فهرس الكتاب

الصفحة 1248 من 2431

وقال مالك بن أنس رحمه الله: «ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة، وذلك؛ لأن المبتدع مفتر في دين الله» 78.

«فهو جزاء متكرر كلما تكررت جريمة الافتراء على الله، ووعد الله صادق لا محالة، وقد كتب على الذين اتخذوا العجل الغضب والذلة، وكان آخر ما كتب الله عليهم أن يبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب.

فإذا بدا في فترة من فترات التاريخ أنهم يطغون في الأرض، ويستعلون بنفوذهم، وأنهم يملكون سلطان المال، وسلطان أجهزة الإعلام، وأنهم يقيمون الأوضاع الحاكمة التي تنفذ لهم ما يريدون، وأنهم يستذلون بعض عباد الله، ويطردونهم من أرضهم وديارهم في وحشية، والدول الضالة تساندهم وتؤيدهم إلى آخر ما نراه في هذا الزمان.

فليس هذا بناقض لوعيد الله لهم، ولا لما كتبه عليهم، فهم بصفاتهم هذه وأفعالهم يختزنون النقمة في قلوب البشر، ويهيئون الرصيد الذي يدمرهم من السخط والغضب، وستجيء الصحوة من هذه الغيبوبة، وسيفيء أخلاف المسلمين إلى سلاح أسلافهم المسلمين.

ومن يدري فقد تصحو البشرية كلها يومًا على طغيان اليهود! لتحقق وعيد الله لهم، وتردهم إلى الذلة التي كتبها الله عليهم، فإن لم تصح البشرية فسيصحوا أخلاف المسلمين، هذا عندنا يقين» 79.

وقد رأى سيد قطب رحمه الله هؤلاء الذين كانوا في خياله من أخلاف المسلمين وجدهم حقيقة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، فقال لهم: «إلى الفتية الذين كنت ألمحهم بعين الخيال قادمين، فوجدتهم في واقع الحياة قائمين، يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، مؤمنين في قرارة نفوسهم، إن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، إن أمامكم كفاحًا مريرًا شاقًا طويلًا، يجب أن تستعدوا له استعدادًا كبيرًا، بأن نرتفع إلى مستوى هذا الدين، نرتفع إلى مستواه في حقيقة إيماننا بالله، وفي حقيقة معرفتنا به فإننا لن نؤمن حق الإيمان حتى نعرفه حق المعرفة، ونرتفع إلى مستواه في عبادتنا لله، فإننا لن نعرف الله حق المعرفة إلا إذا عبدناه حق العبادة، ونرتفع إلى مستواه في وعينا لما حولنا، ومعرفتنا لأساليب عصرنا، ورحم الله رجلًا عرف زمانه، فاستقامت طريقته» 80.

وصدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم بسنده عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك» 81.

ثانيًا: عواقب الافتراء في الآخرة:

1.حرمان الشفاعة والنصرة.

«أخبر سبحانه وتعالى أن جزاء المفترين في الآخرة أن ما يعبدون من دونه لا يشفعون لهم، ولا يدفعون عنهم العذاب، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [يونس: 28 - 30] .

أي: في موقف الحساب يوم القيامة تختبر كل نفس، وتعلم ما أسلفت من عملها من خير وشر، ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل، ففصلها، وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وذهب عن المشركين ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه» 82، فلا تنفعهم ولا تدفع عنهم العذاب.

«وقال تعالى: {فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأحقاف: 28] .

فهو إفك، وهو افتراء؛ وذلك مآله، وتلك حقيقته، الهلاك والتدمير، فماذا ينتظر المشركون الذين يتخذون من دون الله آلهة بدعوى أنها تقربهم من الله زلفى؟ وهذه هي العاقبة وهذا هو المصير» 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت