إن الملاحظ من سياق الآيات أن تكرار لفظ الكتابة في آية واحدة مع التأكيد بحرف اللام، لهو دليل على حرص الشرع على الحفاظ على حق العباد من الضياع، فقال تعالى في موضع من الآية: {فَاكْتُبُوهُ} ، وفي ثانٍ: {وَلْيَكْتُبْ} ، وفي ثالثٍ: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} ، وفي رابعٍ: {فَلْيَكْتُبْ} ، وفي خامسٍ: {وَلْيُمْلِلِ} ؛ لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه، وفي آخر: {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} ، وهذا الأمر بالتقوى بعد تكرار لفظ الكتابة لهو تأكيد لأهمية الكتابة وما تحمل في طياتها من فوائد، أهمها:
1.حفظ المال، وعدم إضاعته.
وصونه من الهلاك والبوار بالمماطلة في سداد الدين، فالمكاتبة حصن منيع لحفظ المال.
2.أعدل في الشهادة.
قال تعالى: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282] .
أي: أثبت للشهادة، وكذلك أقرب لنفي الريب في معاملاتكم، أي: الشك، فالكتاب يدفع ما قد يعرض لهم من الريب كائنًا ما كان.
3.اجتناب سخط الله والمواظبة على تقوى الله تعالى.
وذلك بمنع مسببات المماطلة في سداد الدين، حيث إن الكتابة هي من أهم عوامل سد باب المماطلة من الجانبين، وذلك أن صاحب الدين إذا علم أن حقه مقيد بالكتابة، والإشهاد تحذر من طلب زيادة، أو تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، والمديون يحذر من الجحد، ويأخذ قبل حلول الدين في تحصيل المال؛ ليتمكن من أدائه وقت الحلول 44.
4.البعد عن الوقوع في المحرمات.
مثل: الربا وغيره من الطرق المحرمة؛ للحصول على المال، حيث إن المكاتبة تشجع على فتح باب الدين بدلًا من فتح باب الربا.
5.إقامة العدل بين المتعاملين.
فالبيان الذي أمر به القرآن من الكتابة والإشهاد أعدل في إصابة حكم الله تعالى، وهو أحرى بإقامة العدل بين المتعاملين، وأعون على أداء الشهادة على وجهها الصحيح، وأقرب إلى إزالة الشكوك في تعيين جنس الدين ونوعه وقدره وأجله، فهذه مزايا ثلاث تؤكد العمل بكتابة الدين 45.
ويستدل من الآيات السابقة على أن الشرع اهتم بكتابة الدين، وجعل الله أحكامًا وشروطًا تتعلق بالدائن والمدين ومن ينوب عنه، وبينت الآيات صفات وأهلية لكاتب الدين، والهدف والأثر لكتابة الدين.
لقد أعطى الحق سبحانه وتعالى للدين عناية كبيرة؛ لأن فيه مواساة الفقير وإغاثة الملهوف، ولأجل أن يضمن سير حركة الحياة الاجتماعية والاقتصادية أن تمر بسلام دون فوضى، شرع ربنا عز وجل الكتابة في الدين، وجعل للكتابة شروطًا تقوم عليها، من أهمها الشهادة على عقد كتابة الدين، وجعل للشهادة أيضًا بعض الشروط التي تقوم عليها، ومن أهمها ما يأتي:
أولًا: عدد الشهداء:
الله تعالى أمر في المداينة بأمرين:
أحدهما: الكتابة بقوله: {فَاكْتُبُوهُ} .
والثاني: الإشهاد بقوله: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ} .
والله تعالى لأجل تحصين العقود وتوثيقها توثيقًا جيدًا بحيث لا يتخلله النسيان الذي قد يؤدي لجحد المال، جعل العقود وتوثيقها تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الشهداء، وخوفًا من النسيان أو الحوادث الطارئة التي قد تؤدي فقدان الشاهد.
والله تعالى شرع العدد بأكثر من شاهد، وذلك حفظًا لما سبق من الحقوق.
قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282] .
وقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا} ، بمعنى: أشهدوا، فالسين والتاء فيه لمجرد التأكيد، أو للطلب، أي: اطلبوا شهادة شاهدين، فيكون تكليفًا بالسعي للإشهاد، وهذا التكليف متعلق بصاحب الحق 46.
والشهادة حقيقتها الحضور والمشاهدة؛ لأجل الاطلاع على التداين، أي: لمشاهدة أو لسماع تعاقدٍ بين متعاقدين، وتطلق الشهادة أيضًا على الخبر الذي يخبر به صاحبه عن أمر حصل لقصد الاحتجاج به لمن يزعمه، والاحتجاج به على من ينكره، كما هو حال طلب الشهود على حالة الزنا 47.
وقوله: {مِنْ رِجَالِكُمْ} ، أي: من رجال المسلمين، فحصل به شرطان: أنهم رجال، وأنهم ممن يشملهم الضمير، والمراد به: المسلمون؛ لقوله في طالعة هذه الأحكام {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ} .
والرجل في أصل اللغة يفيد وصف الذكورة، فخرجت الإناث ولهن حكم خاص، ويفيد البلوغ فخرج الصبيان؛ لضعف عقله عن الإحاطة بمواقع الإشهاد ومداخل التهم، وأما الكافر فلأن اختلاف الدين يوجب التباعد في الأحوال والمخالطات والمعاشرات والآداب، فهذا التباعد بين المسلم والكافر، لا يمكن للكافر الإحاطة بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين المسلمين، ولذلك اشترط الشرع في تزكية المسلمين شدة المخالطة، وكذلك قد عرف من غالب أهل الملل استخفافهم بحقوق من خالفهم في دينهم، فقال الله تعالى عنهم قولهم: {قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75] 48.
ثم بين الشارع الحكيم شهادة النساء وعددهن وما يتعلق بشهادتهن.
قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282] .
وقد بين الله تعالى إن لم يكن الشاهدان رجلين {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} أي: فليشهد رجل وامرأتان بشرط أن يكونوا ممن ترضون من الشهداء، وعلمكم بعدالتهم، وبين سبحانه الحكمة والعلة من اعتبار عدد النساء اثنتين مقابل الرجل الواحد، وذلك لأجل أن إحداهما إن ضلت الشهادة بأن نسيتها ذكرتها الأخرى، أي: إن العلة في الحقيقة التذكير عند النسيان، وهذا فيه إشعار بنقصان عقلهن وقلة ضبطهن؛ لأنه ما قاله في الرجال 49.
ثانيًا: صفات الشهداء:
والله تعالى بين صفات من يشهد على حقوق العباد، فقال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] .
فهذه الآية فيها من الدلالة على صفات الشهود، ومنها:
1.العدالة.
قال تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 20] .
أي: رجلين مسلمين عدلين؛ لأن في الإشهاد المذكور، سدًا لباب المخاصمة، وكتمان كل منهما ما يلزمه بيانه 50.
والعدل: كل مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ سليم من أسباب الفسق وخوارم المروءة، فأخرج هذا التعريف الكافر وغير البالغ، وفي المميز نزاعٌ، والمجنون، والفاسق وهو: من يفعل الكبيرة ويصر على الصغيرة، والفسق نوعان: بشبهةٍ كالخوارج والشيعة، وبشهوةٍ كشرب الخمر والسرقة، وأخرج من يخالف الآداب الشرعية وعرف المجتمع المسلم 51.
ومن شروط العدل:
-الإسلام.
قال تعالى: (گ گ ? ?) ، وقوله: (ژ ژ) ، ففيه دلالة على أن الله إنما عني المسلمين دون غيرهم، حيث إنه سبحانه وصف الشهود أنهم منا، وممن نرضى عنهم، فدل هذا على أنه لا يجوز أن نقضي بشهادة شهود من غيرنا، حيث إننا لا نرضى بشهادة الكافر، فلو شهد ذمي على شيء لا تقبل شهادته عند كثير من أهل العلم على الإطلاق، وهو قول مالك، والشافعي.
ولقد رد الشافعي على بعض من أجاز شهادة الكافر الذمي، فقال: «كيف يجوز أن ترد شهادة مسلم اشترط الله فيه العدل، وثبتت عدم عدالته، حيث نعرفه يكذب على بعض الآدميين، ونجيز شهادة ذمي وهو يكذب على الله تبارك وتعالى، والمسلم غير العدل خير من كل المشركين، فكيف نجيز شهادة الذي هو شر، الذي يحيا بلا كتاب ولا سنة ولا أثر، ولا أمر اجتمعت عليه عوام الفقهاء، ونرد شهادة الذي هو خير منه، وهو المسلم الذي اتصف بغير العدل، ولكنه موحد لله تعالى؟ فإن أهل الذمة أعدلهم أعظمهم بالله شركًا، وأسجدهم للصليب وألزمهم للكنيسة!!» 52.
وذهب بعض أصحاب الرأي إلى أن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض جائزة، وإن اختلفت مللهم، وذهب بعضهم إلى أن شهادة بعضهم على بعض تجوز عند اتفاق الملة، أما إذا اختلفت الملة بأن شهد يهودي على نصراني أو مجوسي فلا تقبل.
فإذا كان هذا الاختلاف في أهل الملل الأخرى، بأن لا تقبل شهادة من خالفهم في ملتهم، فكيف تقبل شهادتهم على الموحدين.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن شهادة أهل الذمة في حق المسلمين باطلة، ولكن أجاز بعضهم شهادتهم على وصية المسلم في السفر فقط، واحتجوا بقول الله سبحانه وتعالى: (? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 106] أي: «من غير أهل دينكم» 53.
-البلوغ.
فشهادة من لم يبلغ سن الرشد لا تقبل؛ لقوله سبحانه وتعالى: (ژ ژڑ) [البقرة: 282] .
قال بعضهم: تقبل في أمور معينة، فقيل: تقبل شهادة الصبيان على الجراح التي تقع في محل اجتماعهم ما لم يتفرقوا، ولا تقبل في غيرها، أي: شهادتهم على بعضهم البعض قبل المفارقة 54.
وروي عن ابن عباس في شهادة الصبيان قال: لا تجوز؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (گ گ ? ?) ، والصبيان لا يستراح ولا يرضى بشهادتهم 55.
-العقل.
فلا تقبل شهادة المجنون؛ لأنه لا حكم لقوله في شيء ما، وهذا إجماع العلماء، والعقل مناط التكليف، لأجل ذلك أحكام الشرع لا تجرى إلا على ذي عقل.
والعقل لغة: المنع، ولهذا يمنع النفس من فعل ما تهواه، مأخوذ من عقال الناقة: المانع لها من السير حيث شاءت، وهو أصل لكل علم، وكان بعض الأئمة يسميه أم العلم، وكثر الاختلاف فيه حتى قيل: إن فيه ألف قول، وقد تكلم فيه أصناف الخلق من الفلاسفة والأطباء والمتكلمين والفقهاء كل واحد ما يليق بصناعته، فأما الأطباء شأنهم الخوض فيما يصلح الأبدان، فالعقل سلطان البدن، وقال المتكلمون الذين هم أهل النظر: والنظر أبدًا يتقدمه العقل، والفقهاء تكلموا فيه من حيث إنه مناط التكليف، فقال الشافعي رضي الله عنه: «هو آلة خلقها الله لعباده يميز بها بين الأشياء وأضدادها، وقال في موضع آخر: والعقول التي ركبها الله فيهم؛ ليستدلوا بها على العلامات التي نصبها لهم على القبلة وغيرها منا منه ونعمة» 56.
-الخلو من الفسق وخوارم المروءة.
والمروءة شرط قبول الشهادة، وهي ما يتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء، وهي حسن الهيئة، والسيرة، والعشرة، والصناعة، فإذا كان الرجل يظهر من نفسه في شيء منها ما يستحي أمثاله من إظهاره في الأغلب، يعلم به قلة مروءته، وترد شهادته، وإن كان ذلك مباحًا 57.
وقال الشافعي: «إذا كان الأغلب الأظهر من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته، وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية، وخلاف المروءة، ردت شهادته» 58.
ومن خوارم المروءة الخيانة، ولقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رد شهادة من ثبتت عدم عدالته بالخيانة والقذف، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رد شهادة الخائن والخائنة، وذي الغمر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم) 59.
وقوله: القانع، أي: هو السائل المستطعم، وقيل: هو المنقطع إلى القوم يخدمهم، وذلك مثل الأجير والوكيل، ترد شهادته؛ للتهمة، فيجر النفع إلى نفسه؛ لأن التابع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم، وقوله: الغمر، أي: الحقد والظنين -بالظاء- أي: المتهم.
والقاذف فاسق مردود الشهادة، وإذا تاب وحسنت حالته، قبلت شهادته، سواء أتاب بعد ما أقيم عليه الحد أو قبله، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 4] .
وهذا قول أكثر أهل العلم 60.
2.الحرية.
وهي شرط قبول الشهادة؛ لأنها من باب الولايات، والعبد ناقص الحال لا يملك زمام أمره، فيكون أمره في يد غيره.
اتفق الحنفية والمالكية والشافعية على أن الشاهد يشترط فيه أن يكون حرًا، فلا تقبل شهادة رقيق؛ لقوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} [النحل: 75] .
ولأن الشهادة فيها معنى الولاية، وهو لا ولاية له.
وقال الحنابلة والظاهرية: تقبل شهادة العبد؛ لعموم آيات الشهادة؛ ولأن العبودية ليس لها تأثير في الرد، وقيدها الحنابلة فيما عدا الحدود والقصاص بقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] 61.
وسأل رجل أحمد بن حنبل عن شهادة العبد هل تجوز؟ فقال: «تقبل شهادة العبد والأمة فيما تقبل فيه شهادة الحر والحرة، وقال: لا أعرف إلا ذلك، ولما سئل بأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة أمة في الرضاع على شهادة العبد، هل يكون ذا حجة له؟ قال: نعم، وقبلها بعض العلماء في الأمور التافهة فقط» 62.
3.العلم بما يشهد.
وجب على الشاهد أن يكون على علم تام بما يشهد به، ولا يجوز أن يشهد بما لم يعلم، قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] .
وقال أيضًا: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] أي: لا تتبعه.
والشهادة مشتقة من المشاهدة، وهي المعاينة؛ لأن الشاهد يخبر عما شاهده وعاينه وتم علمه به، ومعناها: الإخبار عما علمه بلفظ أشهد أو شهدت.
والشاهد: حامل الشهادة ومؤديها؛ لأنه شاهد وعالم لما غاب عن غيره، ولذلك قالوا: لا شهادة إلا بعلم، ولا يحل لأحد أن يشهد إلا بعلم.
ومن شروط العلم: العلم بالرؤية؛ كرؤية القتل والإتلاف، أو باستفاضة فيما يتعذر علمه غالبًا بدونها، ومنها ما يكتفى فيه بالسماع.
وتصح الشهادة بالاستفاضة عند الشافعية في النسب والولادة والموت والعتق والولاء والولاية والوقف والعزل والنكاح وتوابعه، وكذلك التعديل والتجريح والوصية والرشد والسفه والملك.
وقال أبو حنيفة: «تجوز في خمسة أشياء: (النكاح، والدخول، والنسب، والموت، وولاية القضاء) » ، وقيل: تصح في سبعة: (النكاح، والنسب، والموت، والعتق، والولاء، والوقف، والملك المطلق) 63.
ثالثًا: مقاصد الإشهاد:
لقد ورد بيان إشهاد الصادق العدل من المسلمين عليها؛ لحكم ومقاصد أرادها الله تعالى بالكتابة والشهود، بيان بعضها فيما يأتي:
حكمة الكتابة والإشهاد في دين المال وما كان في الأجل:
قال تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وقال في الوصية والرجعة {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ؛ لأن المستشهد هناك صاحب الحق، فهو يأتي بمن يرضاه لحفظ حقه، فإن لم يكن عدلًا كان هو المضيع لحقه 64.
الحكمة من قبول شهود ترد شهاداتهم:
وقد اتفق العلماء على أن هناك مواضع حاجات يقبل فيها من الشهادات ما لا يقبل في غيرها 65 من حيث الجملة، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، وذلك لحكم أرادها الشرع فيها، مثال ذلك: قد أمر الله سبحانه بالعمل بشهادة شاهدين من غير المسلمين عند الحاجة في الوصية في السفر، وذلك لحكمة حفظ الحقوق وعدم تركها للضياع، وكقبول شهادة النساء منفردات في الأعراس والحمامات، والمواضع التي تنفرد النساء بالحضور فيها، فقبول شهادتهن هنا أولى من قبول شهادة الكفار على الوصية في السفر، وذلك لحكمة الستر على العورات والأعراض، وكذلك عمل الصحابة وفقهاء المدينة بشهادة الصبيان على تجارح بعضهم بعضًا، وذلك لحكمة أن الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم، ولو لم تقبل شهادتهم وشهادة النساء منفردات لضاعت الحقوق، وتعطلت وأهملت مع غلبة الظن، أو القطع بصدقهم، ولا سيما إذا جاءوا مجتمعين قبل تفرقهم ورجوعهم إلى بيوتهم، وتواطئوا على خبر واحد، واتفقت كلمتهم، فإن الظن الحاصل حينئذ من شهادتهم أقوى بكثير من الظن الحاصل من شهادة رجلين، وهذا مما لا يمكن دفعه وجحده، فلا نظن أن الشريعة الكاملة الحريصة على مصالح العباد في معاشهم ومعادهم وحياتهم، أنها تهمل مثل هذه الحكم والفوائد في الشهادة على الحقوق والمعاملات والحوادث وعدم تضيعها 66.
ويستفاد من الآيات السابق ذكرها -آيتا سورة البقرة- أن الله جعل شهودًا على وثيقة الدين لما لها من أهمية في حفظ الحقوق للدائن والمدين، وبين صفات الشهود، مثل: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والخلو من صفة الفسق وخوارم المروءة، وكذلك الحرية.
شرع الله لكتابة العقود المتعلقة بالديون وغيرها، والشهادة عليها ضوابط تضبطها، مع المحافظة على حقوق أخرى متعلقة بالكتابة والشهادة بحيث ألا تؤثر عليها، وهي مبينة فيما يأتي:
أولًا: تحريم الإضرار بالكتاب والشهود:
إن كتابة عقد الدين شرع شرعه الله تعالى، وكذلك الشهادة عليه شرع، وحماية الكاتب والشاهد والمتداينين كذلك شرع شرعه الله تعالى أوجب على عباده أن يحافظوا عليه.
قال تعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} [البقرة: 282] .
فالكاتب والشاهد في العقود المبرمة بين المتعاقدين يؤديان عملًا إنسانيًا، حسبة لوجه الله تعالى، فمن الظلم أن يقوما بعمل يبتغيان به وجه الله تعالى، وبعد ذلك يمسهما سوء، أو ينالهما أذى من أجل هذا العمل الذي يقومان به، فإذا لم يتيسر سبل كتابة العقد، والشهادة عليه، ولم يمط عنهما كل أذى، فهذا يؤدي لزهد الناس في هذا العمل الخير والابتعاد عنه.
لهذا جاء قول الله تعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} حماية للإحسان وللمحسنين من أن يكدر صفو الإحسان، وأن يساء إلى أهله بأي لون من ألوان الأذى المادي أو الأدبي 67.
إن الله تعالى يعلم أن كل إنسان له مصالحه في الحياة، ويجب ألا تتعطل أو تتعطل هذه المصالح أمام قضاء مصالح غيره، فالشاهد أو الكاتب حينما يستدعى الواحد منهم ليشهد أو ليكتب لمصلحة غيره، يجب ألا تتعطل مصالحه؛ لذلك قال الله تعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} .
والله تعالى قد حذر الدائن والمدين من أن ينال كلاهما أو أحدهما الكاتب أو الشاهد أذى منهم، فإن فعلوا كان ذلك فسقًا منهم، وخروجًا على سنة العدل والإحسان، وتعديًا على حدود الله، وذلك في قوله تعالى: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} 68.
ثانيًا: إضرار الكتاب والشهود بالمتداينين:
وكما أن الله تعالى قد حذر من مغبة الضرر بالكاتب والشهيد وتضيع مصالحهما، بسبب استغلال عدالتهما، نجد أن الله تعالى قد حذر أيضًا من إضرار الكاتب أو الشهيد لأحد المتداينين، فنجده سبحانه وضع شروطًا على الكتاب والشهود، من أهمها عدم الإضرار بالدائن أو المدين، قال تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} [البقرة: 282] .
ومن أصناف الضرر الواقع في كتابة الدين: إضرار الكاتب والشاهد بأحد المتداينين، وبيان ذلك فيما يلي:
في قوله تعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} هذا نهي عن المضارة لأحد الطرفين سواء الشاهد والكاتب أو أحد المتداينين، وقد تبين فيما سبق كيفية إضرار الدائن أو المدين أو كليهما بالشاهد أو الكاتب، أما إضرار الشاهد والكاتب بالمتداينين، فإن أصل لفظة {يُضَارَّ} هو يضارر، بكسر الراء الأولى، ومعناه: لا يضار الكاتب بأن يكتب أو يشهد، فيكون منه بذلك الضرر، والضرر منهما على عدة وجوه، منها:
الوجه الأول: بأن يدعى الكاتب للكتابة وهو أهل لها فيأبى أن يكتب، أو يدعى الشاهد للشهادة وهو أهل لها، فيأبى أن يشهد، فلا يجدان الرجل العدل الذي يكتب أو يشهد، فبذلك يضار المتداينان بكتابة أو شهادة غير عدل 69.
الوجه الثاني: حيث يضر الكاتب فيزيد فيما يملى عليه في نص العقد، أو ينقص منه كلام أملي عليه كتابته، أو يحرف الكلام الذي أملي عليه بكلام غير مفهوم، أو كلام فيه غش وخداع لأحد الطرفين، فيضر صاحب الحق أو من عليه الحق 70.