فهرس الكتاب

الصفحة 1770 من 2431

قال تعالى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ?37?) [إبراهيم:37] .

أي: تريدهم وتسرع إليهم، وتحن إليهم، وقال قتادة: تنزع إليهم، وقال مجاهد: لو قال أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند، وقال سعيد بن جبي: لو قال أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: أفئدة من الناس فهم المسلمون، قال عكرمة: هو أنهم يحجون إلى مكة 79.

وفي معنى قوله تعالى: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) أربعة أوجه:

أحدها: أنه بمعنى تحن وتهواهم وتنزل إليهم، لأن مكة في واد والقاصد إليها نازل إليها، وأن يجعل الله الناس يهوون السكنى بمكة، فيصير بيتا محرما يحج الناس إليه، فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار 80.

5.دعا إبراهيم عليه السلام ربه أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم.

قال تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) [البقرة:129] .

فاستجاب الله دعاءه فبعث فينا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم 81.

فقد جاء في حديث أبي أمامة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: (يا رسول الله أخبرنا عن نفسك فقال:(دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى) 82.

ثانيًا: بناؤه الكعبة مع إسماعيل عليهما السلام:

أخبر الله في القرآن أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام هما اللذان بنيا الكعبة.

قال تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ? وَعَهِدْنَا إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ?125?وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَ?ذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى? عَذَابِ النَّارِ ? وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ?126?وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ? إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ?127?) [البقرة:125 - 127] .

فالآيات تدل على أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام هما اللذان بنيا بيت الله الحرام، وكانا يدعوان الله وهما يرفعان قواعد البيت، والقواعد: أساطين البناء التي تعمده واحدتها قاعدة، وهي كالأساس لما فوقها 83.

وهناك من المفسرين من يقول بأن البيت أول من بناه آدم عليه السلام، وقيل: الملائكة، قال الإمام الرازي: «الأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان موجودًا قبل إبراهيم عليه السلام وأن أول من بناه آدم على ما روينا من الأحاديث فيه واحتجوا بقوله: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) ،فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها 84.

ولكن الظاهر من الآية أن الذي بناه هو إبراهيم، قال الإمام الرازي: «اتفقت الأمم على أن باني هذا البيت هو الخليل عليه السلام، وباني بيت المقدس سليمان عليه السلام، ولا شك أن الخليل أعظم درجة وأكثر منقبة من سليمان عليه السلام فمن هذا الوجه يجب أن تكون الكعبة أشرف من بيت المقدس» 85.

وقال الإمام ابن كثير في البداية والنهاية: «ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام ومن تمسك في هذا بقوله مكان البيت فليس بناهض ولا ظاهر؛ لأن المراد مكانه المقدر في علم الله المقرر في قدرته المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم، وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا البيت وأن السفينة طافت به أربعين يوما أو نحو ذلك، ولكن كل هذه الأخبار عن بني إسرائيل وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها فأما إن ردها الحق فهي مردودة» 86.

وقال محمد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) : «ظاهر في أنهما هما اللذان بنيا هذا البيت لعبادة الله تعالى في تلك البلاد الوثنية، ولكن القصاصين ومن تبعهم من المفسرين جاءونا من ذلك بغير ما قصه الله تعالى علينا، وتفننوا في رواياتهم عن قدم البيت، وعن حج آدم ومن بعده من الأنبياء إليه، وعن ارتفاعه إلى السماء في وقت الطوفان، ثم نزوله مرة أخرى.

وهذه الروايات يناقض أو يعارض بعضها بعضًا، فهي فاسدة في تناقضها وتعارضها، وفاسدة في عدم صحة أسانيدها، وفاسدة في مخالفتها لظاهر القرآن، ولم يستح بعض الناس من إدخالها في تفسير القرآن وإلصاقها به وهو برئ منها.

ومن ذلك زعمهم أن الكعبة نزلت من السماء في زمن آدم، ووصفهم حج آدم إليها وتعارفه بحواء في عرفة، بعد أن كانت قد ضلت عنه بعد هبوطهما من الجنة، وحاولوا تأكيد ذلك بتزوير قبر لها في جدة، وزعمهم أنها هبطت مرة أخرى إلى الأرض بعد ارتفاعها بسبب الطوفان وحليت بالحجر الأسود، وأن هذا الحجر كان ياقوتة بيضاء.

وقيل: زمردة من يواقيت الجنة أو زمردها، وأنها كانت مودعة في باطن جبل أبي قبيس فتمخض الجبل فولدها، وأن الحجر إنما أسود لملامسة النساء الحيض له.

وقيل: لاستلام المذنبين إياه، وكل هذه الروايات خرافات إسرائيلية بثها زنادقة اليهود في المسلمين ليشوهوا عليهم دينهم وينفروا أهل الكتاب منه» 87.

[انظر: إبراهيم: إبراهيم عليه السلام وبناء الكعبة]

ثالثًا: مقام إبراهيم عليه السلام:

ذكر الله تعالى مقام إبراهيم عليه السلام في موضعين من كتابه:

الموضع الأول: أخبر الله تعالى أن مقام إبراهيم آيات بينات.

قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ?96?فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ? وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ? وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ?97?) [آل عمران:96 - 97] .

وقد اختلف المفسرون بالمراد بالمقام على أقوال ذكرها الإمام الرازي وغيره:

الأول: أنه الحجر الذي قام عليه إبراهيم؛ لأنه لما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه السلام عن وضع الحجارة قام على حجر، وهو مقام إبراهيم عليه السلام.

القول الثاني: أن مقام إبراهيم عليه السلام الحرم كله وهو قول مجاهد.

الثالث: أنه عرفة والمزدلفة والجمار، وهو قول عطاء.

الرابع: الحج كله مقام إبراهيم، وهو قول ابن عباس.

ثم رجح القول الأول، وقال: «واتفق المحققون على أن القول الأول أولى، ويدل عليه وجوه:

الأول: ما روى جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الطواف أتى المقام، وتلا قوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر.

وثانيها: أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع، والدليل عليه أن سائلًا لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم عليه السلام لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع.

وثالثها: ماروي أنه صلى الله عليه وسلم مر بالمقام ومعه عمر رضي الله عنه فقال: (يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: بلى، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ قال: لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية) 88.

ورابعها: أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام، وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى.

وخامسها: أنه تعالى قال: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع، فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع.

وسادسها: أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه، وثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ، أعني: مقام إبراهيم عليه السلام على الحجر يكون أولى» 89.

وكذلك رجح هذا القول الإمام أبو جعفر الطبري حيث قال: «وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا، ما قاله القائلون: إن مقام إبراهيم، هو المقام المعروف بهذا الاسم، الذي هو في المسجد الحرام 90، لما ورد عن جابر رضي الله عنه قال: (استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ:(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين)» 91.

كما اختلف المفسرون في الآيات البينات المذكورة في الآية بسبب اختلافهم في القراءات بالإفراد والجمع، فقرأ الجمهور: (آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) على الجمع، وقرأ أبيٌ وعمر وابن عباس ومجاهد وأبو جعفر في رواية قتيبة: (آية بينة) على التوحيد 92، فمن قرأ على الإفراد فمراده أن مقام إبراهيم عليه السلام آية وحده وهو أثر قدميه في المقام وهو حجر صلد آية بينة 93.

وعلى قراءة الجمهور بالجمع (آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) أي: أنه وحده آيات بينات وفيه توجهين:

أحدهما: أن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله ونبوة إبراهيم عليه السلام من تأثير قدمه في حجر صلد كقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [النحل:120] .

والثاني: اشتماله على آيات؛ لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء لإبراهيم خاصة آية، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنين آية أيضًا 94.

الثاني: أن مقام إبراهيم آية من الآيات البينات في البيت ومعه آيات أخرى.

قال أبو بكر الجصاص: «الآية في مقام إبراهيم عليه السلام أن قدميه دخلتا في حجر صلد بقدرة الله تعالى؛ ليكون ذلك دلالة وآية على توحيد الله وعلى صحة نبوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ومن الآيات فيه ما ذكرنا من أمن الوحش، وأنسه فيه مع السباع الضارية المتعادية، وأمن الخائف في الجاهلية فيه: (وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ?) [العنكبوت:67] . وإمحاق الجمار على كثرة الرامي من لدن إبراهيم عليه السلام إلى يومنا هذا مع أن حصى الجمار إنما تنقل إلى موضع الرمي من غيره، وامتناع الطير من العلو عليه وإنما يطير حوله لا فوقه، واستشفاء المريض منها به، وتعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته، وقد كانت العادة بذلك جارية، ومن إهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا لإخرابه بالطير الأبابيل، فهذه كلها من آيات الحرم سوى ما لا نحصيه منها، وفي جميع ذلك دليل على أن المراد بالبيت هنا الحرم كله؛ لأن هذه الآيات موجودة في الحرم، ومقام إبراهيم عليه السلام ليس في البيت إنما هو خارج البيت» 95.

قال الإمام الرازي: «مقام إبراهيم وهو الحجر الذي وضع إبراهيم قدمه عليه فجعل الله ما تحت قدم إبراهيم عليه السلام من ذلك الحجر دون سائر أجزائه كالطين حتى غاص فيه قدم إبراهيم عليه السلام، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله ولا يظهره إلا على الأنبياء، ثم لما رفع إبراهيم قدمه عنه خلق فيه الصلابة الحجرية مرة أخرى، ثم إنه تعالى أبقى ذلك الحجر على سبيل الاستمرار والدوام فهذه أنواع من الآيات العجيبة والمعجزات الباهرة أظهرها الله سبحانه في ذلك الحجر» 96.

الموضع الثاني: أن الله تعالى أمر بالصلاة عنده قال تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ? وَعَهِدْنَا إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ?125?) [البقرة:125] .

أجمع العلماء على مشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف، والمستحب أن يقرأ في الأولى من ركعتي الطواف: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) [الكافرون:1] .

وفي الثانية: (. قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص:1] .

كما هو ثابت في حديث جابر رضي الله عنه. وجمهور أهل العلم على أن ركعتي الطواف لا يشترط في صحة صلاتهما أن تكون خلف المقام، بل لو صلاهما في أي موضع غيره صح ذلك 97.

«ولو طاف في وقت نهي، فأحد قولي أهل العلم: إنه يؤخر صلاتهما إلى وقت لا نهي عن النافلة فيه، ومما يدل على هذين الأمرين أعني صحة صلاتهما في موضع آخر، وتأخير صلاتهما إلى وقت غير وقت النهي الذي طاف فيه ما ذكره البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم، قال: باب الطواف بعد الصبح والعصر، وكان ابن عمر رضي الله عنهما: يصلي ركعتي الطواف ما لم تطلع الشمس، وطاف عمر بعد الصبح، فركب حتى صلى الركعتين بذي طوى 98.

وفعل عمر رضي الله عنه هذا الذي ذكره البخاري يدل على عدم اشتراط كون الركعتين خلف المقام، بل تصح صلاتهما في أي موضع صلاهما فيه، وأن تأخيرهما عن وقت النهي هو الصواب، وممن قال به: أبو سعيد الخدري، ومعاذ بن عفراء، ومالك، وأصحابه: وعزاه بعضهم إلى الجمهور، وقد قدمنا مرارا قول من يقول من أهل العلم: إن ذوات الأسباب الخاصة من الصلوات لا تدخل في عموم النهي في أوقات النهي، إلا أن القاعدة المقررة في الأصول: أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح» 99.

والصحيح من اتخاذ مقام إبراهيم مصلى معناه: موضعا للصلاة المعهودة، كما بان في سبب نزول الآية السابق ذكره عن عمر رضي الله عنه، واتضح منه أربعة أمور: وهي أن ذلك الموضع هو المقام المراد في الآية، وأن المراد به الصلاة المتضمنة للركوع والسجود، لا مطلق الدعاء، وأن الصلاة عقب الطواف، وأن ركعتي الطواف مطلوبتان، وهما عند المالكية: واجبتان، فمن تركهما، فعليه دم 100.

وقوله تعالى: « (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) هو أمر ظاهره الإيجاب، والمراد بالآية فعل الصلاة بعد الطواف، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلاهما عند البيت، فدلت هذه الآية على وجوب صلاة الطواف، ودل فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها تارة عند المقام، وتارة عند غيره على أن فعلها عنده ليس بواجب» 101.

والصحيح من هذه الأقوال إن المراد من قوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) مكانًا للصلاة فيه، أي: تصلى خلفه ركعتي الطواف 102.

جعل الله تعالى واجبات ساكني الحرم وقاصديه.

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ? وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ?25?) [الحج:25] والعاكف هو: المقيم في مكة، والبادي وهو: الطارئ الذي ينتابه من غير أهله في قول الجميع، سواء فيه: ليس المقيم فيه بأولى من النازح إليه 103.

والمراد باستواء العاكف والبادي فيه هو: استواؤهما في تفضيله، وتعظيم حرمته، وإقامة المناسك به، وهذا مذهب مجاهد، والحسن، وقول من أجاز بيع دور مكة، وكان المشركون يمنعون المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام والطواف به، ويدعون أنهم أربابه وولاته 104.

وقوله: (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ?) أي: يمنعون الناس عن الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله الله شرعًا سواء لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه سواء العاكف فيه والباد، ومن ذلك استواء الناس في رباع مكة وسكناها، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: سواء فيه أهله وغير أهله 105.

قال سيد قطب في الظلال قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ? وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ?25?) [الحج:25] .

«وكان ذلك فعل المشركين من قريش: أن يصدوا الناس عن دين الله- وهو سبيله الواصل إليه، وهو طريقه الذي شرعه للناس، وهو نهجه الذي اختاره للعباد- وأن يمنعوا المسلمين من الحج والعمرة إلى المسجد الحرام- كما فعلوا عام الحديبية- وهو الذي جعله الله للناس منطقة أمان ودار سلام، وواحة اطمئنان.

يستوي فيه المقيم بمكة والطارئ عليها، فهو بيت الله الذي يتساوى فيه عباد الله، فلا يملكه أحد منهم، ولا يمتاز فيه أحد منهم: سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ?).

ولقد كان هذا النهج الذي شرعه الله في بيته الحرام سابقًا لكل محاولات البشر في إيجاد منطقة حرام. يلقى فيها السلاح، ويأمن فيها المتخاصمون، وتحقن فيها الدماء، ويجد كل أحد فيها مأواه لا تفضلا من أحد، ولكن حقا يتساوى فيه الجميع وهكذا سبق الإسلام سبقا بعيدًا بإنشاء واحة السلام، ومنطقة الأمان، ودار الإنسان المفتوحة لكل إنسان! والقرآن الكريم يهدد من يريد اعوجاجا في هذا النهج المستقيم بالعذاب الأليم: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) [الحج:25] » 106.

وأما واجبات ساكني مكة وقاصديه فيمكن بيانها في النقاط الآتية:

قال تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ?) [الحج:25] .

وهذه الآية تدل على أن الإنسان يجب عليه العقاب بنيته لفعل الشر في الحرم، ألا ترى إلى قوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ?) ولم يقل: من يفعل ذلك، وإنما ذكر العقوبة على الإرادة فقط، فهو ظاهر الآية، وذلك لعظيم حرمة الحرم وجلالة قدره، وكذلك يضاعف فيه الحسنات أكثر مما يضاعف في غيره 107.

فقد روى ابن جرير بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: «ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلا بعد أن بين هم أن يقتل رجلا بهذا البيت، لأذاقه الله من العذاب الأليم» عن الضحاك بن مزاحم، قال: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو في بلد آخر ولم يعملها، فتكتب عليه» 108.

قال تعالى: (ذَ?لِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ? وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى? عَلَيْكُمْ ? فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ?30?) [الحج:30] .

والحرمة: مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها 109.

قال الزجاج: «وحرمات الله الحج والعمرة وسائر المناسك، وكل ما فرض الله فهو من حرمات الله، والحرمة ما وجب القيام به وحرم تركه والتفريط فيه» 110.

وقال الواحدي: «وهي في هذه الآية ما نهي عنها، ومنع من الوقوع فيها، وتعظيمها: ترك ملابستها، وكثير من الناس اختاروا في معنى الحرمات ههنا إنها المناسك، لدلالة ما يتصل بها من الآيات، وقال ابن زيد: المراد بالحرمات ههنا البيت الحرم، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام» 111.

قال الإمام الزمخشري في تفسير قوله تعالى: (?إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَ?ذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ? وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [النمل:91] .

«والبلدة: مكة حرسها الله تعالى: اختصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها؛ لأنها أحب بلاده إليه، وأكرمها عليه، وأعظمها عنده، وهكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج في مهاجره، فلما بلغ الحزورة استقبلها بوجهه الكريم فقال: (إني أعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت) 112 وأشار إليها إشارة تعظيم لها وتقريب، دالا على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه، ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها، فأجزل بذلك قسمها في الشرف والعلو، ووصفها بأنها محرمة لا ينتهك حرمتها إلا ظالم مضاد لربه ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، واللاجئ إليها آمن وجعل دخول كل شيء تحت ربوبيته وملكوته كالتابع لدخولها تحتهما» 113.

قال تعالى: (بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج:26] .

والمراد بالطهارة ما يشمل الحسية والمعنوية أي: وطهر بيتي من الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلي عنده 114.

والإلحاد في الحرم هو الميل بالظلم فيه.

قال تعالى: (رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ(106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي) [الحج:25] .

وقد سبق بيان معنى الإلحاد، وقد عظم الله الذنب في الحرم، وبين أن الجنايات تعظم على قدر عظم الزمان كالأشهر الحرم، وعلى قدر المكان كالبلد الحرام، فتكون المعصية معصيتين: إحداهما المخالفة، والثانية إسقاط حرمة الشهر الحرام أو البلد الحرام.

فالشرك وعبادة غير الله وكل شيء كان منهيا عنه، وحتى شتم الخادم ودخول مكة بغير إحرام، وأذى حمام مكة، واستحلال محظورات الإحرام وركوبها، وأشياء كثيرة لا يجوز للمحرم أن يفعلها 115.

قال أبو جعفر: «أنه معني بالظلم في هذا الموضع كل معصية لله، وذلك أن الله عم بقوله: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ(108 ) ) ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل، فهو على عمومه، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم، فيعصي الله فيه، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له» 116.

خص الله مكة المكرمة وشرفها بكونها وسط الأرض ومركزها، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: (وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة:143] .

ولعل في الآية امتنانًا بجعل هذه الأمة في أوسط مكان في الأرض، خاصة وأن الآية تضمنت ذكر القبلة بعد الإخبار عن وسطية الأمة، في قوله تعالى: (وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ? وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى? عَقِبَيْهِ ? وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ? وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ?143?قَدْ نَرَى? تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ? فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ? فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ? وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ?144?وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ? وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ? وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ? وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ? إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ?145?) [البقرة:143 - 145] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت