فهرس الكتاب

الصفحة 1296 من 2431

قال السمين الحلبي بعد أن ذكر وجهين في تفسير هذه الآية: وهذان الوجهان لا ينبغي أن يحملا على ظاهرهما قطعًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك أنه على هدى ويقين، وأن الكفار على ضلال، وإنما هذا الكلام جار على ما يتخاطب به العرب، من استعمال الإنصاف في محاوراتهم، على سبيل الفرض والتقدير، ويسميه أهل البيان: الاستدراج، وهو أن يذكر لمخاطبه أمرًا يسلمه، وإن كان بخلاف ما يذكر، حتى يصغي إلى ما يلقيه إليه؛ إذ لو بدأه بما يكره لم يصغ، ونظيره قولهم: أخزى الله الكاذب مني ومنك 93.

ونظير الآية السابقة قوله تعالى: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) } [سبأ:25] .

قال البيضاوي: هذا أدخل في الإنصاف، وأبلغ في الإخبات، حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم، والعمل إلى المخاطبين 94. فسمى فعله جرمًا -كما يزعمون- مع أنه مثاب مشكور، وسمى فعلهم عملًا، مع أنه مزجور عنه محظور 95.

وفي هذا التعبير القرآني محاسنة للمشركين، ورفق بهم، وإطفاء لحمية الجاهلية التي تعمي عليهم السبيل إلى الهدى، وهذا هو الأسلوب الحكيم في مخاطبة الجاهلين، وهو أسلوب الدعوة الإسلامية، والصميم من رسالة رسولها، كما يقول سبحانه وتعالى لنبيه الكريم: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] 96.

ومن الأمثلة على الإنصاف في المناظرة: قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} [غافر:28] فهذا أيضًا نوع من أنواع التنزل، أو ما يسمى باستدراج الخصم في المناظرة حتى يقر بالحق.

فلما صرح بالإنكار عليهم بقوله: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا} غالطهم بعد ذلك، في أن قسم أمره إلى كذب وصدق، وأدى ذلك في صورة احتمال ونصيحة، وبدأ في التقسيم بقوله: {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} مداراة منه، وسالكًا طريق الإنصاف في القول، وخوفًا إذا أنكر عليهم قتله أنه ممن يعاضده ويناصره، فأوهمهم بهذا التقسيم والبداءة بحالة الكذب حتى يسلم من شرهم، ويكون ذلك أدنى لتسليمهم.

ومعنى: {فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} أي: لا يتخطاه ضرره {وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} 97. من العذاب، ولم يقل: كل الذي يعدكم، مع أنه وعد من نبي صادق القول، مداراةً لهم، وسلوكًا لطريق الإنصاف، فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم له، وليس فيه نفي إصابة الكل، فكأنه قال لهم: لعل ما يكون في صدقه أن يصيبكم بعض ما يعدكم، وهو العذاب العاجل، وفي ذلك هلاككم 98.

قال الشهاب الخفاجي: ففيه من الإنصاف والأدب ما لا يخفى، فإنه نبي صادق، فلا بد أن يصيبهم كل ما وعد به لا بعضه؛ لكنه أتى بما هو أذعن لتسليمهم وتصديقهم؛ لما فيه من الملاطفة في النصح، بكلام منصف، غير مشتط مشدد، أراهم إنه لم يعطه حقه، ولم يتعصب له، ويحامي عنه، حتى لا ينفروا عنه؛ ولذا قدم قوله: {كَاذِبًا} 99.

والمقصود: أن هذا من أعظم الإنصاف في المجادلة والمناظرة، حيث فرض لهم أسوأ الفروض، ووقف معهم موقف المنصف أمام القضية، تمشيًا مع أقصى فرض يمكن أن يتخذوه {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} أي: هو يحمل تبعة عمله، ويلقى جزاءه، ويحتمل جريرته، وليس هذا بمسوغ لهم أن يقتلوه على أية حال!

وهناك الاحتمال الآخر، وهو أن يكون صادقًا، فيحسن الاحتياط لهذا الاحتمال، وعدم التعرض لنتائجه {وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} وإصابتهم ببعض الذي يعدهم هو كذلك أقل احتمال في القضية، فهو لا يطلب إليهم أكثر منه، وهذا منتهى الإنصاف في الجدل والإفحام 100.

ونظير ما سبق قوله تعالى: {قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) } [الأنعام:135] .

ترديد بينه عليه السلام وبينهم، ومعلوم أن هذا التهديد والوعيد مختص بهم، وأن عاقبة الدار الحسنى هي له عليه السلام، ولكنه أجري مجرى قوله: فشركما لخيركما الفداء 101.

وقد علم ما هو شر، وما هو خير؛ ولكنه أبرز في صورة الترديد؛ إظهارًا لصورة الإنصاف، ورميًا بالكلام على جهة الاشتراك؛ اتكالًا على فهم المعنى 102.

والحاصل: أن على من اضطر إلى المناظرة والمجادلة فليكن منصفًا، عادلًا، قابلًا للحق، ممن جاء به، ولتكن مناظرته ومجادلته بالحسنى، فالجدال والحجاج غير مذموم مطلقًا، بل حسب كيفيته، والقصد منه، وقد قص لنا القرآن محاجة إبراهيم عليه السلام وغيره، حيث قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) } [البقرة:258] .

قال القرطبي: وتدل الآية على إثبات المناظرة والمجادلة، وإقامة الحجة، وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله، قال الله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111] .

وقال: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} [يونس:68] .

أي: من حجة، وقد وصف خصومة إبراهيم عليه السلام قومه ورده عليهم في عبادة الأوثان، كما في سورة الأنبياء وغيرها.

وقال في قصة نوح عليه السلام: {قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود:32] الآيات ... إلى قوله: {وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} [هود:35] .

وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي، فهو كله تعليم من الله عز وجل السؤال والجواب والمجادلة في الدين؛ لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق، ودحض حجة الباطل.

وفي قول الله عز وجل: {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران:66] .

دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر، قال المزني صاحب الشافعي: ومن حق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل، وأن يقبل منها ما تبين، وقالوا: لا تصح المناظرة، ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين، أو مستويين في مرتبة واحدة، من الدين والعقل والفهم والإنصاف، وإلا فهو مراء ومكابرة 103.

وقد أخبر الله تعالى عن نبيه أنه دعى قومه إلى كلمة سواء، يكون فيها الإنصاف والعدل.

قال تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) } [آل عمران:64] .

أي: قل لأهل الكتاب من اليهود والنصارى {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أي: هلموا نجتمع عليها، وهي الكلمة التي اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، ولم يخالفها إلا المعاندون والضالون، ليست مختصة بأحدنا دون الآخر، بل مشتركة بيننا وبينكم، وهذا من العدل في المقال، والإنصاف في الجدال 104.

وقد كان عليه السلام حريصًا على إيمانهم، فكأنه تعالى قال: يا محمد اترك ذلك المنهج من الكلام، واعدل إلى منهج آخر، يشهد كل عقل سليم، وطبع مستقيم، أنه كلام مبني على الإنصاف، وترك الجدال، و {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أي: هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض، ولا ميل فيه لأحد على صاحبه، وهي {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ} 105.

وكأنه لما أورد الدلائل عليهم أولًا، ثم باهلهم ثانيًا، عدل في هذا المقام إلى الكلام المبني على رعاية الإنصاف، وترك المجادلة، وطلب الإفحام والإلزام، ومما يدل عليه أنه خاطبهم ها هنا بقوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} وهذا الاسم من أحسن الأسماء، وأكمل الألقاب، حيث جعلهم أهلًا لكتاب الله.

ونظيره ما يقال لحافظ القرآن: يا حامل كتاب الله، وللمفسر: يا مفسر كلام الله، فإن هذا اللقب يدل على أن قائله أراد المبالغة في تعظيم المخاطب، وفي تطييب قلبه، وذلك إنما يقال عند عدول الإنسان مع خصمه عن طريقة اللجاج والنزاع إلى طريقة طلب الإنصاف.

أما قوله تعالى: {إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ} ... ، فالسواء هو العدل والإنصاف؛ وذلك لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف، فإن الواجب في العقول ترك الظلم على النفس وعلى الغير؛ وذلك لا يحصل إلا بإعطاء النصف، فإذا أنصف وترك ظلمه أعطاه النصف، فقد سوى بين نفسه، وبين غيره، وحصل الاعتدال، وإذا ظلم وأخذ أكثر مما أعطى زال الاعتدال، فلما كان من لوازم العدل والإنصاف التسوية جعل لفظ التسوية عبارة عن العدل، ثم قال الزجاج: {سَوَاءٍ} نعت للكلمة، يريد: ذات سواء، أي: كلمة عادلة مستقيمة مستوية، فإذا آمنا بها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة 106.

والحاصل: أن الأمثلة القرآنية السابقة كلها تدل على استخدام الإنصاف أثناء المناظرة والمجادلة، واستخدام الملاطفة في النصح، والإتيان بكلام منصف غير مشدد، ولا متعصب.

قال ابن باديس: لما كان أهل الباطل لا يجدون في تأييد باطلهم إلا الكلمات الباطلة، يموهون بها، والكلمات البذيئة القبيحة يتخذون سلاحًا منها، ولا يسلكون في مجادلتهم إلا الطرق الملتوية المتناقضة، فيتعسفون فيها، ويهربون إليها؛ لما كان هذا شأنهم، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجتنب كلماتهم الباطلة والقبيحة، وطرائقهم المتناقضة والملتوية، وأن يلتزم في جدالهم كلمة الحق، والكلمات الطيبة البريئة، وأن يسلك في مدافعتهم طريق الرفق والرجاحة والوقار والإنصاف، دون فحش ولا طيش ولا فظاظة.

وهذه الطريقة في الجدال هي التي هي أحسن من غيرها، في لفظها ومعناها، ومظهرها وتأثيرها، وإفضائها للمقصود من إفحام المبطل وجلبه، ورد شره عن الناس، وإطلاعهم على نقصه، وسوء قصده ... ، فالجدال يكون عند وجود ما يقتضيه؛ ولهذا كانت الدعوة بوجهيها محمودة على كل حال، وكان الجدال مذمومًا في بعض الأحوال.

وذلك فيما إذا استعمل عند عدم الحاجة إليه، فيكون حينئذٍ شاغلًا عن الدعوة، ومؤديًا في الأكثر إلى الفساد والفتنة، فإذا كان جدالًا لمجرد الغلبة والظهور فهو شر كله، وأشد شرًا منه إذا كان لمدافعة الحق بالباطل.

وفي هذه الأقسام الممنوعة جاء مثل قوله: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [الكهف:56] .

وقوله: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف:58] .

فالمدافعة والمغالبة من فطرة الإنسان، ولهذا كان الإنسان أكثر شيء جدلًا، غير أن التربية الدينية هي التي تضبط خلقه، وتقوم فطرته، فتجعل جداله بالحق عن الحق.

فلنحذر من أن يطغى علينا خلق المدافعة والمغالبة، فنذهب في الجدل شر مذاهبه، وتصير الخصومة لنا خلقًا، ومن صارت الخصومة له خلقًا أصبح يندفع معها في كل شيء، ولأدنى شيء، ولا يبالي بحق ولا باطل، وإنما يريد الغلب بأي وجه كان ... ، فمن ضبط نفسه، وراقب ربه، لا يجادل إذا جادل إلا عن الحق، وبالتي هي أحسن 107.

والحاصل: أن في هذه الأمثلة القرآنية حثًا على الإنصاف في المناظرة، واتباع الحق، والرفق والمداراة، على وجهٍ يظهر منه أن القصد إثبات الحق، وإزهاق الباطل، لا نصرة الرأي، وهزيمة الرأي الآخر.

سادسًا: الإقرار بالحق إذا قاله المخالف:

ومن الإنصاف أن يقر المرء بالحق، وإن صدر من الخصم، فالحق أحق أن يتبع، ومما يبين ذلك: ما جاء في قصة السحرة مع موسى عليه السلام حيث حكى الله قصتهم.

قال تعالى:. {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) } [طه:71 - 73] .

وما ذكره جل وعلا عنهم في هذا الموضع من ثباتهم على الإيمان، وإنصافهم للحق، وعدم مبالاتهم بتهديد فرعون ووعيده، رغبة فيما عند الله، قد ذكره في غير هذا الموضع، كقوله في الشعراء عنهم في القصة بعينها: {قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) } [الشعراء:50] وقوله في الأعراف: {قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) } [الأعراف:125 - 126] .

فهؤلاء كانوا في الغداة كفارًا سحرة، وأمسوا أخيارًا بررة، لما عرفوا الحق اتبعوه وأنصفوه، ويا له من إنصاف عظيم! تحملوا معه التبعات العظام، هددهم فرعون بالقطع والقتل والصلب، ومع هذا ما خافوا وما استكانوا، بل آثروا الحق وقبلوه، مع أنه جاء عن طريق من كان خصمًا لهم في نظرهم.

قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما حكى تهديد فرعون لأولئك حكى جوابهم عن ذلك بما يدل على حصول اليقين التام، والبصيرة الكاملة لهم في أصول الدين، فقالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات.

وذلك يدل على أن فرعون طلب منهم الرجوع عن الإيمان وإلا فعل بهم ما أوعدهم، فقالوا: {لَنْ نُؤْثِرَكَ} جوابًا لما قاله، وبينوا العلة، وهي أن الذي جاءهم بينات وأدلة، والذي يذكره فرعون محض الدنيا، ومنافع الدنيا ومضارها لا تعارض منافع الآخرة ومضارها 108.

والمقصود: أن هذه إجابة حاسمة قاطعة، تقطع أمله في رجوعهم، والإيمان إذا دخل القلب، وأشرب حبه كان أثبت من الرواسي، وهو إيمان بحجة وبينة وبرهان {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا} أي: لن نتركه لأجلك أيها الطاغي الباغي، وهذا معنى مؤكد، لأن (لن) تفيد النفي المؤكد ... ، فلا تطمع في رجوعنا عن الحق والإيثار والتفضيل، أي: لن نفضلك على البينات، وهي الدلالات الواضحات التي جاءتنا، وفي هذا إشارة إلى أن ما عنده باطل وأوهام، وكيف نفضل الأوهام على الدليل والبرهان؟!

وقوله تعالى: {وَالَّذِي فَطَرَنَا} والذي فطرنا هو الله، يعني: لن نؤثرك على الحق الواضح، ولن نؤثرك على الله تعالى جل جلاله، فهو القادر على كل شيء، فلن نؤثر الضعيف الظاهر على الله القادر العادل القهار، ويجوز أن يكون قوله: {وَالَّذِي فَطَرَنَا} أي: أنشأنا ولم نكن شيئًا، فتكون الواو للقسم لا للعطف، والمعنى: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والله الذي أنشأنا من عدم، فمن تكون أنت أيها المخلوق الضعيف، ولو كنت فرعون الطاغي المتجبر بصلفك وعتوك؟!

وقد رتبوا على عزمتهم النابعة من قلوب مؤمنة تفويضهم الأمور إلى ربهم، والاستهانة بفرعون وبتهديده، فقالوا: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} لأنه قضاء الحياة الدنيا، وهي فانية، والآخرة هي الباقية.

وقالوا ما يدل على الاستهانة بحكمه القاصر {إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} والمعنى: إن قضاءك هو في هذه الحياة الدنيا فقط، فهو قضاء تنفيذه وقت قصير، ومن بعده خير طويل، فإنما الحياة الدنيا متاع قليل، والآخرة خير وأبقى، وإن هذا يدل على كمال الإيمان بالله، والاستهانة بفرعون وعذابه 109.

والمقصود: أن هؤلاء لما عرفوا الحق أنصفوه واتبعوه وآثروه، فيا له من إيثار! وما أعظمه من إنصاف!

هددهم وتوعدهم بالقتل والصلب، وفنون من العذاب الصعب، وهكذا هي عادة المنهزم، إذا عجز عن الحجة لجأ إلى القوة.

فكان ردهم له أن قالوا له: لن نختارك يا فرعون، ولن نرضى بأن نكون من حزبك، ولن نقدم سلامتنا من عذابك، على ما ظهر لنا من المعجزات التي جاءنا بها موسى، والتي على رأسها عصاه التي ألقاها فإذا هي تبتلع حبالنا وعصينا.

وفى قول فرعون: {أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} إشارة إلى ما تهدد به موسى السحرة، قبل أن تبدأ المعركة، وذلك في قوله: {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه:61] .

فالعذاب الذي تهددهم به موسى هو عذاب مؤجل ليوم القيامة، وهذا العذاب لا يدرك مداه إلا من يؤمنون بالله وباليوم الآخر.

أما العذاب الذي سيأخذهم به فرعون فهو عذاب حاضر واقع في الحال، وهو عذاب -على تلك الصورة- فظيع مهول! ولهذا وازن فرعون بين عذابه، والعذاب الذي توعد موسى السحرة به، وأراهم أن عذابه أشد {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا} أعذابي الحاضر أم العذاب الذي يهددكم به موسى؟ وأنا أم موسى {أبقى} لكم، وأملك لأمركم، وأقدر على التسلط عليكم؟

فكان جوابهم هذه العبارة: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} وهكذا الإيمان إذا جاء إلى الإنسان، أو جاء إليه الإنسان عن طريق النظر والبحث والتحليل والتعليل، إنه حينئذٍ إيمان يخالط المشاعر، ويملك القلوب، ويأسر العقول، ويجعل من الإنسان الفقير الضعيف، قوة هائلة، تتحدى الجبابرة، وتستخف بأعظم الأهوال، وأشد الخطوب، وهل كان يقع في الحسبان أن جماعة من رعايا فرعون وعابديه الذين ولدوا -كما ولد آباؤهم- في ظل ربوبيته، وسلطان ألوهيته، هل كان يقع في الحسبان أن يجيء يوم يقف فيه هؤلاء (العباد) في وجه هذا (الإله) موقف التحدي، بل والاستخفاف والسخرية؟ ولكنه الإيمان، يفعل المعجزات، ويقلب الأوضاع والمواضعات! 110.

ألقى الله جل وعلا في قلوبهم الإيمان واليقين، ووجدوا حلاوته، رغم أنه ليس لهم أيامًا، ولا شهورًا، ولا أعوامًا في الطاعة والإيمان والعمل الصالح، لكن تلك الحظوة الإلهية نالوها ببركة سجودهم، حتى يعلم أثر العمل الصالح على قلب العبد، ثم ردوا عليه بطريقته ... ، قد يكون الله أعطاك سلطانًا على الدنيا، لكن ليس لك سلطان على حياتنا في الآخرة والدنيا، وسواء قضيت علينا أو لم تقض علينا فمردنا أصلًا إلى الموت فلا نخوف بشيء، لكن العبرة بالحياة الأخروية.

وهل نفذ فيهم تهديده؟ الآيات لم تذكر ذلك، لكن ذكر المفسرون أنه أنفذ فيهم وعيده، فقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم، فماتوا على الإيمان، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة 111.

1.الدعوة إلى الإنصاف، والحث على سلوكه مبدأ قرآني، فقد جاء في القرآن الكريم صور كثيرة، ونماذج عديدة في الإنصاف، ومن النماذج القرآنية البارزة في الإنصاف:

أولًا: إنصاف القرآن لطائفة من قوم موسى عليه السلام:

مع أن اليهود هم أشد الناس عداوة للإسلام وأهله، وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم مبينةً كفرهم، وخبثهم، وعنادهم، وقتلهم الأنبياء، وقولهم على الله ما قالوا، حتى لعنهم الله بما قالوا، إلا أن هذه العداوة، وهذه الصفات التي حملوها، لم تمنع القرآن الكريم من إنصاف بعضٍ منهم.

ومن مظاهر هذا الإنصاف:

1.ثناؤه عز وجل على طائفة من قوم موسى.

قال تعالى: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى? أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ?159?) [الأعراف:159] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت