ونحن في كل ركعةٍ من ركعات الصلاة نفرد الله بالاستعانة به على كل أمورنا، ونخصه بذلك في قولنا (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه عبد الله بن عباس بوصيةٍ جامعة، وكان من بين جملها الرائعة: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» 33.
وقد بين القرآن أن المعبودات من دون الله لا تملك أي وسيلة من وسائل الإدراك أو النفع أو دفع الضر عن نفسها، فضلًا عن عابديها، فكيف يعبدونها من دون الله تعالى؟!
فنفى القرآن العقل صراحة عن الآلهة التي عبدها المشركون من دون الله، ونفي العقل عنها هو بيت القصيد، والأصل لما بعده؛ إذ ما فائدة السمع والبصر والنطق من غير العقل؟!
فهو وحده كافٍ في نفي ألوهية هذه الأوثان، وفي ذلك يقول الله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ? قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ) [الزمر: 43] .
وهنا «يقول تعالى ذاما المشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد، التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان، وهي لا تملك شيئا من الأمر، بل وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالًا من الحيوان بكثير» 34.
ونفى القرآن عن الأوثان أيضًا السمع والبصر والنطق، ومن ثم فلم يكن لديها أي سبب من أسباب العبادة، فعلام يعكف هؤلاء الوثنيون على عبادتها ودعائها من دون الله تعالى؟!
وأكثر القرآن الكريم من وصف المعبودات بأنها لا تملك لعابديها دفع ضر أو جلب نفع، حتى أربت مواطن الحديث عن هذا الوصف على عشرة مواطن، وتنوعت فيها الأساليب، فمنها ما ورد بصيغة الخبر، مثل قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَ?ؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ? قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ? سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى? عَمَّا يُشْرِكُونَ) [يونس: 18] .
ومنها ما ورد بصيغة النفي، مثل قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) [الفرقان: 3] .
ومنها ما ورد بصيغة النهي، مثل قوله تعالى: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ? فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) [يونس: 106] .
أما ما ورد بصيغة السؤال فكثير، ومنه قوله تعالى: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ? وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [المائدة: 76] . وغيرها من الآيات.
ومن الصفات التي وصف بها القرآن المعبودات من دون الله: أنها لا تستطيع أن تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة لله رب العالمين، فهي لا تستطيع أن تخلق شيئًا على الإطلاق، ولا تملك مثقال ذرة من ذلك، فكيف تملكه لعابديها! وجاء هذا الرد في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًاٹ) [الفرقان: 3] .
والآيات في هذا الشأن وفيرة ومتنوعة.
ومن الأدلة الظاهرة الواضحة على أن الأموات لا يملكون نفعًا ولا ضرًا: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه للعباس عندما وقع الجدب: كنا إذا أجدبنا توسلنا بدعاء نبينا، فقم يا عباس! وادع الله لنا، فقام العباس ودعا 35، ولم يذهب هو أو عمر إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا رسول الله! أجدبنا فاستسق لنا؛ لأنهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك ضرًا ولا نفعًا، فهذه دلالة على أن الأموات لا يملكون شيئًا.
وبناء على ما سبق فالاستعانة بالأموات والمعبودات من دون الله في قضاء الحوائج وسؤالهم والاستعانة بهم كما يفعله عباد القبور والأولياء شرك أكبر؛ فإنه يقوم في قلوبهم من العبوديات لمن يدعونهم ويستعينون بهم ويستعيذون بهم ويستغيثون بهم ما هو من أعظم الشرك والكفر بالله، وهذا شرك أكبر يخرج من الملة؛ لأن الاستعانة بالله تعظيم لله، فمن استعان بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد ساواه بالله تعالى في التعظيم، وهذا شرك أكبر.
قال تعالى: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ?97?إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ?98?) [الشعراء: 97 - 98] .
والموتى والمقبورون وإن كانوا من الأولياء الصالحين، بل من الأنبياء المقربين فإن صلاحهم لأنفسهم ونفع تقواهم لهم، أما أن يستعان بهم في كشف الكروب ودفع الخطوب، فهذا ما كان أهل الجاهلية يفعلونه حين يصرفون لهم الدعاء، بزعم أنهم يقربونهم إلى الله، وأن الله لا يرد شفاعتهم لصلاحهم.
قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَ?ؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ? قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ? سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى? عَمَّا يُشْرِكُونَ) [يونس: 18] .
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى?) [الزمر: 3] .
يقول ابن القيم عن هذا المظهر من مظاهر الشرك -أي طلب الحوائج من الموتى والاستعانة بهم، والتوجه إليهم-: «وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فضلًا عمن استعان به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها. والميت محتاج إلى من يدعو له، ويترحم عليه، ويستغفر له، كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين (أن نترحم عليهم، ونسأل لهم العافية والمغفرة) 36. فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة، واستقضاء الحوائج، والاستعانة بهم، وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد» 37.
وخلاصة القول: أن من استعان بغير الله فيما ما لا يقدر عليه إلا الله، فقد كفر بالله جل في علاه؛ لأنه أنزل المخلوق منزلة الخالق.
المراد بالغيب: ما غاب عن الناس من الأمور المستقبلة والماضية وما لا يرونه. وقد اختص الله تعالى بعلمه.
قال تعالى: (لْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النمل: 65] .
فلا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وحده، فلا يعلم الغيب ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلًا عمن هو دونهما.
وقد يطلع الله عز وجل رسله على ما شاء من غيبه لحكمة ومصلحة.
قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى? غَيْبِهِ أَحَدًا(26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى? مِن رَّسُولٍ) [الجن: 26 - 27] .
أي: لا يطلع على شيء من الغيب إلا من اصطفاه لرسالته، فيظهره على ما يشاء من الغيب؛ لأنه يستدل على نبوته بالمعجزات؛ التي منها الإخبار عن الغيب الذي يطلعه الله عليه، وهذا يعم الرسول الملكي والبشري، ولا يطلع غيرهما؛ لدليل الحصر.
وقد قسم العلماء الغيب إلى قسمين:
الأول: الغيب المطلق أو الحقيقي: وهو أن يغيب عن الحواس والعقول معا، وهو المقصود عند الإطلاق، مثل الأمور الخمسة الواردة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» 38.
الثاني: الغيب النسبي أو المقيد: وهو ما يغيب عن بعض المخلوقين دون بعض، كالذي يعلمه الملائكة عن أمر عالمهم دون البشر، وكالذي يعلمه بعض البشر دون بعض، مثل: العلم بالأقطار النائية والطبقات الأرضية، والأمور الطبية، ونحو ذلك، ومن ذلك: أن يغيب الشيء عن حس الناس جميعًا، ولكنه يكون في متناول عقولهم، إما بالتجربة أو المقايسة، كعلم ما سيقع في المستقبل من الكسوف والخسوف، والشروق والغروب، ومنازل القمر، ونحو ذلك، استنباطًا من التجارب الكونية والسنن الربانية.
فمن ادعى علم الغيب بأي وسيلة من الوسائل غير من استثناه الله من رسله، فهو كاذب؛ سواء ادعى ذلك بواسطة قراءة الكف أو الفنجان، أو الكهانة، أو السحر، أو التنجيم، أو غير ذلك، وهذا الذي يحصل من بعض المشعوذين والدجالين؛ من الإخبار عن مكان الأشياء المفقودة والأشياء الغائبة، وعن أسباب بعض الأمراض، فيقولون: فلان عمل لك كذا وكذا فمرضت بسببه، وإنما هذا لاستخدام الجن والشياطين.
وقد يكون إخبارهم بذلك عن طريق التنجيم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، كأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر، وتغير الأسعار، وغير ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بسير الكواكب في مجاريها، واجتماعها وافتراقها. ويقولون: من تزوج بنجم كذا وكذا، حصل له كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا حصل له كذا، ومن ولد بنجم كذا وكذا حصل له كذا؛ من السعود أو النحوس، كما يعلن في بعض المجلات الساقطة من الخزعبلات حول البروج؛ وما يجري فيها من الحظوظ 39.
وقد يذهب بعض الجهال وضعاف الإيمان إلى هؤلاء المنجمين، فيستعين بهم ويسألهم عن مستقبل حياته، وما يجري عليه فيه، وعن زواجه وغير ذلك.
ومن ادعى علم الغيب أو صدق من يدعيه، فهو مشركٌ؛ لأنه يدعي مشاركة الله فيما هو من خصائصه، والنجوم مسخرة مخلوقة، ليس لها من الأمر شيء، ولا تدل على نحوس، ولا سعود، ولا موت، ولا حياة، وإنما هذا كله من أعمال الشياطين الذين يسترقون السمع.
وقد ورد النهي عن ذلك في بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، منها:
عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه، لا تقبل له صلاة أربعين يومًا» 40.
وعن عمران بن حصين مرفوعًا: «ليس منا من تَطير أو تُطير له، أو تَكهن أو تُكهن له، أو سَحر أو سُحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» 41.
وأما حكم هؤلاء الدجالين والمشعوذين، ومن يدعون علم الغيب، ومن يذهب إليهم، فحكمهم فيما يلي 42:
أن الذين يدعون علم الغيب: إن كانوا من أولياء الشيطان الذين تتنزل عليهم الشياطين فهم كفار.
قال الله تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى? مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ(221) تَنَزَّلُ عَلَى? كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) [الشعراء: 221 - 223] .
وقد نص القرآن على أن الذين تنزل عليهم الشياطين هم أولياء الشياطين (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى? أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) [الأنعام: 121] .
ومن كان وليًا للشيطان لا يمكن أن يكون وليًا للرحمن (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) [النساء: 119] .
وإن كان من أدعياء الغيب الذين يدجلون على الناس، ويقولون بالخرص والتخمين، ولكنهم يخدعون الناس زاعمين أن لديهم القدرة على الاطلاع على الغيب من خلال الخط بالرمل، والنظر في اليد والفنجان وما أشبه ذلك؛ فهؤلاء ضالون يستحقون التأنيب والتعزير، ولا نحكم عليهم بالكفر ما لم يعتقدوا حل ذلك.
ومثل هذا يقال في الذين يأتون الكهان، فإن كانوا جازمين باستباحة ذلك، وصدقوهم فيما يدعون فهذا كفر؛ لأن هؤلاء كذبوا الله في خبره أنه وحده عالم الغيب (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّ) [النمل: 65] .
وقوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى? غَيْبِهِ أَحَدًا ?26?إِلَّا مَنِ ارْتَضَى? مِنْ رَسُولٍ) [الجن: 26 - 27] .
وقوله: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) [الأنعام: 59] .
وقد سئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى عن قوله صلى الله عليه وسلم: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» . هل هذا الكفر ناقل عن الملة؟ فأجاب «اختلف أهل العلم فيه، فقيل: إنه لا يخرجه من الإسلام، بل هو من العصاة من أهل الإسلام المتغلظة معاصيهم، وإلا لو كان كافرًا لما قيد الوعيد بأربعين، يعني قوله: «لم تقبل له صلاة أربعين يوما» .
وقيل: إن هذا الحديث من أحاديث الوعيد فيُمَرُ كما جاء، ولا يتعرض له بتأويل، وهذا قول أحمد وعامة السلف؛ لأن ذلك أبلغ في الردع عن الجرائم. فالأول ليس من التأويل، وهو تأدب في المعنى مع اللفظ، والثاني تأدب مع اللفظ، وكلٌ مصيب» 43.
والراجح أن أحاديث الوعيد تُمَرُ كما جاءت، ولا يتعرض لها بتأويل؛ لأن ذلك أبلغ في الردع عن الجرائم.
وكذلك المنجم والضارب بالحصى والودع، لكن عدم كفر الواحد منهما ما لم يعتقد إباحته، فإن اعتقد إباحته فهو مرتد.
وخلاصة القول: إن الواجب على كل مسلم أن يحذر من الدجاجلة والكذابين المدعين لعلم الغيب، المفترين على الله، الذين ضلوا في أنفسهم وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل، كالسحرة والكذابين والمنجمين، وقارئي الفناجين، وضاربي الرمل ونحو ذلك ممن يدعون قراءة الكف والأبراج وغيرهم، فلا يستعين بهم في أمر من الأمور، وخاصة الغيبية.
3.الاستعانة بالجن:
جعل الله بحكمته الباهرة بين الثقلين حواجز، ومخاوف، واختلافًا بين الطبيعتين؛ ليعبد كل منهما ربه كما شرع له، من غير استعانة بالآخر، وإذا ما استعان أحدهما بالآخر ففي حدود ضيقة بما شرع لهما، وبضوابط دقيقة لا يحسنها إلا أهل العلم الراسخون فيه حتى لا يقع منكر، إلا أن الشياطين من الجن والإنس خالفوا أمر ربهم، وقالوا وعملوا ما لم يشرعه لهم، وحرص إبليس وجنوده على هذه المسألة؛ لأنها من أعظم طرقهم في الإضلال والتلبيس.
ولهذا التجاوز للمشروع حصل كثير من المنكرات العظيمة في هذين البابين، ووقع في الشرك والكفر بسبب هؤلاء الشياطين - وهم كفرة الجن- أو فساقهم أكثر الخلق من قديم الزمان- نسأل الله العافية-كما قال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ(20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ? وَرَبُّكَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) [سبأ: 20 - 21]
وبتأمل كلام أهل العلم في مسألة الاستعانة بالجن نجد أنها أربعة أنواع، ولكل نوع حكم خاص 44:
النوع الأول: استعانة بالجن تفضي إلى وقوع الشرك الأكبر من أحد الطرفين، وهذا كفر لا نزاع فيه، وهي مثل أن يستعين بهم الإنسي أو يستغيث فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهذا شرك ممنوع باتفاق المسلمين.
وعند تفسير قوله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ?6?) [الجن: 6] .
قال أبو جعفر بن جرير: «يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هؤلاء النفر: وأنه كان رجال من الإنس يستجيرون برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا منازلهم، وكان ذلك من فعلهم فيما ذكر لنا» .
ثم روى عن ابن عباس أنه قال: كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي، فزادهم ذلك إثمًا.
وروى عن الحسن أنه قال: كان الرجل منهم إذا نزل الوادي فبات به قال: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه 45.
وقد بين تعالى أن هذه الاستعانة كانت سببًا للخلود في النار، فقال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ? وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ? قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ? إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) [الأنعام: 128] .
النوع الثاني: استعانة بهم هي تعاون على الإثم والعدوان لا تصل إلى الكفر، كأن يقدم أي طرف منهما للآخر أي شيء فيه معصية، فهو محرم بالاتفاق أيضًا.
ومثال هذا النوع، أن يسرق له الجني مالًا، أو يتعاونا على أكل أموال الناس بالباطل بأي نوع من أنواع الحيل أو غيرها، أو في الفواحش.
يقول شيخ الإسلام: «وآخرون شر من هؤلاء يستخدمون الجن في أمور محرمة، من الظلم والفواحش، فيقتلون نفوسًا بغير حق، ويعينونهم على ما يطلبونه من الفاحشة، كما يحضرون لهم امرأة أو صبيًا أو يجذبونه إليه. وآخرون يستخدمونهم في الكفر، فهذه الأمور ليست من كرامات الصالحين، وأما استخدامهم في المحرمات فهو حرام» 46.
النوع الثالث: أن يستعين الإنسي بهم على مباحات وبسبب مباح، ولكن استعانة تفضي إلى محرم أو شرك، فهو حرام أيضًا أو شرك أصغر؛ لأن «الوسائل لها حكم المقاصد» ، فيمنع من ذلك بناءً على القاعدة المتينة الأصيلة قاعدة «سد الذرائع» ، وقواعد درء المفاسد الراجحة أو المساوية للمصلحة، فما أفضى إلى محرم فهو محرم على التحقيق، وإن كان في الأصل مباحًا.
النوع الرابع: الاستعانة بهم على مباحات، وبأسباب مباحة، ولا يفضي ذلك إلى محرم، وليس ذريعة إليه؛ كالاستعانة بالجن في الرقية والعلاج ونحو ذلك، فهذه التي حصل فيها النزاع بين أهل العلم ما بين مجيز بضوابط 47 ومانع 48.
والراجح في هذه المسألة أن الاستعانة بالجن في الرقية والعلاج ونحو ذلك محرمة ويجب المنع منها والتحذير، وعدم التهاون فيها؛ لأنها شديدة الخطورة، وإفضاؤها إلى المحرم قريب، وخاصة في هذه الأزمان، وأما في غير ذلك من المباحات فبالضوابط التي ذكرها المجيزون، ويكون الحكم: إما الكراهة الشديدة، وإما التحريم على القول الآخر.
وأختم هذه المسألة بقول سيد قطب رحمه الله عند كلامه على قوله تعالى: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ?12?) [الجن: 12] .
فعندما أسلم نفر من الجن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ?12?) .
«فهم يعرفون قدرة الله عليهم في الأرض، ويعرفون عجزهم عن الهرب من سلطانه سبحانه والإفلات من قبضته، والفكاك من قدره. فلا هم يعجزون الله وهم في الأرض، ولا هم يعجزونه بالهرب منها. وهو ضعف العبد أمام الرب، وضعف المخلوق أمام الخالق، والشعور بسلطان الله القاهر الغالب. وهؤلاء الجن هم الذين يعوذ بهم رجال من الإنس! وهم الذين يستعين بهم الإنس في الحوائج! وهم الذين جعل المشركون بين الله سبحانه وبينهم نسبًا! وهؤلاء هم يعترفون بعجزهم وقدرة الله، وضعفهم وقوة الله، وانكسارهم وقهر الله، فيصححون، لا لقومهم فحسب بل للمشركين كذلك، حقيقة القوة الإلهية الغالبة على هذا الكون ومن فيه» 49.
من الأسباب التي شرع الله الأخذ بها الاستعانة بالمخلوق الحاضر القادر على أمر يقدر عليه، وهذه على حسب المستعان عليه، فإن كانت على بر أو مباح فهي جائزة للمستعين مشروعة للمعين.
وهذه الاستعانة تكون في الأمور الدينية والدنيوية، فالاستعانة الدينية: كأن يستعين بمن تقدمه في طلب العلم أن يتعلم منه، أو يستعين بالقارئ المتقن أن يضبط له الحروف ويضبط له القراءات، أو يستعين بالمفتي أن يفتي له، أو يستعين بالحاج العالم في مناسك الحج أن يبين له مناسك الحج.
وأما الاستعانة في الأمور الدنيوية: كأن يقترض قرضًا، أو يأخذ مالًا، أو هبة من أخيه، فهذه الاستعانة تجوز، وليس فيها ثمة شيء.
والدليل على ذلك عموم قول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى?) [المائدة:2] .
فهذه استعانة أباحها الله جل في علاه في كتابه، وأيضًا عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» 50. وهذه كأنها أمر من النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء» 51. فهذه أيضًا من باب التعاون على البر والتقوى.
ومما ذكره القرآن من أمثلة على الاستعانة في أمور البر بالحي القادر: ما جاء في قول موسى عليه السلام: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ?29?هَارُونَ أَخِي ?30?اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ?31?) [طه: 29 - 31] .
قال مقاتل بن سليمان: « (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) يقول: اشدد به ظهري، وليكون عونًا لي، وأشركه في أمري الذي أمرتني به، يتعظون لأمرنا، ونتعاون كلانا جميعًا» 52.
وقال السعدي: «علم عليه الصلاة والسلام أن مدار العبادات كلها والدين على ذكر الله، فسأل الله أن يجعل أخاه معه يتساعدان، ويتعاونان على البر والتقوى، فيكثر منهما ذكر الله من التسبيح والتهليل، وغيره من أنواع العبادات» 53.
وقال المراغي: «أي أحكم به قوتي، واجعله شريكي في أمر الرسالة؛ حتى نتعاون على أدائها على الوجه الذي يؤدي إلى أحسن الغايات، ويوصل إلى الغرض على أجمل السبل» 54.
وكذلك ما قصه القرآن عن ذي القرنين.
قال تعالى: (حَتَّى? إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ?93?قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى? أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ?94?قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ?95?) [الكهف: 93 - 95] .
بعد أن ساهم ذو القرنين في نهوض الشعوب البدائية الفقيرة وتنويرها في أقصى الغرب والشرق، توجه بهذا الخير إلى موضعٍ عبر عنه القرآن بأنه بين السدين، منطقة يحيط بها جبلان شاهقان وعران، حيث يتسلل المفسدون من قوم يأجوج ومأجوج إلى البلاد المجاورة، ينهبون ثرواتها ويعيثون فيها فسادًا، فطلب أولئك المستضعفون المنكوبون من ذي القرنين أن يحميهم من أولئك المعتدين، واقترحوا عليه أن يبني سدًا منيعًا يحجزهم، على أن يجمعوا له ما يشاء من أموال وثروات، فقال لهم: (مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) .
أجابهم هذا القائد الزاهد والإمام الراشد إلى مطلبهم دون مقابلٍ، فهو صاحب رسالة إصلاح يؤديها في ربوع الكون، فهل يطمح إلى أعراض الدنيا الزائلة أم يجنح إلى هممٍ قاصرة؟ وقد وهبه الله تعالى من العلم والتمكين والفهم والتوفيق ما زاده طاعة وانقيادًا، وعزمًا واجتهادًا؛ في غرس بذور الخير أينما حل.
«قال ذو القرنين: الذي مكنني في عمل ما سألتموني من السد بينكم وبين هؤلاء القوم ربي، ووطأه لي، وقواني عليه، خيرٌ من جعلكم، وأجرتكم التي تعرضونها علي لبناء ذلك، وأكثر وأطيب، ولكن أعينوني منكم بقوة، أعينوني بفعلة وصناعٍ يحسنون العمل والبناء» 55.
«وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه المحاورة؛ فإن القوم لو جمعوا له خرجًا لم يعنه أحد ولوكلوه إلى البنيان، ومعونته بأنفسهم أجمل به وأسرع في انقضاء هذا العمل، وربما أربى ما ذكروه له على الخرج» 56.