فهرس الكتاب

الصفحة 2085 من 2431

قال الطبري: « {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيما أمره ونهاه، ويسلم لحكمهما له وعليه، ويخف عاقبة معصية الله ويحذره، ويتق عذاب الله بطاعته إياه في أمره ونهيه {فَأُولَئِكَ} أي: الذين يفعلون ذلك {هُمُ الْفَائِزُونَ} برضا الله عنهم يوم القيامة، وأمنهم من عذابه» 30.

ومثل هذا المعنى نجده في قوله تعالى: {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71] .

وتارة نجد الآيات تنعت المطيعين بالمفلحين، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51] .

قال الطبري: «المنجحون المدركون طلباتهم، بفعلهم ذلك، المخلدون في جنات الله» 31.

وتارة ينعت الله طاعة المطيعين بالخيرية والصواب، كما في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} [النساء: 46] .

قال الطبري: «ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم قالوا لنبي الله: سمعنا يا محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلنا ما جئتنا به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا، لكان ذلك خيرًا لهم عند الله، «وأقوم» أي: وأعدل وأصوب في القول» 32.

رابعًا: بيان عاقبة المطيعين:

لأجل أن يتم الثبوت والتحسن في الاستجابات التي يقوم بها الفرد، لا بد من توفر عامل أطلق علماء النفس عليه عامل الجزاء، فالاستجابات إذا لم تؤد إلى نوعٍ من الترضية، أو الجزاء، أو الإشباع فإن الفرد لا يحاول تكرارها.

ولقد فطر الله الإنسان على حب المثوبة، وما فيها من لذة ونعيم؛ ولذا فإنه يرغب في ذلك، ويعمل من أجل تحقيقه، كما فطره أيضًا على بغض العقاب، وما يترتب عليه من ألم وشقاء؛ لذا فإنه يرهبه، وينفر منه.

ولهذا عني القرآن الكريم والسنة النبوية بالترغيب والترهيب، والثواب والعقاب كأسلوب مهمٍ من أساليب التربية.

ويمتاز أسلوب الترغيب والترهيب، والثواب والعقاب في القرآن الكريم والسنة النبوية عن غيره من أساليب الثواب والعقاب في المناهج التربوية الأخرى -بأنه يعتمد على الإقناع والبرهان، ويكون مصحوبًا بتصوير فنيٍ رائع للثواب المرغب فيه، المتمثل في الجنة، وكذلك للعقاب المنتظر، المتمثل في جهنم أعاذنا الله منها- كما يعتمد الترغيب والترهيب في القرآن والسنة أيضًا على إثارة الانفعالات، وتربية العواطف الربانية؛ كعاطفة الخوف من الله تعالى، والتذلل والخشوع له سبحانه والطمع في رحمته، والأمل في ثوابه 33.

ومما يزيد من دافع الطاعة عند المؤمن: الثواب العاجل الذي يلقاه في الدنيا قبل الثواب الآجل في الآخرة، ففي الدنيا ينال المطيعون:

1.الهداية وإصابة للحق.

كما في قوله تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] .

وهذا نراه جليًا في حال هؤلاء الذين زينوا ظاهرهم وتعاملاتهم بطاعة الله ورسوله، وعمروا أسرارهم بمراقبة ربهم؛ فتراهم من أكثر الناس توفيقًا وسدادًا، وإصابة للحق، على اختلاف الأحوال والوقائع.

قال ابن الجوزي: « {وَإِنْ تُطِيعُوهُ} يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم {تَهْتَدُوا} وكان بعض السلف يقول: من أمر السنة على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالحكمة، ومن أمر البدعة والهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة، لقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} » 34.

وقال الطبري: «يقول تعالى ذكره: وإن تطيعوا -أيها الناس- رسول الله -فيما يأمركم وينهاكم- ترشدوا وتصيبوا الحق في أموركم {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} يقول: وغير واجب على من أرسله الله إلى قوم برسالة إلا أن يبلغهم رسالته بلاغًا يبين لهم ذلك البلاغ عما أراد الله به، فليس على محمد -أيها الناس- إلا أداء رسالة الله إليكم، وعليكم الطاعة، وإن أطعتموه لحظوظ أنفسكم تصيبون، وإن عصيتموه بأنفسكم فتوبقون» 35.

وقال أبو السعود: « {وَإِنْ تُطِيعُوهُ} أي: فيما أمركم به من الطاعة {تَهْتَدُوا} إلى الحق الذي هو المقصد الأصلي الموصل إلى كل خير، والمنجي من كل شرٍ» 36.

2.النصر في الدنيا على الأعداء، والغنيمة والخير الكثير.

كما في قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا} [الفتح: 16] .

ذهب جمعٌ من المفسرين إلى أن الأجر الحسن المذكور في الآية هو: الغنيمة والنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة 37. وعلى هذا يكون الأجر الحسن هنا من الثواب العاجل والآجل.

وقد رأينا في واقعنا كيف ينصر الله المسلمين ويظهرهم على أعدائهم، إذا ما اعتصموا بربهم، واتبعوا سنة نبيهم، ولو كانوا أقل عددًا وعتادًا منهم، ومثال ذلك ظهر جليًا في عبور المصريين، واقتحامهم لحاجز خط برليف اليهودي الصهيوني، يوم عبروا صائمين، وبأصوات كالرعد مكبرين: الله أكبر، الله أكبر، لقد طلبوا النصر من الله، وأعدوا لعدوهم ما استطاعوا من قوة -كما أمر الله- فحقق الله لهم وعده، فأرهبوا عدو الله وعدوهم، على الرغم من قلة عددهم وعتادهم.

3.نزول الرحمات، وتحقق الأمن والأمان.

كما في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56] .

وهذه الرحمة عامة تشمل الدنيا قبل الآخرة، فهي أيضًا من الثواب العاجل والآجل.

قال ابن عاشور: « {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي: في الدنيا بتحقيق الوعد الذي من رحمته الأمن، وفي الآخرة بالدرجات العلى» 38.

وقال الطبري: «وأقيموا -أيها الناس- الصلاة بحدودها، فلا تضيعوها، وآتوا الزكاة التي فرضها الله عليكم أهلها، وأطيعوا رسول ربكم فيما أمركم ونهاكم؛ كي يرحمكم ربكم، فينجيكم من عذابه» 39.

أما المعصية وهجر الطاعة فإنها سبب لنزول العذاب على أصحابها؛ ولذا نرى المصائب والكوارث والحوادث تكثر في تلك البلاد التي تنتشر فيها المعاصي، وتقل فيها الطاعات، ويستهان فيها بأوامر الله ورسوله.

وأما في الآخرة: فالثمرة أعظم وأكبر؛ لأن هذا ثواب باقٍ لا يحول ولا يزول، ومن هذا الثواب المذكور:

-المطيعون يأخذون أجورهم كاملة يوم القيامة، بلا نقص ولا ظلم.

كما في قوله تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ?) [الحجرات: 14] .

قال الطبري: «إن تطيعوا الله ورسوله أيها القوم، فتأتمروا لأمره وأمر رسوله، وتعملوا بما فرض عليكم، وتنتهوا عما نهاكم عنه (لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا) [الحجرات: 14] .

أي: لا يظلمكم من أجور أعمالكم شيئًا، ولا ينقصكم من ثوابها شيئًا» 40.

-يثيب الله - عز وجل بمنه وفضله- المطيعين الجنة خالدين فيها أبدًا.

كما في قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ?) [الفتح: 17] .

وقوله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? وَذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [النساء: 13] .

-ينزل الله عز وجل المطيعين المنازل العالية، والدرجات الرفيعة في الجنة.

كما في قوله تعالى: (?. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَ?ئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ? وَحَسُنَ أُولَ?ئِكَ رَفِيقًا) [النساء: 69] .

قال ابن الجوزي: «في سبب نزولها ثلاثة أقوال:

أحدها: أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فرآه رسول الله يومًا فعرف الحزن في وجهه، فقال: (يا ثوبان، ما غير وجهك؟) قال: ما بي من وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، فأذكر الآخرة، فأخاف أن لا أراك هناك، فنزلت هذه الآية 41.

والثاني: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: ما ينبغي أن نفارقك في الدنيا، فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا، فنزلت هذه الآية.

والثالث: أن رجلًا من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال: (ما لي أراك محزونًا؟) فقال: يا رسول الله غدًا ترفع مع الأنبياء، فلا نصل إليك، فنزلت هذه الآية» 42.

ولا يعني هذا قصر تلك الدرجة على هؤلاء الأصحاب فحسب، بل هي عامة -بإذن الله وفضله- في كل من حقق الشرط المذكور في أول الآية.

يقول الطبري: «ومن يطع الله والرسول بالتسليم لأمرهما، وإخلاص الرضا بحكمهما، والانتهاء إلى أمرهما، والانزجار عما نهيا عنه من معصية الله؛ فهو مع الذين أنعم الله عليهم بهدايته والتوفيق لطاعته في الدنيا من أنبيائه، وفي الآخرة إذا دخل الجنة» 43.

وقال ابن كثير: «من عمل بما أمره الله ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقًا للأنبياء، ثم لمن بعدهم في الرتبة، وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين، وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم» 44.

وكل هذه الآيات وما سبقها من ثناء على المطيعين لله ورسله تبين كذب الكافرين الذين وعدوا أتباعهم بالخسران إن أطاعوا المرسلين؛ كما في قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَہ) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ?34? [المؤمنون: 33 - 34] .

بين القرآن الكريم أنواع الطاعة المطلوبة من المؤمن الامتثال لها، وفيما يأتي بيان لها:

أولًا: الطاعة لله ولرسوله:

طاعة الله عز وجل طاعة مطلقة، فكل أوامر الله عز وجل يجب تنفيذها بقدر الاستطاعة، بدون قيد أو شرط أو تردد؛ لأنها أهم أنواع الطاعات، وأصل كل الطاعات، أمر الله بها عباده، ورتب على هذا الأمر الثواب العظيم لمن أطاع، والعقاب الأليم لمن عصى، وجعل الطاعة سمة من سمات المؤمنين لا تنفك عنهم كما مر بنا آنفًا.

وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك طاعة مطلقة؛ لأنه مبلغ عن الله، وطاعته طاعة لله عز وجل، وكذلك كل الرسل عليهم السلام.

والدليل على أن طاعة الرسول مطلقة؛ لأنها من طاعة الله:

قال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ? وَمَنْ تَوَلَّى? فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ?80?) [النساء: 80] .

فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى 45.

ويؤكد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله) 46.

وكذلك أقر النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا قام عنده فقال: (من يطع الله ورسوله فقد رشد) 47.

كذلك من الأدلة على أن طاعة الرسول من طاعة الله:

قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ?) [النساء: 64] .

قال ابن عطية: «هذا تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك، وتتعين إجابة الدعوة إليك، و (بِإِذْنِ اللَّهِ) معناه بأمر الله، وحسنت العبارة بالإذن؛ إذ بنفس الإرسال تجب طاعته، وإن لم ينص أمر بذلك، والمعنى: وما أرسلنا بأمر الله أي بشريعته وعبادته من رسول إلا ليطاع» 48.

وقال ابن الجوزي: «قال الزجاج: «من» دخلت للتوكيد، والمعنى: وما أرسلنا رسولًا إلا ليطاع، وفي قوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ) قولان: أحدهما: أنه بمعنى: الأمر، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الإذن نفسه، قاله مجاهد. وقال الزجاج: المعنى: إلا ليطاع بأن الله أذن له في ذلك» 49.

وقال ابن كثير: (إِلَّا لِيُطَاعَ) أي: فرضت طاعته على من أرسله إليهم» 50.

وقال أبو السعود: «وما أرسلنا رسولًا من الرسل لشيء من الأشياء إلا ليطاع بسبب إذنه تعالى في طاعته، وأمره المرسل إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه؛ لأنه مؤدٍ عنه تعالى، فطاعته طاعة الله تعالى، ومعصيته معصيته تعالى، من يطع الرسول فقد أطاع الله، أو بتيسير الله تعالى وتوفيقه في طاعته» 51.

ومن هنا نعلم أن مما يدخل في باب الطاعة المطلقة: طاعة الأمم السابقة لرسلهم، فكل رسول بعث إلى قومه أمرهم بطاعته؛ وذلك لأن فيها هدايتهم وفلاحهم؛ ولأنها طاعة لله عز وجل في الأصل.

ولذا نقرأ في مواطن شتى من كتاب الله عز وجل، في ثنايا الحديث عن قصص الأنبياء والمرسلين، دعوتهم قومهم لطاعتهم، وقرنهم هذا الأمر بتقوى الله عز وجل، وكأن المعنى: أنهم إذا اتقوا الله تعالى كان من لوازم ذلك اتباع رسله وطاعتهم، ومن ذلك:

-قول نوح عليه السلام لقومه -وهو أول رسول لأهل الأرض-: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ?108?وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ? إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى? رَبِّ الْعَالَمِينَ ?109?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ?110?) [الشعراء: 108 - 110] .

-وقول الله على لسانه أيضًا: (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ?2?أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ?3?) [نوح: 2 - 3] .

-وقول هود عليه السلام لقومه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ?126?وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ? إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى? رَبِّ الْعَالَمِينَ ?127?أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ?128?وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ?129?وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ?130?) [الشعراء: 126 - 131] .

-وقول صالح عليه السلام لقومه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ? إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى? رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِہ) [الشعراء: 144 - 150] .

-وقول لوط عليه السلام لقومه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [الشعراء: 163] .

-وقول شعيب عليه السلام لقومه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [الشعراء: 179] .

-وقول عيسى عليه السلام لقومه: (وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [آل عمران: 50] . (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ? وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَ?نُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) [الزخرف: 63] .

-وقال تعالى عن هارون عليه السلام: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ? فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) [طه: 90] .

المخاطبون بأمر الطاعة لله ورسوله:

وردت الآيات الكثيرة في القرآن الكريم تحث الناس جميعهم، مؤمنهم وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم، على طاعة الله ورسوله، ومن الآيات التي خاطبت عند نزولها الكافرين -وإن كانت العبرة بعموم اللفظ فتشمل الجميع- قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32] .

فلقد ذكر العلماء في سبب نزول هذه الآية أقوالًا، ومردها جميعًا أنها تخاطب غير المسلمين، فنجد ابن الجوزي يقول: «في سبب نزولها ثلاثة أقوال:

أحدها: أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه: إن محمدًا يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس.

والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا اليهود إلى الإسلام، فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن أشد حبًا لله مما تدعونا إليه، فنزلت {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ} [آل عمران: 31] . هذا قول مقاتل.

والثالث: أنها نزلت في نصارى نجران، قاله أبو سليمان الدمشقي» 52.

واختار الإمام الطبري السبب الثالث؛ فقال: «يعني بذلك جل ثناؤه: قل-يا محمد- لهؤلاء الوفد من نصارى نجران: أطيعوا الله والرسول محمدًا، فإنكم قد علمتم يقينًا أنه رسولي إلى خلقي، ابتعثته بالحق، تجدونه مكتوبًا عندكم في الإنجيل، فإن تولوا فاستدبروا عما دعوتهم إليه من ذلك، وأعرضوا عنه، فأعلمهم أن الله لا يحب من كفر بجحد ما عرف من الحق، وأنكره بعد علمه، وأنهم منهم، بجحودهم نبوتك، وإنكارهم الحق الذي أنت عليه، بعد علمهم بصحة أمرك، وحقيقة نبوتك» 53.

ومع ترجيح أي الأقوال في سبب نزول الآية فإن العبرة بعموم لفظها، فإن هذا «أمر لكل أحد من خاصٍ وعامٍ» 54.

وقال أبو السعود: « {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} أي: في جميع الأوامر والنواهي، فيدخل في ذلك الطاعة في أتباعه عليه الصلاة والسلام دخولًا أوليًا، وإيثار الإظهار على الإضمار بطريق الالتفات لتعيين حيثية الإطاعة والإشعار بعلتها؛ فإن الإطاعة المأمور بها إطاعته عليه الصلاة والسلام من حيث إنه رسول الله لا من حيث ذاته، ولا ريب في أن عنوان الرسالة من موجبات الإطاعة ودواعيها» 55.

ومن الآيات أيضًا التي خاطبت غير المسلمين -حال نزولها- بطاعة الله ورسوله قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} [النور: 54] .

قال ابن عطية: « {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ} الآية مخاطبة لأولئك المنافقين وغيرهم من الكفار، وكل من يتعتى عن أمر محمد عليه السلام» 56.

وقال الطبري: «يقول تعالى ذكره: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المقسمين بالله {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} [النور: 53] .

وغيرهم من أمتك {أَطِيعُوا اللَّهَ} أيها القوم فيما أمركم به، ونهاكم عنه {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} فإن طاعته طاعة لله {فَإِنْ تَوَلَّوْا} يقول: فإن تعرضوا وتدبروا عما أمركم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نهاكم عنه، وتأبوا أن تذعنوا لحكمه لكم وعليكم {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} يقول: فإنما عليه فعل ما أمر بفعله من تبليغ رسالة الله إليكم على ما كلفه من التبليغ {وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} يقول: وعليكم -أيها الناس- أن تفعلوا ما ألزمكم، وأوجب عليكم من اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، والانتهاء إلى طاعته فيما أمركم ونهاكم» 57.

وقال ابن عاشور: «ويختلف معنى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} بين معاني الأمر بإيجاد الطاعة المفقودة، أو إيهام طلب الدوام على الطاعة على حسب زعمهم» 58.

ومن الآيات التي بينت أن الأوامر بهذه الطاعة المطلوبة شاملة للرجال والنساء على حد سواء؛ قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .

كذلك وردت آيات تأمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء، والنساء بعدهن تبع لهن بالطاعة في أمور خاصة وأمور عامة؛ كما في قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] .

قال الطبري: « {وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيما أمراكن ونهياكن» 59. يعني من الأمور السابق ذكرها في هذه الآية والتي قبلها، فلقد نهاهن الله تعالى عن الخضوع واللين بالقول، وأمرهن بقول المعروف، ثم أمرهن بالتوقر والسكون في بيوتهن وأن لا يخرجن 60، وألا يظهرن محاسنهن، وأمرهن بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم أردف هذه الأوامر والنواهي بالأمر العام بطاعة الله ورسوله، فيدخل فيه ابتداء ما ذكر 61.

قال ابن كثير: «نهاهن أولًا عن الشر، ثم أمرهن بالخير، من إقامة الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة، وهي الإحسان إلى المخلوقين، ثم قال: {وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} وهذا من باب عطف العام على الخاص» 62.

وهذه الأوامر والنواهي وإن كان المخاطب بها ابتداء نساء النبي صلى الله عليه وسلم؛ إلا أنها لا تتوقف عليهن وحدهن، فهي آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك 63.

فدلت هذه الآيات بمجموعها على أن المخاطب بالطاعة هم جميع البشر، مؤمنهم وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم.

ميادين طاعة الله ورسوله:

تنوعت الأوامر بالطاعة الموجهة للمؤمنين، فتارة تأتي بأمور معينة محددة، وتارة تأتي مطلقة عامة في شتى الأمور، والأصل أن طاعة الله ورسوله -كما بينا- طاعة مطلقة في كل شيء جاء الأمر به، طالما وجدت الاستطاعة عند المكلف.

ومن الأمور الخاصة التي ورد الأمر بالطاعة فيها:

قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ? فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى? رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ?92?) [المائدة: 92] .

هذه الآية ربطها كثير من المفسرين بالآيتين اللتين قبلها مباشرة، وهما قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ?90?إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ? فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ?91?) [المائدة: 90 - 91] .

قال الطبري: « (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) في اجتنابكم ذلك، واتباعكم أمره فيما أمركم به من الانزجار عما زجركم عنه من هذه المعاني التي بينها لكم في هذه الآية وغيرها، وخالفوا الشيطان في أمره إياكم بمعصية الله في ذلك وفي غيره، فإنه إنما يبغي لكم العداوة والبغضاء بينكم بالخمر والميسر» 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت