فهرس الكتاب

الصفحة 1621 من 2431

وهكذا يذلل الله تعالى الأرض لخدمة الإنسان ومصالحه، فباختلاف الأرض في أجزائها وبقاعها تتنوع الأشجار والنباتات، فمنها قوت للبشر، ومنها قوت للبهائم، ومنها الدواء، ومنها الفاكهة، ومنها الأنواع المختلفة في الحلاوة والحموضة.

ومن تسخير الله تعالى الأرض لعباده أنه جعل لهم التمكين فيها.

قال تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف:10] .

فبين تعالى أنه مكن عباده في الأرض، أي: أقدرهم على التصرف فيها 52، ومنحهم القوة على استغلالها والانتفاع بمواردها، وذلك بما هيأه لهم فيها من الأسباب؛ كتذليل الأرض وتهيئتها للزراعة والبناء، وما جعل لهم فيها مما يعيشون به «مما يخرج من الأشجار والنبات، ومعادن الأرض، وأنواع الصنائع والتجارات» 53، وبما وهبهم من العقل والعلم والقوة.

وكل ذلك من تمكينه سبحانه لعباده وإنعامه عليهم {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} أي: أن أكثرهم مع هذا الإنعام لا يشكرونه عليه، كما قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13] .

وقد بين تعالى احتواء الأرض على الثروات والخيرات العظيمة في قوله: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) } [فصلت:9 - 10] .

فأخبر تعالى عن مدة خلقه الأرض وتهيئتها لعباده، وهي أربعة أيام، يومان للأرض، ويومان للبركة وتقدير الأقوات فيها 54.

و «هذا الزمن إنما هو منظور فيه إلى طبيعة المخلوق لا إلى قدرة الخالق، وإلى أن هذا الزمن هو الذي قدره الخالق سبحانه وتعالى لينضج فيه المخلوق، ويستوفى فيه تمام خلقه، كالجنين في الرحم، حيث يتم تكوينه في تسعة أشهر، في عالم الإنسان، وفى زمن أقل أو أكثر في العوالم الأخرى من الأحياء، فالزمن جزء من وجود كل موجود، وفى تطوره من حال إلى حال، سواء في هذا، الحيوان، والنبات، والجماد، فقوله تعالى: {خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} إشارة إلى الزمن الذي نضجت فيه الأرض، وتم تكوينها، وتهيأت لاستقبال الحياة فيها» 55.

وقد أخبر الله تعالى أنه بارك فيها أي: جعلها مباركة، بأن أكثر فيها خيرها، فجعلها زاخرة بأنواع الخيرات والمنافع، من الزروع والثمار المبثوثة فوقها، والمياه التي تخرج من جوفها. والكنوز التي تحصل من باطنها. {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} ، أي: أرزاق ساكنيها ومعايشهم.

وقال قتادة: «خلق فيها جبالها وأنهارها وبحارها وشجرها، وساكنها من الدواب كلها» 56.

وقيل: «خصائصها التي قسمها في البلاد مما خص به كل إقليم، فيحتاج بعضها إلى بعض في التقوت من الملابس والمطاعم والنبات» 57.

وبذلك يتبادل الناس المنافع فيما بينهم، فيعمر الكون، ويزيد الاتصال والتعارف فيما بينهم.

والآية عامة فهي تعم جميع ما ذكر مما يقتاته أهل الأرض ويحتاجونه في معاشهم 58، ولذلك قال تعالى: {سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} أي: على وفق مراد من له حاجة، فإن الله قدر له ما هو محتاج إليه، كما قال تعالى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [إبراهيم:34] 59.

وهكذا يبين الله تعالى نعمته على عباده في تسخير الأرض وتذليلها، وجعلها موردًا من أهم موارد حياتهم ومقوماتها، وقد عد علماء الاقتصاد الأرض من أهم عوامل الإنتاج والموارد الاقتصادية.

ومن أهم الموارد الاقتصادية التي نوه إليها القرآن الكريم هو الإنسان بما آتاه الله تعالى من علم وعقل وقوة، وبما منحه من طاقة جبارة تمكنه من عمارة الأرض واستثمار خيراتها.

قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت