فهرس الكتاب

الصفحة 901 من 2431

تكون نفقة الأقارب الواجبة على القريب الموسر للزوجة والأولاد والآباء كما يأتي:

1.نفقة الزوجة.

نفقة الزوجة وكسوتها وطعامها وسكناها واجبة على زوجها لقاء احتباسها في بيت زوجها ومشاطرته تربية الأبناء ورعايتهم، فإنها تستحق كل ما تحتاج من نفقات سواءً أكانت غنيةً أم فقيرةً، وكذلك تستحق الزوجة المطلقة النفقة، إذا كانت مطلقة في حال حملها أو رضاعها لأولادها أو كونها في العدة، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 233] .

وقال سبحانه: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چچ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ) [الطلاق: 6 - 7] .

والنفقة من حقوق الزوجة، وبسببها يكتسب الزوج حق القوامة عليها، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ?) [النساء: 34] 92.

قال أبو جعفر الطبري: «الرجال أهل قيام على نسائهم، في تأديبهن والأخذ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم (? پ پ پ پ ?) ، يعني: بما فضل الله به الرجال على أزواجهم: من سوقهم إليهن مهورهن، وإنفاقهم عليهن أموالهم وكفايتهم إياهن مؤنهن، وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهن، ولذلك صاروا قوامًا عليهن، نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن» 93.

2.نفقة الوالدين.

يجب على المسلم الموسر نفقة الوالدين، ولو كانا كافرين وبرهما وخدمتهما وزيارتهما إلا أن يخاف أن يجلباه إلى الكفر 94، ويدل على ذلك قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 215] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ں ں) [النساء: 36] .

مع بيان النبي صلى الله عليه وسلم لمراد الله بقوله: فيما رواه طارق المحاربي، قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: (يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ثم أدناك، أدناك) 95، وفيه الدلالة على وجوب نفقة الوالدين، والأقربين عليه 96.

وقد أجمع العلماء على وجوب النفقة للوالدين اللذين لا كسب لهما ولا مال، سواءً أكان الوالدان مسلمين أو كافرين، وسواءً كان الفرع ذكرًا أم أنثى، قال الشربيني: «قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن نفقة الوالدين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، والأجداد والجدات ملحقون بهما إن لم يدخلوا في عموم ذلك، كما ألحقوا بهما في العتق والملك، وعدم القود، ورد الشهادة وغيرهما» 97، ويشترط لوجوب النفقة يسار المنفق، وإعسار المنفق عليه، واحتياجه إلى النفقة، وهذا باتفاق العلماء في الجملة 98.

3.نفقة الأولاد.

يجب على الوالد الموسر النفقة على أولاده الصغار؛ لأن الأولاد جزء منه، فالإنفاق عليهم كالإنفاق على نفسه، وإحيائهم كإحياء نفسه، ونفقة الأولاد واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [الطلاق: 6] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ?) [البقرة: 233] .

وفي الآيتين دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد لعجزه وضعفه؛ فجعل الله تعالى ذلك على يدي أبيه؛ لقرابته منه وشفقته عليه 99.

ومن السنة النبوية ما روته عائشة رضي الله عنها، قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك) 100.

أما الإجماع: فقد حكى الإجماع على ذلك ابن قدامة وقال: «وأما الإجماع، فحكى ابن المنذر قال: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما، ولا مال، واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم، ولأن ولد الإنسان بعضه، وهو بعض والده، فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه وأهله كذلك على بعضه وأصله» 101.

4.نفقة باقي الأقارب.

أما نفقة باقي الأقارب فقد اختلف المفسرون والفقهاء في حكم النفقة عليهم على أقوال، والراجح أن النفقة تجب على الأقارب العاجزين عن الكسب إذا كان القريب موسرًا 102.

فتجب النفقة لكل قريب وارث من الأصول والفروع والحواشي، كالإخوة والأعمام وأبنائهم، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] 103، قال ابن كثير: «وقد استدل بذلك من ذهب إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف، ويرجح ذلك بحديث الحسن عن سمرة مرفوعًا (من ملك ذا رحم محرم، عتق عليه) 104» 105.

3.الوصية.

الوصية مشروعة في وجوه الخير المتعددة، ولكنها تستحب للأقارب غير الوارثين؛ لأن الوصية لهم لون من ألوان البر والإحسان الذي أمر الله به لذوي القربى؛ لأن ذلك نوع من أنواع التكافل والتعاضد ومدعاة للتآلف 106، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) } [البقرة: 180 - 181] .

قال أبو جعفر الطبري: «يعني بقوله تعالى ذكره: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} ، فرض عليكم، أيها المؤمنون، {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} والخير: المال، للوالدين والأقربين الذين لا يرثونه، {بِالْمَعْرُوفِ} : وهو ما أذن الله فيه وأجازه في الوصية مما لم يجاوز الثلث، ولم يتعمد الموصي ظلم ورثته، {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} يعني بذلك: فرض عليكم هذا وأوجبه، وجعله حقًا واجبًا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به 107.

قال ابن كثير: «اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبًا على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية ولا تحمل منة الموصي، ولهذا جاء في الحديث الذي في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) 108» 109.

ومن خلال هذه النصوص يتبين أن الوصية للأقارب غير الوارثين مستحبة، وليست واجبة 110.

4.الصدقة.

من حقوق الرحم المالية: الصدقة لهم والمواساة بالمال.

قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177] .

والبر: التوسع في الخير، وفي لسان الشرع: كل ما يتقرب به إلى الله من الإيمان به وصالح الأعمال وفاضل الأخلاق، {قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} أي: ناحيتيهما، {وَآتَى الْمَالَ} أي: أعطاه 111، وذوو القربي: المحتاجون، وهم أحق الناس بالبر، إذ المركوز في الفطرة أن الإنسان يألم لفاقة ذوي رحمه وعدمهم أشد مما يألم لغيرهم، فهو يرى أن هوانه بهوانهم وعزه بعزهم، فمن قطع رحمه وامتنع عن مساعدتهم، وهم بائسون وهو في نعمة من الله وفضل، فقد بعد عن الدين والفطرة، وجاء في الحديث الذي رواه سلمان بن عامر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة) 112، أي: صدقة وصلة رحم 113.

وقد حضّ سبحانه على صلة القرابة وبر الأقارب والإحسان إليهم، وإيتاء حقوقهم من البر والصلة.

قال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) } [الإسراء: 26] .

وقال تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) } [الروم: 38] 114.

كما أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أمرًا تدخل الأمة فيه، وهذا على جهة الندب إلى إيتاء ذي القربى حقه من صلة المال وحسن المعاشرة ولين القول، قال الحسن: حقه المواساة في اليسر، وقول ميسور في العسر 115.

وقال الشوكاني: «لما بين سبحانه كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى ما ينبغي من مواساة القرابة، وأهل الحاجات ممن بسط الله له في رزقه، فقال: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمته أسوته، أو لكل مكلف له مال وسع الله به عليه، وقدم الإحسان إلى القرابة؛ لأن خير الصدقة ما كان على قريب، فهو صدقة مضاعفة، وصلة رحم مرغب فيها، والمراد: الإحسان إليهم بالصدقة، والصلة، والبر» 116.

5.الغنيمة والفيء.

إن الغنيمة والفيء من الحقوق المالية لذوي القربى قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) } [الأنفال: 41] .

وقوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) } [الحشر: 7] .

والغنيمة هي: المال المأخوذ من الكفار، بإيجاف الخيل والركاب، والفيء ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها أو يتوفون عنها، ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف. ومن العلماء من يطلق الفيء: على ما تطلق عليه الغنيمة، وبالعكس أيضًا 117.

والمراد ب (ذوي القربى) : قرابته صلى الله عليه وسلم، وذهب الجمهور إلى أن سهم ذوي القربى يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب خاصة؛ لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية، وفي أول الإسلام، ودخلوا معهم في الشعب غضبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمايةً له، مسلمهم طاعةً لله ولرسوله، وكافرهم حميةً للعشيرة، وأنفةً، وطاعةً لأبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما بنو عبد شمس، وبنو نوفل، وإن كانوا ابني عمهم، فلم يوافقوهم، بل حاربوهم ونابذوهم 118؛ ولأنهم قد منعوا الصدقة، فجعل لهم حق في الفيء 119.

وفي هذا روى جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بنو المطلب، وبنو هاشم شيء واحد) قال الليث: حدثني يونس، وزاد، قال جبير: ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل 120.

وبهذا يكون لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم خمس خمس الغنيمة، وخمس الفيء في حياته صلى الله عليه وسلم.

أما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اختلف أهل العلم في سهم ذوي القربى هل هو ثابت اليوم أم لا؟

فذهب الجمهور إلى أنه ثابت فيعطى فقراؤهم وأغنياؤهم من خمس الخمس، للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو قول مالك والشافعي، وذهب أبو حنيفة وأصحاب الرأي إلى أنه غير ثابت، وقالوا سهم النبي صلى الله عليه وسلم، وسهم ذوي القربى مردود في الخمس، فيقسم خمس الغنيمة على ثلاثة أصناف اليتامى والمساكين وابن السبيل، فيصرف إلى فقراء ذوي القربى مع هذه الأصناف دون أغنيائهم، وحجة الجمهور أن الكتاب والسنة يدلان على ثبوت سهم ذوي القربى، ولأن الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعطون ذوي القربى، ولا يفضلون فقيرًا على غني؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، وكذا الخلفاء بعده كانوا يعطونه، وألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة غير أنهم يعطون القريب والبعيد، وقال: ويفضل الذكر على الأنثى فيعطى الذكر سهمين والأنثى سهمًا 121.

بل قد حكى بعض العلماء الإجماع على أن ذلك السهم يكون في الكراع والسلاح في سبيل الله، فقد أخرج النسائي وغيره عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن الحنفية قال: «اختلف الناس بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في هذين السهمين: سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسهم لذوي القربى، فقالت طائفة: سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للخليفة من بعده، وقالت طائفة: سهم لذوي القربى لقرابة الخليفة، فأجمعوا على أن يجعلوا هذين السهمين في الكراع وفي العدة في سبيل الله» 122.

وبهذا يمكن القول بأن سهم ذوي القربى يصرف في المصالح العامة وخاصة في هذا العصر؛ لتعذر معرفة قرابات النبي صلى الله عليه وسلم، وبعدهم عن عصره صلى الله عليه وسلم، مع الحب والتقدير لمن ينتسب إلى آل النبي صلى الله عليه وسلم.

ثالثًا: حقوق دعوية:

يجب على المسلم أن يخص أقاربه بالدعوة إلى الله تعالى والنصح والإرشاد كونه يتحمل المسؤلية تجاههم، بل إن تلك الدعوة والنصح والإرشاد من حقوق القرابة لقوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) } [الشعراء: 214] .

فقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الأقربين من عشيرته إلى الدين الإسلامي، وخصهم بالدعوة؛ لأنه يمكنه أن يجمعهم، أو لأن الإنسان يساهل قرابته، فأمر بإنذارهم من غير تليين، أو ليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئًا 123؛ لتنحسم أطماع سائر عشيرته وأطماع الأجانب في مفارقته إياهم على الشرك، وعشيرته الأقربون هم قريش، وقيل: بنو عبد مناف 124.

وقد بينت السنة النبوية كيف دعا النبي صلى الله عليه وسلم عشيرته، وذلك فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: لما أنزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) } [الشعراء: 214] ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا، فاجتمعوا فعم وخص، فقال: (يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها) 125.

ومعنى: سأبلها ببلالها، أي: سأصلها، فقد شبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بالماء الذي يطفئ ببرده الحرارة، ومنه حديث: (بلوا أرحامكم ولو بالسلام) 126127، أي: صلوا أرحامكم، قال ابن حجر: «وقال الطيبي وغيره شبه الرحم بالأرض التي إذا وقع عليها الماء وسقاها حتى سقيها أزهرت ورؤيت فيها النضارة فأثمرت المحبة والصفاء، وإذا تركت بغير سقي يبست وبطلت منفعتها فلا تثمر إلا البغضاء والجفاء» 128.

كما قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] .

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) } [التحريم: 6] .

ووقاية النفس عن النار بترك المعاصي وفعل الطاعات، ووقاية الأهل بحملهم على ذلك بالنصح والتأديب 129، وأيضًا فهم أحق أن يتصدق عليهم، فوجب أن يكونوا بالإحسان الديني أولى 130.

ومن خلال هذه النصوص يتبين أن من حقوق القريب على قريبه دعوته إلى الإيمان والتقوى والاستقامة بما يقيه من النار يوم القيامة، كما يجب على القريب نصح وإرشاد قريبه للخير والصلاح الديني والدنيوي.

سيكون هذا المبحث في بيان معنى قطيعة الرحم، وصورها، وكيفية صلتها، وعاقبة قطيعة الرحم في الدنيا والآخرة، وذلك في النقاط الآتية:

أولًا: قطيعة الرحم:

إن قطيعة الرحم من الكبائر العظيمة التي توجب لعنة الله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) } [محمد: 22 - 23] .

قال ابن كثير: «ولهذا قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عمومًا، وعن قطع الأرحام خصوصًا، بل قد أمر الله تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال، وقد وردت الأحاديث الصحاح والحسان بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق عديدة ووجوه كثيرة» 131.

وقد أجمع العلماء على حرمة قطيعة الرحم، قال القرطبي: «اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة» 132.

وقطيعة الرحم تكون: بالإساءة إلى الرحم، وتكون بترك الإحسان؛ لأن الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة فلا واسطة بينهما، والصلة نوع من الإحسان كما فسرها بذلك غير واحد من العلماء، والقطيعة ضدها، وهي ترك الإحسان 133.

قال القرطبي: «وبالجملة فالرحم على وجهين: عامة وخاصة، فالعامة: رحم الدين، ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان، والمحبة لأهله ونصرتهم، والنصيحة وترك مضارتهم، والعدل بينهم، والنصفة في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة، كتمريض المرضى، وحقوق الموتى من غسلهم والصلاة عليهم ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم، وأما الرحم الخاصة: وهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه، فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة، كالنفقة، وتفقد أحوالهم، وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب» 134.

وتكون صلة الرحم بالمال وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء، والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم أهل استقامة، فإن كانوا كفارًا أو فجارًا فمقاطعتهم في الله هي صلتهم، بشرط بذل الجهد في وعظهم، ثم إعلامهم إذا أصروا أن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق، ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا إلى الطريق المثلى 135.

والخلاصة أن صلة الرحم: هي الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول، فتارةً تكون بالمال، وتارةً بالخدمة، وتارةً بالزيارة، والسلام، وغير ذلك 136، أي: أن صلة الرحم: مشاركة ذوي القرابة في الخيرات 137.

ثانيًا: عاقبة قطيعة الرحم:

توجب قطيعة الرحم عددًا من العقوبات والعواقب يمكن بيانها في الفقرات الآتية:

1.اللعنة من الله.

قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) } [محمد: 22 - 23] .

والمعنى: أن هؤلاء الذين يفسدون ويقطعون الأرحام لعنهم الله، فأبعدهم من رحمته، {فَأَصَمَّهُمْ} ، أي: فسلبهم فهم ما يسمعون بآذانهم من مواعظ الله في تنزيله، {وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} يقول: وسلبهم عقولهم، فلا يتبينون حجج الله، ولا يتذكرون ما يرون من عبره وأدلته 138.

2.القطع من الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت