فأمرهم ليس فوضى؛ بل هو منتظم محكم {وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} [الصافات: 166] .
فهم لا يتركون التسبيح أبدًا، ما دامت السماوات والأرض، حتى ارتبطت بهم صفة التسبيح واسم التسبيح، فهم المسبحون {وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} بل إنهم لا يفترون عن التسبيح، حتى مجرد فتور! ولا يتعبون من دوام تسبيح الله تعالى، ولا ينخفض مستوى تسبيحهم ولو للحظة واحدة، كما في قوله تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20] .
فقال: يسبحون الليل والنهار، فعرف بـ (ال) ولم يقل: يسبحون ليلًا ونهارًا؛ لأن المعنى يكون حينها جزءًا من الليل وجزءًا من النهار؛ بل قال: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} أي: يسبحون الليل كله والنهار كله، لا يتركون التسبيح ولا للحظة واحدة من لحظات الليل والنهار، ولا يفترون، ولا حتى في جزء منهما.
إنه هديرٌ من التسبيح لا ينخفض، ولا ينقطع زجله إلا ما شاء الله، ولقد ورد التسبيح في سورة الإسراء سبع مرات، فكأنها سبع مرات لسبع سماوات، فكل سماء يملؤها التسبيح، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (وسبحان الله، والحمد لله، تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض) 113.
ونجد بعض السور ذكر فيها التسبيح في أولها وآخرها، وهي سورة (الحشر) بدأت بقوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 1] .
وانتهت بقوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 24] .
والأمر بالتسبيح في القرآن يحمل على الندب إلا في التسبيح في الصلاة فهو أمر وجوب على الصحيح؛ كما دل عليه حديث عقبة بن عامرٍ رضي الله عنه قال: لما نزلت: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجعلوها في ركوعكم) ، فلما نزلت: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] . قال: (اجعلوها في سجودكم) 114.
والتسبيح منه مطلق، ومنه مقيد بأدبار الصلوات، أو بالصباح والمساء، وسيأتي مزيد كلام عن هذا في أوقات الذكر.
والتسبيح يطلق في القرآن الكريم ويراد به ستة أشياء:
الأول: يطلق على التنزيه مع التعظيم، وهو أكثر ما ورد في القرآن، وهو المراد عند الإطلاق، ومنه قول الله تعالى: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 159] .
الثاني: يطلق على الصلاة، قال الله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130] .
الثالث: يطلق على الدعاء، ومنه قول الله تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} [يونس: 10] .
الرابع: يطلق على عموم الذكر، ومنه قول الملائكة عليهم السلام: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [البقرة: 30] .
قال الطبري: «يعني: إنا نعظمك بالحمد لك والشكر، وكل ذكر لله عند العرب فتسبيح وصلاة، يقول الرجل منهم: قضيت سبحتي من الذكر والصلاة، وقد قيل: إن التسبيح صلاة الملائكة» 115.
وقال شيخ الإسلام: «ويراد بالتسبيح جنس ذكر الله تعالى، يقال: فلان يسبح إذا كان يذكر الله، ويدخل في ذلك التهليل والتحميد، ومنه سميت السباحة للإصبع التي يشير بها، وإن كان يشير بها في التوحيد» 116.
الخامس: يطلق على عموم العبادة، ومنه قول الله تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: 143] .
عن وهب بن منبه: قال: «من العابدين» 117.
السادس: يطلق على الاستثناء، ومنه قول الله تعالى: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ} [القلم: 17 - 18] . والمراد به قول: إن شاء الله، لكن دلت الآيات على أنهم كانوا يسبحون مكانها {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} [القلم: 28] .
قال السدي: «كان استثناؤهم في ذلك الزمان التسبيح» 118. فيقولون: سبحان الله، بدل: إن شاء الله، فقوله: {لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} أي: تستثنون.
وجاء التسبيح في القرآن مفردًا ومقترنًا بالحمد، متقدمًا عليه، ومنه: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [البقرة: 30] . {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [الحجر: 98] .
فالتسبيح يتضمن نفي النقائص والعيوب، والتحميد يتضمن إثبات صفات الكمال التي يحمد عليها 119.
قال ابن كثير: «ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من النقص بدلالة المطابقة ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمد يدل على إثبات صفات الكمال مطابقة، ويستلزم التنزيه من النقص قرن بينهما في هذا الموضع، وفي مواضع كثيرة من القرآن» 120.
ويأتي التسبيح مقترنًا بالتهليل، كقوله تعالى: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .
وقوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .
ومقترنًا بالاستغفار، كقوله: {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7] .
وقوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [غافر: 55] .
وذكر الله في القرآن تسبيح الجبال والطير {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} [الأنبياء: 79] .
وتسبيح الرعد {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} [الرعد: 13] .
وتسبيح كل الموجودات {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الحشر: 1] . {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .
وهذه الآية تدل على أنه تسبيح حقيقي على كيفية لا يعرفها البشر، فلا يفقهون تسبيح هذه المخلوقات، وقد أخطأ من تأول تسبيحها لمعنى غير التسبيح المعهود في اللغة.
وتسبيح أهل الجنة، فقد أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} [يونس: 10] .
إلا أنه مما يجب التنبيه عليه أن التسبيح اعتقاد وقول وعمل، ودليل ذلك أن الصلاة تسمى تسبيحًا، وهي تشمل اعتقاد القلب وعمله، وقول اللسان، وعمل الجوارح، كما جاء عن عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سبح سبحة الضحى، وإني لأسبحها) 121.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «تسبيح الله تعالى قد يكون بالقلب -بالعقيدة-، وقد يكون باللسان، وقد يكون بهما جميعًا، والمقصود أن يسبح بهما جميعًا بقلبه لافظًا بلسانه» 122.
وقال ابن عاشور: «والتسبيح قول أو مجموع قول مع عمل يدل على تعظيم الله تعالى وتنزيهه؛ ولذلك سمي ذكر الله تسبيحًا، والصلاة سبحة، ويطلق التسبيح على قول سبحان الله؛ لأن ذلك القول من التنزيه» 123.
فهنيئًا لمن أكثر من التسبيح في الدنيا، ووجد لذة فيه، وفرحًا به، فإنه حري أن يتلذذ بالتسبيح في الجنة، كما تلذذ به في الدنيا، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة أن أهل الجنة يلهمون التسبيح، وأنهم يسبحون الله تعالى بكرة وعشيًا.
يقول ابن تيمية: «أهل الجنة يتنعمون بالنظر إلى الله، ويتنعمون بذكره وتسبيحه، وإن كانت هذه الأمور في الدنيا أعمالًا يترتب عليها الثواب، فهي في الآخرة أعمال يتنعم بها صاحبها أعظم من أكله وشربه ونكاحه» 124.
فما هم فيه من النعيم هو غايات الراغبين، بحيث إن أرادوا أن ينعموا بمقام دعاء ربهم الذي هو مقام القرب لم يجدوا أنفسهم مشتاقين لشيء يسألونه، فاعتاضوا عن السؤال بالثناء على ربهم، فألهموا إلى التزام التسبيح؛ لأنه أدل لفظ على التمجيد والتنزيه، فهو جامع للعبارة عن الكمالات 125.
ومن صور الذكر الواردة في القرآن: التحميد، وهو قول: الحمد لله.
والتحميد: حمدك الله عز وجل مرةً بعد مرة، فهو كثرة حمد الله سبحانه بالمحامد الحسنة، وهو أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر 126؛ لأن الشكر: هو الثناء على المحسن بما أولاه من معروف، والحمد أعم من حيث ما يقع عليه، فإن الله تعالى ينبغي أن يحمد على كل حال، سواءً أعطي العبد النعمة أو لم يعط.
وأما المدح فهو أعم من الحمد؛ لأنه يكون للحي والميت وللجماد أيضًا، كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك، ويكون من قبل الإحسان وبعده، وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضًا فهو أعم 127.
ومعناه في الاصطلاح: الثناء باللسان والقلب على الجميل الاختياري 128.
والجميل الاختياري: هو الثناء على المنعم بسبب كونه منعمًا على الحامد أو غيره، فحقيقة الحمد الثناء على المحمود بذكر نعوته الجليلة، وأفعاله الجميلة، وهو الثناء لله بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم.
قال ابن عاشور: «فالحمد لله يشمل سائر صفات الكمال التي استحق الله لأجلها حصر الحمد له تعالى، بناء على ما تدل عليه جملة (الحمد لله) من اختصاص جنس الحمد به تعالى، واستحقاقه لذلك الاختصاص» 129.
وقد ورد الحمد في القرآن الكريم في أكثر من (40) موضعًا، والتحميد: مفتتح القرآن، فقد افتتح الله كتابه الكريم بـ (الحمد لله) وافتتح بعض السور فيه بالحمد، مثل سور (الأنعام والكهف وسبأ وفاطر) ، قال السيوطي: «اعلم أن الله افتتح سور القرآن بعشرة أنواع من الكلام، لا يخرج شيء من السور عنها:
الأول: الثناء عليه تعالى، والثناء قسمان: إثبات لصفات المدح، ونفي وتنزيه من صفات النقص، فالأول: (التحميد) في خمس سور» 130. ثم ذكر بقية الأوجه.
وافتتح الله تعالى خلقه بالحمد، فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] .
واختتمه بالحمد، فقال بعد ما ذكر مآل أهل الجنة وأهل النار: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: 75] .
والحمد له سبحانه في الأولى والآخرة، في جميع ما خلق وما هو خالق، كما قال سبحانه: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70] .
وأمر الله بالحمد في كتابه، فقال: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} [النمل: 93] .
وأثنى على عباده الحامدين، فقال: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [السجدة: 15] .
وقال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 58] .
وأول حمد جاء في القرآن وأعظمه أن حمد نفسه بنفسه بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: 2] .
في أعظم سورة في القرآن، وهي سورة الفاتحة، حيث ابتدأت بهذه الجملة العظيمة {الْحَمْدُ لِلَّهِ} . قال عليه الصلاة والسلام: (إذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الله: حمدني عبدي) 131.
والألف واللام في (الحمد) تفيد الجنس، فجنس الحمد وكل الحمد إنما هو لله وحده؛ لأنه رب العالمين الذي له كل المحامد، محمود على صفاته، ومحمود على أفعاله.
وكأنه لما علم سبحانه وتعالى شدة إرادة أوليائه بحمده وثنائه، وعجزهم عن القيام بحق مدحه على مقتضى عزه وسنائه، أخبرهم أنه قد حمد نفسه بنفسه، بما افتتح به خطابه بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ، وتتفاوت طبقات الحامدين؛ لتباينهم في أحوالهم، فطائفة حمدوه على ما نالوا من إنعامه وإكرامه من نوعي صفة نفعه ودفعه، وإزاحته وإتاحته، وما عقلوا عنه من إحسانه بهم أكثره ما عرفوا من أفضاله معهم، قال جل ذكره: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] .
وطائفة حمدوه على ما لاح لقلوبهم من عجائب لطائفه، وأودع سرائرهم من مكنونات بره، وفرق بين من يمدحه بعز جلاله، وبين من يشكره على وجود أفضاله 132.
وإذا اجتمع التسبيح والحمد في القرآن يتقدم التسبيح؛ قال تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [النصر: 3] .
والسبب أن التسبيح يدل على كونه مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائص، والتحميد يدل على كونه محسنًا إلى العباد، ولا يكون محسنًا إليهم إلا إذا كان عالمًا بجميع المعلومات ليعلم مواقع الحاجات، وإلا إذا كان قادرًا على المقدورات؛ ليقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه، وإلا إذا كان غنيًا في نفسه وإلا شغله حاجة نفسه عن حاجة غيره، فثبت أن كونه محسنًا لا يتم إلا بعد كونه منزهًا عن النقائص والآفات 133.
قال الرازي: «إن التسبيح أينما جاء فإنما جاء مقدمًا على التحميد، ألا ترى أنه يقال: سبحان الله والحمد لله، إذا عرفت هذا فنقول: إنه جل جلاله ذكر التسبيح عند ما أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1] .
وذكر التحميد عند ما ذكر أنه أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1] .
وفيه فوائد:
الفائدة الأولى: أن التسبيح أول الأمر؛ لأنه عبارة عن تنزيه الله عما لا ينبغي، وهو إشارة إلى كونه كاملًا في ذاته، والتحميد عبارة عن كونه مكملًا لغيره، ولا شك أن أول الأمر هو كونه كاملًا في ذاته، ونهاية الأمر كونه مكملًا لغيره، فلا جرم وقع الابتداء في الذكر بقولنا: (سبحان الله) ثم ذكر بعده الحمد لله تنبيهًا على أن مقام التسبيح مبدأ، ومقام التحميد نهاية.
إذا عرفت هذا فنقول: ذكر عند الإسراء لفظ التسبيح، وعند إنزال الكتاب لفظ التحميد، وهذا تنبيه على أن الإسراء به أول درجات كماله، وإنزال الكتاب غاية درجات كماله، والأمر في الحقيقة كذلك؛ لأن الإسراء به إلى المعراج يقتضي حصول الكمال له، وإنزال الكتاب عليه يقتضي كونه مكملًا للأرواح البشرية، وناقلًا لها من حضيض البهيمية إلى أعلى درجات الملكية، ولا شك أن هذا الثاني أكمل، وهذا تنبيه على أن أعلى مقامات العباد مقامًا أن يصير العبد عالمًا في ذاته، معلمًا لغيره» 134.
والحاصل: أن جميع المحامد لله سبحانه إما وصفًا وإما خلقًا، فله الحمد لظهور سلطانه، وله الشكر؛ لوفور إحسانه، والحمد لله؛ لاستحقاقه لجلاله وجماله، والشكر لله؛ لجزيل نواله، وعزيز أفضاله، فحمده سبحانه له هو من صفات كماله وحوله، وحمد الخلق له على إنعامه وطوله وجلاله وجماله، واستحقاقه لصفات العلو، ونعوت العز والسمو، فله الوجود، وله الجود، وله الثبوت الأحدي، والكون الصمدي، والبقاء الأزلي، والبهاء الأبدي، والثناء الديمومي، وله السمع والبصر، والقضاء والقدر، والكلام والقول، والعزة والطول، والرحمة والجود، والعين والوجه والجمال، والقدرة والجلال، وهو الواحد المتعال، كبرياؤه رداؤه، وعلاؤه سناؤه، ومجده عزه، وكونه ذاته، وأزله أبده، وقدمه سرمده، وحقه يقينه، وثبوته عينه، ودوامه بقاؤه، وقدره قضاؤه، وجلاله جماله، ونهيه أمره، وغضبه رحمته، وإرادته مشيئته، وهو الملك بجبروته، والأحد في ملكوته، تبارك الله سبحانه! فسبحانه ما أعظم شأنه! 135.
فالحمد لله كلمة جليلة؛ لكنها يجب أن تذكر في موضعها ليحصل المقصود، قال السري: «منذ ثلاثين سنة أستغفر الله لقولي مرة واحدة الحمد لله؛ وذلك أنه وقع الحريق في بغداد، وأحرقت دكاكين الناس، فأخبرني واحد أن دكاني لم يحترق فقلت: الحمد لله، وكان من حق الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك، فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة» .
والحمد على نعم الدين أفضل من الحمد على نعم الدنيا، والحمد على أعمال القلوب أولى من الحمد على أعمال الجوارح، والحمد على النعم من حيث إنها عطية المنعم أولى من الحمد عليها من حيث هي نعم، فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يقع الحمد في موضعه اللائق به 136.
والمقصود: أن من صور الذكر العظيمة حمد الله تعالى، وقد جعل أجرها أنها تملأ الميزان، فهذه الكلمة العظيمة في ثوابها وثقلها تملأ الميزان، قال صلى الله عليه وسلم: (والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض) 137.
فالحمد لله عدد ما خلق، والحمد لله ملء ما خلق، والحمد لله عدد ما في الأرض والسماء، والحمد لله ملء ما في الأرض والسماء، والحمد لله عدد ما أحصى كتابه، والحمد لله ملء ما أحصى كتابه، والحمد لله عدد كل شيءٍ، والحمد لله ملء كل شيءٍ.
رابعًا: التهليل:
ومن صور الذكر الذي جاء في القرآن: التهليل، وهو: قول: لا إله إلا الله، يقال: قد أكثرت من الهيللة، أي: من قول: لا إله إلا الله 138.
قال الأزهري: «ولا أراه مأخوذًا إلا من رفع قائله به صوته» 139.
ومعنى هذا القول: نفي الألوهية عن كل شيءٍ، وإثبات استحقاقها لله تعالى وحده، فلا رب غيره، ولا يعبد سواه، وتسمى هذه الكلمة كلمة التوحيد، فإنها تدل على نفي الشريك على الإطلاق.
وهي الكلمة التي دعا إليها الرسل كلهم، وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر، فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال؛ ولهذا -والله أعلم- لما قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163] .
قال بعده: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] .
فإنه قد يخطر ببال أحدٍ خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} .
وتسمى أيضًا كلمة الإخلاص، وهي خلاصة دعوة الرسل، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .
ولا يصح الإيمان للقادر إلا بالنطق بها مع التصديق بمعناها بالجنان.
وقد ذكر التهليل في القرآن الكريم (37) مرة، قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم الحنبلي في حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع: «وجاءت كلمة (لا إله إلا الله) في سبعة وثلاثين موضعًا من القرآن» 140.
وبالرجوع لبرنامج القرآن الحاسوبي كانت نتيجة البحث أنها جاءت بلفظ: {لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} مرتين في الصافات ومحمد، ومرة واحدة بلفظ: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ} في الأنبياء، و {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} (26) مرة، ومرة واحدة بلفظ: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} في المائدة، وبلفظ: {لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي} مرة واحدة في يونس، وبلفظ: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا} ثلاث مرات في النحل وطه والأنبياء، فيكون المجموع (34) مرة فقط.
وأيهما أرفع وأعظم من هذه الجمل: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أو {لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} ؟ قيل: الأول أرفع درجة من لفظ: {لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} ؛ لأن الضمائر وضعت للذات البحت، ففي كلمة {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ينتقل الذهن أولًا إلى الذات بلا ملاحظة اسم من الأسماء، وصفة من الصفات، وشأن من الشئونات، وكلمة {اللَّهُ} وإن كان اسمًا للذات، لكن الذهن هناك ينتقل أولًا إلى الاسم، وثانيًا إلى المسمى، وقد ينتقل الذهن من حيث الاشتقاق إلى معنى الألوهية، فيكون من أسماء الصفات غير أن صفة الألوهية يستدعي الاتصاف بجميع صفات الكمال، والتنزه عن جميع شوائب النقص والزوال، فيكون أتم وأشمل من سائر أسماء الصفات 141.
وكلمة {لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} هي كلمة (السواء) التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وأهل الملل الأخرى، فهي باب الهداية على صراط الله المستقيم، وأمر الله الجامع {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} [آل عمران: 64] 142.