ومن أهم الموارد الاقتصادية التي أنعم الله بها على عباده: الأرض بما تحتويه من ثروات وخيرات، كالمياه والمعادن والبترول والأحجار، وبكونها صالحة للزراعة والبناء وغير ذلك، وقد بين الله تعالى إنعامه على عباده في تسخير الأرض وتذليلها لهم، وما أودعه فيها من خيرات عظيمة في مواضع كثيرة من كتابه العزيز.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15] .
فأخبر تعالى أنه جعل الأرض ذلولًا، أي: سهلة، من الذل وهو اللين وسهولة الانقياد.
أي: سهل تعالى الأرض وسخرها وذللها لما يراد منها من مشى عليها، أو غرس فيها، أو بناء فوقها، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع بها 45.
وذلك من رحمته تعالى بخلقه أن ذلل لهم هذه الأرض الكبيرة الواسعة لتتمشى مع حياة الإنسان وسعيه فيها.
ولذلك قال سبحانه: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} أي: «فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات» 46.
وقد بين تعالى بعض أنواع هذا التذليل والتسخير للأرض، كتثبيتها بالجبال لتستقر وتثبت بمن عليها، وإلا لكثرت فيها الزلازل والاضطرابات.
قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء:31] .
وكبسط الأرض ومدها.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} [الرعد:3] .
وقال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} [نوح:20] .
وقال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة:22] .
فبين تعالى أنه أنعم على عباده بجعله الأرض مبسوطة لهم كالفراش والبساط، تسهيلًا لحياتهم فيها وتيسيرًا لانتقالهم في طرقها الواسعة للوصول إلى أغراضهم وحاجاتهم، وقال تعالى: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} [الرحمن:10] .
فالأرض كل الأرض موضوعة للأنام كل الأنام، لكي يستغلوها ويسعوا فيها 47.
ومن تذليل الله تعالى للأرض وتسخيرها لعباده جعلها صالحة للزراعة بما جعله فيها من مقومات الزراعة والإنبات، كالتربة الخصبة الغنية بالأملاح والمواد العضوية التي يتغذى النبات عليها وغير ذلك من المقومات، «ولو شاء الله تعالى لجعلها حديدًا، ونحاسًا فلا يستطيع الإنسان أن يحرث فيها، ولا يحفر ولا يبني، وإذا مات لا يجد مدفنًا فيها» 48.
قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [الرعد:3] .
وقال: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا} [عبس:27] .
ومن تسخير الله تعالى الأرض لعباده: أن جعلها أجزاء وبقاع مختلفة.
قال تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد:4] .
فمنها أرض طيبة منبتة، وأخرى سبخة لا تنبت، ومنها أرض رخوة وأخرى صلبة، ومنها أرض صالحة للزرع لا للشجر، وأخرى صالحة للشجر لا للزرع إلى غير ذلك 49، {قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ} أي: «بقاع متقاربات مختلفة الطبائع» 50، وهو قول يدل على الإعجاز؛ فعلى الرغم من أنها متجاورات إلا أن كلًا منها تناسب الطقس الذي توجد فيه؛ فزراعة الذرة مثلًا تحتاج مناخًا معينًا؛ وكذلك زراعة الموز، وهكذا كل منطقة هي مناسبة لما تنتجه، فالأرض ليست عجينة واحدة، بل هي تربة مناسبة للجو الذي توجد به 51.