فهرس الكتاب

الصفحة 1467 من 2431

الطيبات

أولًا: المعنى اللغوي:

الطيب خلاف الخبيث، إلا أنه قد تتسع معانيه، فيقال: أرضٌ طيبة للتي تصلح للنبات، وريحٌ طيبة إذا كانت لينة ليست بشديدة، وطعمةٌ طيبة إذا كانت حلالًا، وامرأةٌ طيبة إذا كانت حصانًا عفيفة، وكلمةٌ طيبة إذا لم يكن فيها مكروه، وبلدةٌ طيبة، أي: آمنة كثيرة الخير، ونكهةٌ طيبة إذا لم يكن فيها نتن، وإن لم يكن فيها ريح طيبة كرائحة العود وغيرها، وطعامٌ طيب للذي يستلذ الآكل طعمه، والكلمة الطيبة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله 1.

والطّيّب: الحلال. والطيب: ما يتطيب به، وقد تطيب بالشيء، وطيب الثوب وطابه، والطيب من كل شيء: أفضله، واستطبناهم: سألناهم ماء عذبًا 2.

وبهذا يتضح أن كلمة الطيب ليس لها معنى ثابت في الاصطلاح اللغوي، وإنما هي على حسب السياق الذي ترد فيه.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يوجد هناك تعريف اصطلاحي خاص بالطيب، ولكن تختلف دلالته الاصطلاحية بحسب المضاف إلى الطيب، فمثلًا الرزق الطيب هو الحلال 3. وأصل الطّيّب: «ما تستلذّه الحواسّ، وما تستلذّه النّفس، والطّعام الطّيّب في الشّرع: ما كان متناولًا من حيث ما يجوز، ومن المكان الّذي يجوز، فإنّه متى كان كذلك كان طيّبًا عاجلًا وآجلًا لا يستوخم، وإلا فإنه -وإن كان طيّبًا عاجلًا- لم يطب آجلًا» 4.

«وقال الحسن: الحلال الطّيّب: هو ما لا يسأل عنه يوم القيامة، وقال ابن عبّاسٍ: الحلال الّذي لا تبعة فيه في الدّنيا، ولا وبال في الآخرة، وقيل: الحلال ما يجوّزه المفتي، والطّيّب ما يشهد له القلب بالحلّ» 5.

وردت مادة (طيب) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت (50) مرة 6.

والصيغ التي وردت عليها هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 3 ... {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3]

المصدر ... 1 ... {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) } [الرعد:29]

الصفة المشبهة ... 46 ... {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} [النساء:2]

وقد أطلقت الطّيّبات في الاستعمال القرآني على عدة أمور، منها 7:

الأول: الذكر والدعاء: ومنه قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10] .

الثاني: الرزق: ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [الإسراء:70] . يعني: جميع رزق بني آدم: الخبز والعسل والسمن، ونحوه من أطايب الطعام، وجعل رزقهم أطيب من رزق البهائم والدواب والطير.

الثالث: الحلال: ومنه قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء:160] .وقد كانت لهم حلالًا في التوراة.

الخبائث:

الخبائث لغةً:

جمع خبيث، قال ابن فارس: «الخاء والباء والثاء أصلٌ واحد يدلّ على خلاف الطّيّب. يقال خبيثٌ، أي ليس بطيّب. وأخبث، إذا كان أصحابه خبثاء. ومن ذلك التعوّذ من الخبيث المخبث. فالخبيث في نفسه، والمخبث الذي أصحابه وأعوانه خبثاء» 8.

الخبائث اصطلاحًا:

قال الراغب: «الخبث والخبيث: ما يكره رداءةً وخساسةً، محسوسًا كان أو معقولًا» 9.

الصلة بين الخبائث والطيبات:

لا شك أن العلاقة بينهما علاقة تضاد، فالطيب خلاف الخبيث، والخبيث خلاف الطيب.

الحلال:

الحلال لغةً:

الحلال ضد الحرام، وهو من: حلّ يحلّ حِلًّا، بالكسر. وأحلّه الله، وحلّله، واستحلّه: اتّخذه حلالًا، أو سأله أن يحلّه له 10.

الحلال اصطلاحًا:

هو ما أطلق الشرع فعله، أو هو كل شيء لا يعاقب عليه باستعماله 11.

الصلة بين الحلال والطيبات:

الطيب: ما هو طيب في ظاهر الشرع سواء كان طيبًا في الواقع أم لا، والحلال: ما هو حلال وطيب في الواقع لم تعرضه النجاسة والخباثة قطعًا، ولم تتناوله أيدي المتغلبة أصلًا 12.

المحرمات:

المحرمات لغةً:

الحرام لغةً: الحرام من حرم، فالحاء والراء والميم أصل واحد، وجمع الحرام حرم، والحرام ضد الحلال، والحرام هو المنع والتشديد 13.

المحرمات اصطلاحًا:

الحرام: هو ما طلب الشارع من المكلف تركه على وجه الإلزام، بحيث يعاقب فاعله ويثاب تاركه 14.

الصلة بين المحرمات والطيبات:

واضحٌ أن هناك فرقًا شاسعًا بينهما، فكل منهما ضد الآخر.

تنوعت أساليب القرآن على الحث على ابتغاء الطيب، وهذا ما سنتناوله فيما يأتي:

أولًا: أسلوب الطلب:

جاء الأمر في القرآن بابتغاء الطيبات في الحياة الدنيا، وأكد ربنا سبحانه وتعالى على ذلك في مواضع:

جاء الأمر بابتغاء الصعيد الطيب للتيمم.

فقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43] .

وقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] .

ففي آية سورة النساء، يعني سبحانه: وإن كنتم جرحى أو بكم قروح أو كسر، أو علة لا تقدرون معها على الاغتسال من الجنابة، وأنتم مقيمون غير مسافرين، أو إن كنتم مسافرين وأنتم أصحاء جنب، أو جاء أحد منكم من الغائط، قد قضى حاجته وهو مسافر صحيح، أو لامستم النساء (وهو مختلف في تأويله بين الجماع أو مجرد اللمس) فطلبتم الماء لتتطهروا به فلم تجدوه بثمن ولا غير ثمن، فاقصدوا صعيدًا طيبًا لتتيمموا به. والصعيد: «هو وجه الأرض الخالية من النبات والغروس والبناء، المستوية» 15.

وقد أمر الله في آخر الآية بشكره على تصييره الصعيد طيبًا، وعلى نعمه.

قال الطبري: «وقوله: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6] . فإنّه يقول: ويريد ربّكم مع تطهيركم من ذنوبكم بطاعتكم إيّاه فيما فرض عليكم من الوضوء والغسل إذا قمتم إلى الصّلاة بالماء إن وجدتموه، وتيمّمكم إذا لم تجدوه، أن يتمّ نعمته عليكم بإباحته لكم التّيمّم، وتصييره لكم الصّعيد الطّيّب طهورًا، رخصةً منه لكم في ذلك مع سائر نعمه الّتي أنعم بها عليكم أيّها المؤمنون {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] .

يقول: تشكرون اللّه على نعمه الّتي أنعمها عليكم بطاعتكم إيّاه فيما أمركم ونهاكم» 16.

وجاء الأمر بأكل الطيب من الرزق.

أمر الله الرسل بذلك، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] .

وأمر الله المؤمنين بذلك، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 87 - 88] .

وقال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 69] .

إن الله ينادي الذين آمنوا بالصفة التي تربطهم به سبحانه، وتوحي إليهم أن يتلقوا منه الشرائع، وأن يأخذوا عنه الحلال والحرام، ويذكرهم بما رزقهم، فهو وحده الرازق، ويبيح لهم الطيبات مما رزقهم فيشعرهم أنه لم يمنع عنهم طيبًا من الطيبات، وأنه إذا حرم عليهم شيئًا فلأنه غير طيب، لا لأنه يريد أن يحرمهم، ويضيق عليهم -وهو الذي أفاض عليهم الرزق ابتداء- ويوجههم للشكر إن كانوا يريدون أن يعبدوه وحده بلا شريك، فيوحي إليهم بأن الشكر عبادة وطاعة يرضاها الله من العباد، كل أولئك في آية واحدة قليلة الكلمات 17.

يقول الرازي: «قوله: لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ اللّه لكم يحتمل وجوهًا:

أحدها: لا تعتقدوا تحريم ما أحلّ اللّه تعالى لكم.

وثانيها: لا تظهروا باللّسان تحريم ما أحلّه اللّه لكم.

وثالثها: لا تجتنبوا عنها اجتنابًا شبيه الاجتناب من المحرّمات، فهذه الوجوه الثّلاثة محمولةٌ على الاعتقاد والقول والعمل.

ورابعها: لا تحرّموا على غيركم بالفتوى.

وخامسها: لا تلتزموا تحريمها بنذرٍ أو يمينٍ، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1] .

وسادسها: أن يخلط المغصوب بالمملوك خلطًا لا يمكنه التّمييز، وحينئذٍ يحرم الكلّ، فذلك الخلط سببٌ لتحريم ما كان حلالًا له، وكذلك القول فيما إذا خلط النّجس بالطّاهر.

والآية محتملةٌ لكلّ هذه الوجوه، ولا يبعد حملها على الكلّ واللّه أعلم» 18.

وأمر الله بني إسرائيل بذلك، فقال تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57] .

وقال تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 160] .

وقال تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} [طه: 80 - 81] .

وأمر الله الناس جميعًا بذلك، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168] .

وقال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114] .

والمراد بالطّيّب هنا: ما تستطيبه النّفوس بالإدراك المستقيم السّليم من الشّذوذ، وهي النّفوس الّتي تشتهي الملائم الكامل أو الرّاجح بحيث لا يعود تناوله بضرٍّ جثمانيٍّ أو روحانيٍّ، وسيأتي معنى الطّيّب لغةً عند قوله تعالى: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4] .

وفي هذا الوصف معنًى عظيمٌ من الإيماء إلى قاعدة الحلال والحرام؛ فلذلك قال علماؤنا: «إنّ حكم الأشياء الّتي لم ينصّ الشّرع فيها بشيءٍ إن أصل المضارّ منها التّحريم، وأصل المنافع الحلّ، وهذا بالنّظر إلى ذات الشّيء، بقطع النّظر عن عوارضه، كتعلّق حقّ الغير به الموجب تحريمه؛ إذ التّحريم حينئذٍ حكمٌ للعارض لا للمعروض» 19.

كما جاء الأمر بإلقاء التحية الطيبة.

قال تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور: 61] .

يأمر سبحانه وتعالى إذا دخلتم بيوتًا، وهو عام يشمل بيت الإنسان وبيت غيره، سواء كان في البيت ساكن أم لا، فإذا دخلها الإنسان فليسلم بعضكم على بعض (وهذا هو المشهور في تفسيرها) ثم مدح هذا السلام، فقال: {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} أي: سلامكم بقولكم: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» أو «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» إذ تدخلون البيوت (تحية من عند الله) قد شرعها لكم، وجعلها تحيتكم (مباركة) لاشتمالها على السلامة من النقص، وحصول الرحمة والبركة والنماء والزيادة (طيبة) لأنها من الكلم الطيب المحبوب عند الله، الذي فيه طيب نفس للمحيا، ومحبة وجلب مودة 20.

ثانيًا: الثناء على الطيبين:

جاء الثناء من الله عز وجل في قرآنه على عباده الطيبين، فقال تعالى: {كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 31 - 32] .

يقول تعالى ذكره: كذلك يجزي الله المتقين الذين تقبض أرواحهم ملائكة الله، وهم طيبون بتطييب الله إياهم بنظافة الإيمان، وطهر الإسلام في حال حياتهم وحال مماتهم.

فالملائكة تقبض أرواح هؤلاء، وهي تقول لهم: سلام عليكم صيروا إلى الجنة، بشارة من الله تبشرهم بها الملائكة.

وفي معنى طيّبين ستة أقوال:

أحدها: مؤمنين.

والثاني: طاهرين من الشرك.

والثالث: زاكية أفعالهم وأقوالهم.

والرابع: أن تكون وفاتهم طيبة سهلة لا صعوبة فيها ولا ألم، بخلاف ما تقبض به روح الكافر والمخلط.

والخامس: طيبة أنفسهم بالموت، ثقة بالثواب.

والسادس: طيبة نفوسهم بالرجوع إلى الله.

والآية هنا تحتمل كل هذه المعاني 21.

هذا حال الطيبين عند مماتهم، أما عن حالهم في الآخرة فيقول سبحانه وتعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] .

وسيق الذين اتقوا ربهم بتوحيده، والعمل بطاعته، سوق إكرام وإعزاز، يحشرون وفدًا على النجائب إلى الجنة زمرًا، فرحين مستبشرين، كل زمرة مع الزمرة التي تناسب عملها وتشاكله، حتى إذا وصلوا لتلك الرحاب الرحيبة، والمنازل الأنيقة، وهبّ عليهم ريحها ونسيمها، وآن خلودها ونعيمها، وفتحت لهم أبوابها فتح إكرام، لكرام الخلق، ليكرموا فيها، وقال لهم خزنتها تهنئة لهم وترحيبًا: سلام عليكم من كل آفة وشر حال، طابت قلوبكم بمعرفة الله ومحبته وخشيته، وألسنتكم بذكره، وجوارحكم بطاعته، فبسبب طيبكم ادخلوها خالدين؛ لأنها الدار الطيبة، ولا يليق بها إلا الطيبون 22.

وفي قوله تعالى: {طِبْتُمْ} خمسة أقوال:

أحدها: أنهم إذا انتهوا إلى باب الجنة وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فلا يبقى في بطونهم أذى ولا قذى إلا خرج، ويغتسلون من الأخرى، فلا تغبر جلودهم، ولا تشعث أشعارهم أبدًا، حتى إذا انتهوا إلى باب الجنة، قال لهم عند ذلك خزنتها: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ} رواه عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه 23.

والثاني: طاب لكم المقام، قاله ابن عباس.

والثالث: طبتم بطاعة الله، قاله مجاهد.

والرابع: أنهم طيبوا قبل دخول الجنة بالمغفرة، واقتص من بعضهم لبعض، فلما هذبوا قالت لهم الخزنة: طبتم، قاله قتادة.

والخامس: كنتم طيبين في الدنيا، قاله الزجاج.

وفي هذه الآية أيضًا كل هذه المعاني محتملة 24.

ثالثًا: امتنان الله على عباده بالطيبات:

امتن الله عز وجل على عباده في القرآن أن رزقهم بالطيبات، وأحلها لهم:

امتن الله على الناس جميعًا بذلك.

قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [النحل: 72] .

وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .

يقول الرازي: «قوله: {وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} وذلك؛ لأنّ الأغذية، إمّا حيوانيّةٌ، وإمّا نباتيّةٌ، وكلا القسمين إنّما يتغذّى الإنسان منه بألطف أنواعها، وأشرف أقسامها بعد التّنقية التّامّة، والطّبخ الكامل، والنّضج البالغ؛ وذلك ممّا لا يحصل إلّا للإنسان» 25.

وقال ابن كثير: «أي: من زروعٍ وثمارٍ، ولحومٍ وألبانٍ، من سائر أنواع الطّعوم والألوان، المشتهاة اللّذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس الرّفيعة من سائر الأنواع، على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها، ممّا يصنعونه لأنفسهم، ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنّواحي» 26.

وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 64] .

وامتن الله عز وجل على بني إسرائيل.

قال تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 93] .

وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الجاثية: 16] .

قال الطاهر: «وأمّا رزقهم من الطّيّبات فبأن يسّر لهم امتلاك بلاد الشّام الّتي تفيض لبنًا وعسلًا كما في التّوراة في وعد إبراهيم والّتي تجبى إليها ثمرات الأرضين المجاورة لها، وترد عليها سلع الأمم المقابلة لها على سواحل البحر، فتزخر مراسيها بمختلف الطّعام واللّباس والفواكه والثّمار والزّخارف؛ وذلك بحسن موقع البلاد من بين المشرق برًّا والمغرب بحرًا، والطّيّبات: هي الّتي تطيب عند النّاس، وتحسن طعمًا ومنظرًا ونفعًا وزينةً» 27.

قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] .

وفي الطيبات أربعة أقوال:

أحدها: أنها الحلال، والمعنى: يحل لهم الحلال.

والثاني: أنها ما كانت العرب تستطيبه.

والثالث: أنها الشحوم المحرمة على بني إسرائيل.

والرابع: ما كانت العرب تحرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام 28.

يقول الإمام ابن القيم: « {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} فهذا صريح في أن الحلال كان طيبًا قبل حله، وأن الخبيث كان خبيثًا قبل تحريمه، ولم يستفد طيب هذا وخبث هذا من نفس التحليل والتحريم لوجهين اثنين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت