أولًا: المعنى اللغوي:
تعددت المعاني اللغوية لمادة غرر، ومن ذلك:
الغرور، بفتح الغين المعجمة الذي يغر، وهو ما اغتر به من متاع الدنيا، ويأتي بمعنى الباطل 1، والخداع، يقال: « (غره) يغره بالضم (غرورًا) خدعه» 2، ويأتي أيضًا بمعنى الحمق، وسمي الأحمق بذلك؛ لأنه يغرك في أول مجلسه بتعاقله، فإذا انتهى إلى آخر كلامه تبين حمقه 3.
والغرار: النقصان، ومنه: غرار النوم: قلته، ونقصان لبن الناقة 4.
ويلحظ في المعاني اللغوية أنها تشترك في معنى النقص الذي لا يظهر للوهلة الأولى، حتى الخداع أو الحمق، فإنه لا يظهر كنهه وحقيقته إلا بعد انكشافه، وهما في الحقيقة نقص بمن اتصف بهما.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب الأصفهاني: «الغرور: كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان» 5.
وعرفه الغزالي: «سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة من الشيطان» 6.
وقال البيضاوي: «إظهار النفع فيما فيه الضرر» 7.
وقال ابن عادل: «الغرور عبارة عن الحالة التي يستحسن ظاهرها، ويحصل الندم عند انكشاف الحال فيها» 8.
وردت مادة (غرر) في القرآن الكريم (27) مرة 9.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 9 ... {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} [الأنفال:49]
الفعل المضارع ... 6 ... {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) } [لقمان:33]
المصدر ... 9 ... {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) } [آل عمران:185]
اسم ... 3 ... {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) } [لقمان:33]
وجاء الغرور في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان 10.
الخداع:
الخداع لغة:
المنع، والحيلة، فالخدع: إظهار خلاف ما تخفيه، أو ما كان ظاهره خلاف باطنه 11.
الخداع اصطلاحًا:
إظهار خير يتوسل به إلى إبطان شر يؤول إليه أمر ذلك الخير المظهر، أو هو إظهار ما يخالف الإضمار، والخدعة بالضم: ما يخدع به الإنسان، كاللعبة لما يلعب به 12.
الصلة بين الغرور والخداع:
الغرور فيه خداع، لأنه يغر الإنسان فيخدعه ويصده عن الصواب إلى الخطأ، وعن الحق إلى الباطل، وهذه مخادعة.
والغرور إيهام يحمل الإنسان على فعل ما يضره، أما الخدع فهو أن يستر عنه وجه الصواب فيوقعه في مكروه 13.
الوهم:
الوهم لغة:
من خطرات القلب، والجمع أوهامٌ، وللقلب وهمٌ، وتوهم الشيء: تخيله وتمثله، سواء أكان في الوجود أو لم يكن 14. وكثيرًا ما يستعمل الوهم في الظن الفاسد 15.
الوهم اصطلاحًا:
من الوهميات، وهي قضايا كاذبة يحكم بها الوهم في أمور غير محسوسة 16.
الصلة بين الغرور والوهم:
الغرور إيهام حال السرور فيما الأمر بخلافه، وليس كل وهم غرورًا؛ لأنه قد يوهمه أمرًا مخوفًا ليحذر منه، فلا يكون في هذه الحال قد غره 17.
الكبر:
الكبر لغة:
تدل على خلاف الصغر، والكبر: معظم الأمر، والكِبر: العظمة، وكذلك الكبرياء 18.
الكبر اصطلاحًا:
قال الراغب الأصفهاني: «الكبر الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره» 19.
الصلة بين الغرور والكبر:
الغرور نتيجة المغالاة في الكبر والفخر بغير وجه حق، والجامع بينهما الاستعلاء.
العجب:
العجب لغةً:
العُجب: الزهو والكبر، ورجلٌ معجبٌ: مزهوٌ بما يكون منه حسنًا أو قبيحًا 20.
العجب اصطلاحًا:
مسرة بحصول أمر، يصحبها تطاول به على من لم يحصل له مثله، بقول أو ما في حكمه من فعل أو ترك أو اعتقاد 21.
الصلة بين الغرور والعجب:
أقرب ما يكون العجب إلى الكبر، وهما معا يعدان مدخلا للغرور، غير أن الفرق بين الكبر والإعجاب يتجلى في كونهما قد يجتمعان في الذم ويفترقان في المعنى، فالإعجاب يكون في النفس وما تظنه من فضائلها، والكبر يكون بالمنزلة وما تظنه من علوها 22.
للغرور أسباب متعددة، عرض إليها القرآن الكريم، وحث على الانتباه إليها والحذر منها؛ كي لا يكون المؤمن من أصحاب الغرور والغفلة، وفيما يأتي عرض لأهم الأسباب وفق النقاط الآتية:
أولًا: الفهم الخاطئ للدين:
حرف الكفار دينهم وأمدهم الشيطان بالأماني الكاذبة، فبدلوا وغيروا وفق أهوائهم، وافتروا على الله واختلقوا الأكاذيب، وهم بعد ذلك كله يوهمون أنفسهم أن ما اختلقوه من الباطل صواب، وأن تمنيهم على الله ينجيهم، وعن هؤلاء قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 24] .
والمعنى: غرهم وأطمعهم وثبتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم، من زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه 23.
وقيل: هو قولهم: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} ، وهي أربعون يومًا -وهن الأيام التي عبدوا فيها العجل- ثم يخرجنا منها ربنا، اغترارًا منهم. وقيل: غرهم قولهم: نحن على الحق وأنتم على الباطل 24، وأن الله قد وعد أباهم يعقوب أن لا يدخل أحدًا من ولده النار إلا تحلة القسم 25.
ونتيجة لهذا الغرور الباطل توعدهم الله تعالى بالوعيد الشديد والعذاب الأليم قائلا سبحانه: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 25] .
فأكذبهم الله على ذلك كله، وفي هذا تهديد لهم واستعظام لما أعد لهم في ذلك اليوم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم فيه، وإن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وطمع فيما لا يكون ولا يحصل لهم 26.
وفي هذا تنبيه للعلماء العاملين المخلصين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن لا يشتروا بدين الله ثمنا قليلا، وأن يحفظوا على الناس دينهم، فلا يغتروا بما في أيدي الناس من متاع الدنيا فيلبسوا عليهم دينهم، وعليهم أن يتذكروا أن الله تعالى سائلهم عما ائتمنهم، ومحاسبهم على أقوالهم، ومجازيهم على أفعالهم.
ومن الآيات التي حذرت من التلاعب بالدين: قوله تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأنعام: 70] .
وقوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأعراف: 51] .
فهؤلاء تلاعبوا بالدين الذي شرع لهم، واتخذوه لهوًا ولعبًا، أي: أكلًا وشربًا. وقيل: هو ما زينه الشيطان لهم من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك من خصال الجاهلية 27.
ثانيًا: متاع الحياة الدنيا:
تشغل الدنيا قلوب الناس جميعا غير أن الناس يتفاوتون بمقدار ما تأخذ الدنيا من ألبابهم وعقولهم وأفعالهم، فمن شغلته الدنيا عن الآخرة هلك، ومن اشتغل فيها بطاعة الله واتخذها سلما للآخرة نجا، {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185] .
وقال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20] .
أي: وما لذات الدنيا وشهواتها وما فيها من زينتها وزخارفها إلا متعة يمتعكموها الغرور والخداع المضمحل الذي لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحة له عند الاختبار. فأنتم تلتذون بما متعكم الغرور من دنياكم ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره، وفي هذا تحذير لكم من الركون إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تمتعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون 28.
فالغرور في الآية «الخدع والترجية بالباطل، والحياة الدنيا وكل ما فيها من الأموال فهي متاع قليل تخدع المرء وتمنيه الأباطيل» 29.
فشبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه، وهذا لمن آثرها على الآخرة. فأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ» 30.
أخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن سابط في قوله {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185] قال: «كزاد الراعي، تزوده الكف من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن» 31.
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن موضع سوطٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، اقرءوا إن شئتم: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} ) 32.
وقد حذر القرآن الكريم من الاغترار بالحياة الدنيا فقال جل شأنه مخاطبًا الناس جميعًا: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33] .
يعني: «لا يغرنكم ما في الدنيا من زينتها وزهوتها، فتركنوا إليها وتطمئنوا بها وتتركوا الآخرة والعمل لها» 33.
وأرشد القرآن الكريم إلى أن الوقوع في غرور الدنيا عاقبته وخيمة ونتائجه أليمة، فبينت الآيات أن جهنم عاقبة من اغتر وغوى، قال تعالى: {ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [الجاثية: 35] .
وقد يتجاوز الغرور الكفار إلى المؤمنين، فالحياة الدنيا للكافرين والمؤمنين جميعًا غرور، فيلحق الغرور المؤمنين إذا ضيعوا أمر الله تعالى -وهي الأعمال الصالحة- وتدنسوا بالشهوات، فهم وقتئذ يشاركون الكفار في الغرور 34.
ثالثًا: أصدقاء السوء:
إن الصحبة الصالحة طريق إلى الجنة، أما المبطلون والمفسدون الذين ملكت الدنيا عليهم مجامع النفوس وشغلتهم عن علام الغيوب، فما عسى أحدهم أن يرشد خليله! وإلى أين سيأخذ بيده وناصيته؟! إنه يقوده إلى الهلاك، وإلى طريق السعير وبئس المصير.
قال تعالى: {بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا} [فاطر: 40] .
أي: وما يعد {بَعْضُهُمْ} وهم الرؤساء من المشركين، يعد بعضهم {بَعْضًا} وهم الأتباع، {إِلَّا غُرُورًا} وهو قولهم لأتباعهم أن الأصنام تشفع لهم، وأنه لا حساب عليهم ولا عقاب 35، وذلك تغرير من الرؤساء للأتباع، ومن السلف إلى الخلف.
أما الذين لا ينجرون وراء غرور من يعايشونهم ويخالطونهم فإنهم يسلمون من الاقتران بهم في الهاوية والعذاب الأليم يوم القيامة، وفي هذا حوار المغرورين مع المتقين يوم القيامة قبل أن يضرب الله بينهما سورا: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 14] .
وفي الآيات تحذير من قرناء السوء، فلا يجر قرين السوء لقرينه إلا الهلاك والثبور، ثم إنه يتبرأ منه يوم القيامة، قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} وعندها يتمنى التابع المتابع للرؤساء الظلمة لو أن له عودة للدنيا فيتبرأ منهم، ولكن حين لا تنفع الأماني {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 166 - 167] .
إن مجالسة أصحاب الأهواء والضلال تورث مجالسهم القسوة، وتجعله شريكا في إثم المجلس وإن لم يشاركهم الإثم، وفي هذا جاء القرآن محذرا من مجالستهم، قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] .
رابعًا: الشيطان:
يعد الشيطان من أخطر مداخل الغرور إلى الإنسان، فهو مخادع كذاب، وكان الإغواء والغرور في مستهل جولاته مع أبي البشر آدم وحواء عليهما السلام، قال تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 21 - 22] .
فقد أقسم إبليس وحلف لهما: {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} يعني: فخدعهما بغرور، يقال: ما زال فلان يدلي فلانا بغرور، يعني: ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف من القول الباطل. ومعنى الآية أن إبليس لعنه الله غر آدم باليمين الكاذبة، وكان آدم عليه الصلاة والسلام يظن أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، وإبليس أول من حلف بالله كاذبا، فلما حلف إبليس ظن آدم أنه صادق فاغتر به 36.
وذكر الأزهري لهذه اللفظة أصلين: أحدهما أن الرجل العطشان يتدلى في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا يجدي نفعا، والغرور إظهار النصح مع إبطان الغش، وهو أن إبليس حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية؛ لأن التدلي لا يكون إلا من علو إلى أسفل، والأصل الثاني لقوله {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} أي: جرأهما على أكل الشجرة، وأصله: دللهما من الدلال والدالة وهى الجراءة 37.
وقد حذرنا الله تعالى من غدر الشيطان وغروره قائلًا: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33] .
قال أبو حيان: «والغرور: الشيطان بإجماع» 38، وهو مروي عن ابن عباس ومقاتل وغيرهما، والمعنى: لا يخدعنكم بالله الشيطان، فيمنيكم الأماني، ويعدكم من الله العدات الكاذبة، ويحملكم على الإصرار على كفركم بالله 39.
قال القرطبي: «والغرور بفتح الغين: الشيطان، يغر الناس بالتمنية والمواعيد الكاذبة. قال ابن عرفة: الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه أو مجهول. والشيطان غرور؛ لأنه يحمل على محاب النفس، ووراء ذلك ما يسوء. قال: ومن هذا بيع الغرر، وهو ما كان له ظاهر بيع يغر وباطن مجهول» 40.
والملاحظ في الآيات التحذير الشديد من الاغترار بالشيطان، فعلى الإنسان أن يخذله ويكذبه فيما يغره فيه حتى لا يكون تبعا له.
خامسًا: الأماني الباطلة:
قال تعالى: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 14] .
والأماني: هي الأطماع، مثل قولهم: سيهلك محمد هذا العام. أو طول الآمال في امتداد الأعمار {حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ} وهو الموت على النفاق 41.
وقال تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 120] .
«معنى وعد الشيطان ما يصل مفهومه إلى قلب الإنسان، من نحو ما يجده من أنه سيطول عمرك، وتنال من الدنيا لذتك، وستعتلي على أعدائك، فإنما الدنيا دول، فستدور لك كما دارت لغيرك، وكل هذا غرور وتمنية وتطويل للأمل، وسيهجم عن قريب عليه الأجل، وقد أبطل أيام عمره في رجاء ما لم يدرك منه شيئًا، فالعاقل من لم يعرج على هذا، وجدَّ في الطاعة ما أمكنه، وعلم أنه سينقطع عن الدنيا قريبًا، وعد نفسه من الموتى، وصدق الله في قوله: {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} أي: إلا ما يغرهم بإيهام النفع فيما فيه الضر» 42.
وقال ابن جرير: «يعد الشيطان المريد أولياءه الذين هم نصيبه المفروض: أن يكون لهم نصيرًا ممن أرادهم بسوء، وظهيرًا لهم عليه، يمنعهم منه ويدافع عنهم، ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم والفلج عليهم» 43.
ومن المعلوم أن عدات الشيطان غرور وكذب، وأن أمانيه باطلة، حتى إذا حصحص الحق وصاروا إلى الحاجة إليه تنصل من وعوده إليهم، وفر من نصرتهم بعد أن وقعوا في وبال خداعه، عندها يقول لهم عدو الله: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22] .
هذه عادة الشيطان في الإغواء والإضلال، وكذا كان حاله مع مشركي مكة قبيل معركة بدر، يُمنِّيهم الأماني الكاذبة بالنصر والظفر، ويزين لهم أعمالهم قائلا لهم: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} [الأنفال: 48] .
فلما تقابل المسلمون مع المشركين وحصحص الحق وعاين الشيطان جد الأمر ونزول عذاب الله بحزبه {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] .
فصارت عداته -عدو الله- إياهم عند حاجتهم إليه غرورًا كالسراب، وأصبحت أمانيه إياهم باطلة 44.
سادسًا: الاغترار بإمهال الله تعالى وسعة رحمته:
يغتر الكفار كثيرًا بإمهال الله لهم وتأخيره العذاب عنهم.
وقد قال تعالى: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33]
قال الواحدي في تفسير قوله تعالى {وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ} : «أي: بحلم الله وإمهاله» 45.
ثم إن كثيرًا من الناس يرتكبون الذنوب ويغترون بعفو الله تعالى وصفحه، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6] .
قال الزجاج: «أي ما خدعك وسول لك حتى أضعت ما وجب عليك» ؟! 46.
والمعنى: أي شيء غرك وجرأك وسول لك حتى ارتكبت ما ارتكبت بحق ربك الكريم الذي تجاوز عنك في الدنيا ولم يعاقبك؟! 47.
«وقرأ ابن جبير والأعمش: «ما أغرك» ، فاحتمل أن تكون استفهامية، وأن تكون تعجبية، ومعنى «أغره» : أدخله في الغرة، أو جعله غارًّا» 48.
وإنما قال (ما غرك بربك الكريم) لطفًا بعبده، وتلقينًا له حجته وعذره ليقول: غرني كرم الكريم. وقال الفضيل: لو سألني الله تعالى هذا السؤال لقلت: غرني ستورك المرخاة. وروي أن عليًّا صاح بغلام له مرَّات فلم يلبه، ثم أقبل فقال له: مالك لم تجبني؟ فقال: لثقتي بحلمك وأمني عقوبتك. فاستحسن جوابه وأعتقه 49.
ويستفاد من الآية أنه يجب على المرء أن لا يغتر بكرم الله تعالى وعفوه وسعة رحمته وتفضله بالإنعام على عباده، فيرتكب المعاصي والذنوب ركونا إلى عفوه وغفرانه، فإن ذلك كفر للنعمة وخروج عن الحكمة في مقابلة المن والعطاء بالجحود والكفران، فمن فعل فمصيره الهلاك والخسران.
ومن غرور كفار أهل الكتاب طمعهم بمغفرة الله تعالى ورضوانه، وقولهم: سيغفر لنا. وادعاؤهم أنهم أحباب الله وأبناؤه، وأن الله لن يعذبهم بذنوبهم، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، ومنه: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] .