماء.

والثالث: متوفيك وفاة بموت.

والرابع: أنه من المقدم والمؤخر بمعنى رافعك ومتوفيك بعده.

وفي قوله تعالى: (ٹ ?) ، قولان:

أحدهما: رافعك إلى السماء.

والثاني: معناه رافعك إلى كرامتي 43.

قال ابن عطية: «وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى عليه السلام في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويقتل الدجال ويفيض العدل ويظهر هذه الملة ملة محمد صلى الله عليه وسلم 44، ويحج البيت ويعتمر، ويبقى في الأرض أربعًا وعشرين سنة، وقيل أربعين سنة، ثم يميته الله تعالى» 45.

وفي هذه الآية دليل على علو الله تعالى واستوائه على عرشه حقيقة، كما دلت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تلقاها أهل السنة بالقبول والإيمان والتسليم، وسينزل عيسى ابن مريم، في آخر هذه الأمة حكمًا عدلًا، يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويتبع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ويعلم الكاذبون غرورهم وخداعهم، وأنهم مغرورون مخدوعون 46.

-رفعة محمد صلى الله عليه وسلم.

أجمعت الأمة على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء.

قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253] .

قال الزجاج: «جاء في التفسير أنه أراد محمدًا صلى الله عليه وسلم، لأنه أرسله إلى الناس كافة، وليس شيء من الآيات التي أعطاها الله الأنبياء عليهم السلام إلا والذي أعطى محمدًا صلى الله عليه وسلم أكثر، لأنه قد كلمته الشجرة، وأطعم من كفّ من التمر خلقًا كثيرًا، وأمرّ يده على شاة أم معبد فدرّت لبنًا كثيرًا بعد الجفاف، ومنها انشقاق القمر، فذلك قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف: 32] يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم» 47.

وقوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) } [الشرح: 4] رفعة ذكر وجلال قدر وشرف وتعظيم ومحبة، رفعة ذكر في الدنيا، ورفعة ذكر في الآخرة، ورفعة في السماء، ورفعة في الأرض، ورفعة النبوة، رفعة لم ينلها أحد من قبل ولا من بعد في هذا الوجود.

ورفع الذكر مجاز في إلهام الناس لأن يذكروه بخير، وذلك بإيجاد أسباب تلك السمعة حتى يتحدث بها الناس، واستعير الرفع لحسن الذكر؛ لأن الرفع جعل الشيء عاليًا لا تناله جميع الأيدي ولا تدوسه الأرجل، فقد فطر الله رسوله صلى الله عليه وسلم على مكارم يعز وجود نوعها ولم يبلغ أحد شأو ما بلغه منها حتى لقب في قومه بالأمين، ومن عظيم رفع ذكره أن اسمه مقترن باسم الله تعالى في كلمة الإسلام وهي كلمة الشهادة، والأذان، والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها، ولو أن رجلًا عبد الله جل ثناؤه، وصدق بالجنة والنار وكل شيء، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله، لم ينتفع بشيء وكان كافرًا، ومن عظيم رفع ذكره، أن الله تعالى ذكره في كتب الأنبياء قبله، حتى عرف للأمم الماضية قبل مجيئه، وأمرهم بالبشارة به، ولا دين إلا ودين محمد صلى الله عليه وسلم يظهر عليه 48.

وفيه يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه يمدح النبي صلى الله عليه وسلم 49:

أغرّ عليه للنّبوّة خاتمٌ

من اللّه مشهودٌ يلوح ويشهد

وضمّ الإله اسم النّبيّ مع اسمه

إذا قال في الخمس المؤذّن أشهد

وشقّ له من اسمه ليجلّه

فذو العرش محمودٌ وهذا محمّد

إن العلم هو أجل نعم الله على عباده، وهو الذي ترجح به موازين الناس، وترتفع به منازل بعضهم على بعض، وإنه ليكفي العلم قدرًا وجلالًا، أن يرفع الله قدر أهله، وينزلهم منازل رضوانه، بقدر ما حصّلوا من علم، وما حققوا من إيمان، فيقول سبحانه: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) } [الزمر: 9] .

وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11] .

وقوله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76] .

وقوله سبحانه: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) } [الأنعام: 83] .

وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) } [النمل: 15] .

بل يكفى بأن عطف الله سبحانه وتعالى العلماء على الملائكة، فقال سبحانه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18] .

فهذه كلها درجات العلم والحجة، وإن العلماء هم أرفع درجة بعد الأنبياء، فهم ورثة الأنبياء، وإن العلم يرفع الله به صاحبه فوق العباد درجات، لأن العلم أشرف المقامات، وأعلى الدرجات، خصوصًا العالم العامل المعلم، فإنه يجعله الله إمامًا للناس، ودرجة كل واحد منهم بقدر ما أصلح من نفسه ومن غيره، وبحسب حاله ترمق أفعاله، وتقتفى آثاره، ويستضاء بنوره، ورفعة الدرجات تدل على الفضل إذ المراد به كثرة الثواب، وبها ترتفع الدرجات، ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة.

وقيل: في قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] .

أي: بالقرآن، وكان كلما نزل شيء من القرآن ازداد به النبي صلى الله عليه وسلم علمًا.

وقيل: ما أمر الله رسوله بزيادة الطلب في شيء إلا في العلم، وقد طلب موسى عليه السلام الزيادة فقال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66] 50.

وفي قوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} تعميم ثم تخصيص، وتفصيل ذلك: أن الجزاء برفع الدرجات هنا مناسبة للعمل؛ لأن المأمور به تفسيح المجالس كيلا يتنافسوا في القرب من المكان الرفيع حوله صلى الله عليه وسلم فيتضايقوا، وذلك لا يليق بآداب المجلس التي من أولويَّاتها تفادي إزعاج المجالسين وترنيق صفوهم، واجتناب ما يكدّر صفاءهم وينغص بالهم، ولما كان المتمثّل لذلك الأمر يخفض نفسه عمّا يتنافس فيه من الرفعة امتثالًا وتواضعًا جوزي على تواضعه برفع الدرجات، ثم لما علم سبحانه أن أهل العلم بحيث يستوجبون عند أنفسهم وعند الناس ارتفاع مجالسهم خصهم بالذكر عند الجزاء ليسهل عليهم ترك ما لهم من الرفعة في المجلس تواضعًا لله عز وجل، وفي هذا التخصيص إلماع إلى فضل العلم.

وقيل: إنه تعالى خص أهل العلم ليسهل عليهم ترك ما عرفوا بالحرص عليه من رفعة المجالس وحبهم للتصدير، وهذا من مغيبات القرآن لما ظهر من هؤلاء في سائر الأعصار من التنافس في ذلك 51.

وفي الآيات دليل على شرف العلم وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأجزل القسم، وأن من أوتيه فقد أوتى فضلًا على كثير من عباد الله، وما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (ورثة الأنبياء) ، إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة، لأنهم القوام بما بعثوا من أجله، وفيها تحريض للعلماء على أن يحمدوا الله على ما آتاهم من فضله، وأن يتواضعوا ويعتقدوا أن من عباد الله من يفضلهم فيه، وفيها التحريض على طلب العلم 52.

وقد وردت أحاديث كثيرة تبين فضل العلم ومنها:

وعن قيس بن كثير قال: (قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء، وهو بدمشق، فقال: ما أقدمك يا أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما جئت لحاجة غيره، قال: لا، قال: أما قدمت في تجارة؟ قال: لا، قال: ما جئت إلا في طلب هذا الحديث، قال: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورّثوا العلم، من أخذه فقد أخذ بحظ وافر) 53.

وعن أبي أمامة الباهلي، قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) 54.

ذكر الله تعالى علو درجات المؤمنين وارتفاع شأنهم ورفعة قدرهم ومكانهم، فقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) } [الأنفال: 2 - 4] .

وقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الأنعام: 165] .

وقال جل وعلا: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) } [طه: 75] .

وقال جل وعلا: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11] .

وقد أشار إلى هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: {وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء: 21] .

وقوله جل وعلا: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) } [الأنعام: 132] ونحو ذلك من الآيات.

يخبر الله تعالى أن أهل الإيمان هم الذين لهم الرفعة في الدنيا والآخرة، وذلك بطاعتهم لله ورسوله واتباع أوامره، ومن سواهم فإنهم موضوعون بحسب بعدهم عن الإيمان، وكم من إنسان في الدنيا رفيع الجاه، معظَّمٌ عند الناس يكون يوم القيامة من أحقر عباد الله، وكلما ازداد الإيمان كلما ارتفعت درجة المؤمن، فكانت له الدرجات العلا بالنصر وحسن الذكر في الدنيا، والإيواء الى غرف الجنان في الآخرة، وتنكير درجات للإشارة إلى أنواعها من درجات الدنيا ودرجات الآخرة، والدرجات مستعارة للكرامة؛ فإن الرفع في الآية رفعًا مجازي، وهو التفضيل والكرامة، وجيء للاستعارة بترشيحها بكون الرفع درجات، وهو أفضل ما اشتغل بعلمه إنسان، كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (إيمان بالله ورسوله) 55 56.

وفي الآيات إشارة إلى أن الرفعة يؤتيها الله تعالى للمؤمن الذي يبتغي بعمله وجه الله تعالى، وقبول عمل المؤمن، أما ما عداهم من أهل النفاق والكفر، فليس لأعمالهم قبول عند الله، وفيها دعوة للمؤمن أن يسارع الى تكميل الدرجات، والوصول إلى أحسن الحالات، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ، أي والله بأعمالكم ذو خبرة لا يخفى عليه المطيع منكم من العاصي، وهو مجازيكم جميعًا بأعمالكم، فالمحسن بإحسانه، والمسيء بالذي هو أهله أو يعفو 57.

يخبر الله تعالى أنه إليه يصعد الكلم الطيب، قال سبحانه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] .

والكلم الطيب، هو التوحيد الصادر عن عقيدة طيبة، وقيل: هو التحميد والتمجيد، وذكر الله والدعاء، ونحوه من القرب، وأن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، وهو العمل بطاعته، وأداء فرائضه والانتهاء إلى ما أمر به، والأعمال الخبيثة لا يقبلها الله تعالى 58.

قوله: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ، على معنى: يرفعه الله، أو يرفع صاحبه، ويجوز أن يكون المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، والصعود هو الحركة إلى فوق، وهو العروج أيضًا، ولا يتصور ذلك في الكلام لأنه عرض، لكن ضرب صعوده مثلًا لقبوله، لأن موضع الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل، يقال ارتفع الأمر إلى القاضي أي علمه، فهو بمعنى العلم، وخص الكلام والطيب بالذكر لبيان الثواب عليه، وقوله: {إِلَيْهِ} أي: إلى الله يصعد، وقيل: يصعد إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيره حكم، وقيل: أي يحمل الكتاب الذي كتب فيه طاعات العبد إلى السماء 59.

قال ابن بطّال: «والكلمة الّتي ترفع بها الدّرجات ويكتب بها الرّضوان هي الّتي يدفع بها صاحبها عن المسلم مظلمة، أو يفرّج بها عنه كربة، أو ينصر بها مظلومًا» 60.

إن الله تعالى أمر برفع الشعائر وتعظيمها، فقال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) } [النور: 36] .

بيوت الله هي المساجد، وقد أمر الله برفعها وتعظيمها، وصيانتها عن الأقذار، والأوساخ، والصبيان، والمخاط، والخنا من الأقوال وغيرها.

وقوله سبحانه: {أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور: 36] ، فيه أقوال: قال مجاهد: تبنى، وقال الحسن: تعظم، يعني: أنه لا يذكر فيها الخنا من القول، وعن بعضهم: تطهر.

قال الرازي «والقول الثاني: أولى؛ لأن قوله: في بيوت أذن الله أن ترفع ظاهره أنها كانت بيوتًا قبل الرفع فأذن الله أن ترفع» . وقال الجصاص عند تفسير قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور: 36] .

حيث قال: «يجوز أن يكون المراد الأمرين جميعًا من رفعها بالبناء ومن تعظيمها جميعًا لأنها مبنية لذكر الله والصلاة، وهذا يدل على أنه يجب تنزيهها من القعود فيها لأمور الدنيا، مثل: البيع والشراء وعمل الصناعات، ولغو الحديث الذي لا فائدة فيه والسفه وما جرى مجرى ذلك» 61.

إن رفعة الملك والحكم والسلطان من أعظم الدرجات التي يرفع الله تعالى إليها من يشاء من عباده، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) } [الأنعام: 165] .

وقال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) } [آل عمران: 26] .

وقال جل وعلا: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) } [البقرة: 247] .

وقال سبحانه: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) } [النساء: 54] .

وقال جل وعلا: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) } [يوسف: 101] .

ذكرت الآيات أن درجة الخلافة من أعظم الدرجات التي يرفع الله تعالى إليها من يشاء من عباده، وأن الملك بيد الله تعالى يؤتيه من يشاء. وقوله تعالى: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة: 251] ، بين تعالى أنه جمع لداود عليه السلام الملك والحكمة والنبوة، وهي أعظم فضيلة، إذ لم تخص بمجموعها إلا بعض الأنبياء، وجعل لبعضهم النبوة دون الملك، وإن لم يخل أحد منهم من نصرته؛ لقوله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 51] .

وقال لموسى عليه الصلاة والسلام: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا} [القصص: 35] .

وقال سبحانه: {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 54] .

وذكر الملك ثم الحكمة ثم النبوة بعد من باب الترقي، والملك صاحب رسالة دنيوية، يعالج بها شئون الناس في الحياة، ويقيمهم على صراط مستقيم، فهو بهذا الوصف مكمل لرسالة الرسول، ومطبّق للشرع الإلهي الذي جاء به الرسول، وهو أن الفصل في الخصومات بين الناس أمر خطير، يحتاج إلى علم واسع، وبصيرة نافذة، ونفس تجردت من كل هوى، وإلا كان الخطأ والزلل، الذي من شأنه إن غلب أفسد حياة الناس، وأغرى بعضهم ببعض، وإيتاء الملك درجة عظيمة يمن الله تعالى بها على من يشاء.

وقد دل القرآن الكريم على ذلك، إذ عبر عنه بما يفيد ذلك من خلال التعبير بلفظ الإيتاء، فلا يستعمل إلا في الشيء العظيم، قال تعالى: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 251] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت