تجلب الرزق: حيث إن المحافظة على الصلاة من أعظم الأسباب لتحصيل الرزق، قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] .
يخاطب الله سبحانه وتعالى محمدًا طالبًا منه أن يأمر قومه بالمداومة على الصلاة، وأن يوجّه أهله بتأدية الصلاة في أوقاتها، فإن أول واجبات المسلم أن يحوّل بيته إلى بيتٍ مسلم، ونحن لا نكلّفك رزق أحد، بل نطلب عملًا نؤتيك عليه أجرًا عظيمًا 33.
فهذا الارتباط في الآية بين الصلاة والرزق لدليل على أن إقامة الصلاة، وأمر الأهل بها، باب عظيم من أبواب الرزق.
وقال تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] .
فلولا صلاة مريم في المحراب ومداومتها على الصلاة، لما نالت هذا الرزق الذي دهش له نبي الله زكريا عليه السلام 34.
3.تكفير السيئات ودخول الجنات.
قال تعالى: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [المائدة: 12] .
لما أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل، أمرهم بإقامة الصلاة، فبيّن لهم ثواب تلك العبادة، بأنها سبب لتكفير السيئات ودخول الجنة، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما لم تغش الكبائر) 35.
تحصيل الرحمة: قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56] .
يأمر الله سبحانه وتعالى عباده بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وبطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ كي يرحمهم وينجيهم من عذابه يوم القيامة، فالصلاة سبب لتحصيل الرحمة من الله سبحانه و تعالى 36.
وللصلاة دور كبير في استقامة الإنسان في الدنيا والآخرة، فهي ترشد إلي الخير، وتساعد على ترك الرذيلة والفاحشة، كما أنها سبب للظفر بثواب الله ودخول جنته، والصلاة بما اشتملت عليه من أقوال وأفعال تعوّد الإنسان أن يقرن العلم بالعمل، كما يظهر ذلك في ركوعه وسجوده، كما أن فيها تعويدًا على الإخلاص في العمل، وعلى النظام في الحياة بما فيها من ضبط للأوقات، وتنسيق لأداء أركانها، كما أن فيها تعويدًا على النظافة بما يشترط لها من طهارة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: (أرأيتم لو أنّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كلّ يومٍ خمس مرّاتٍ هل يبقى من درنه شيء؟) ، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: (فذلك مثل الصّلوات الخمس يمحو اللّه بهنّ الخطايا) 37.
وقد ذمّ الله المتخلفين عنها، وتوعّدهم بالوعيد الشديد، قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4 - 5] .
أي: مضيّعون لها، تاركون لوقتها، مفوّتون لأركانها وهم المنافقون؛ وهذا لعدم اهتمامهم بأمر الله حيث ضيعوا الصلاة، التي هي أهم الطاعات وأفضل القربات، والسهو عن الصلاة، هو الذي يستحق صاحبه الذم واللوم، وأما السهو في الصلاة، فهذا يقع من كل أحد، حتى من النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا وصف الله هؤلاء بالرياء والقسوة وعدم الرحمة 38.
الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام، وفريضة من فرائضه؛ لذلك نجد القرآن الكريم حثّ على فعلها، وأدائها في كثير من الآيات، وهي قرينة الصلاة في مواضع كثيرة من كتاب الله، حيث قرنت الزكاة بالصلاة في اثنتين وثمانين آية، وفي ذلك دلالة على مكانتها عند الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] .
وقوله تعالى: {وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} [البينة: 5] .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والحجّ، وصوم رمضان) 39، وقد رغّب الله سبحانه وتعالى في أداء الزكاة، فقال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103] .
«يقول سبحانه مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن قام مقامه، آمرًا له بما يطهّر المؤمنين، ويتمّم إيمانهم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وهي الزكاة المفروضة، {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} أي: تطهّرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة» 40.
فقد شرع الله الزكاة تطهيرًا لنفوس البشرية من الشح والبخل والطمع، ومواساة للفقراء والمساكين والمحتاجين، وتطهيرًا للمال وتنميته، وإحلال البركة فيه، ووقايته من الآفات والفساد، وإقامة المصالح العامة التي تتوقف عليها حياة الأمة وسعادتها.
ولأهمية الزكاة ومكانتها عند الله سبحانه وتعالى، فقد جعلها إحدى الصفات التي يتميّز بها المؤمنون، عن المنافقين الذين وصفهم الله بقوله: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] .
يقول الطبري في تفسيره: «ويمسكون أيديهم عن النفقة في سبيل الله، ويكفّونها عن الصدقة، فيمنعون الذين فرض الله لهم في أموالهم ما فرض من الزكاة حقوقهم» 41.
فهؤلاء المنافقون يقبضون أيديهم حرصًا على المال وشحًّا، فاستحقوا نسيان الله لهم، أما أولئك المؤمنون فيبسطون أيديهم بذلًا وإيمانًا، فاستحقوا أن يرحمهم الله، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتال من يمتنع عن دفع الزكاة، ويرفض أدائها، فعن ابن عمر رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدًا رسول الله، ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزّكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّ الإسلام، وحسابهم على الله) 42.
وقد وصى الرسول صلى الله عليه وسلم معاذًا حينما بعثه إلى اليمن أن يأمر أهلها بالزكاة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنّك تأتى قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّي رسول اللّه، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ اللّه افترض عليهم خمس صلواتٍ في كلّ يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ اللّه افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم) 43.
وقد رغّب الله في الزكاة حيث إيتاء الزكاة ثمرة من ثمرات التمكين، فقال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41] .
وقد بيّن الله سبحانه وتعالى في سورة الذاريات أن من صفات الأبرار الإحسان، وأن مظهر إحسانهم يتجلى في القيام من الليل، والاستغفار في السّحر، كما يتجلى في إعطاء الفقير حقه؛ رحمةً وحنوًّا عليه.
قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 15 - 19] .
حيث بيّنت هذه الآيات صفات المتقين الذين يستحقون دخول الجنة، بأنهم جعلوا في أموالهم جزءًا معيّنًا خصّصوه للسّائل المحتاج، الذي وضّحه الرسول صلى الله عليه وسلم في وصف المسكين في الحديث الذي رواه أبو هريرة، أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: (ليس المسكين بهذا الطّوّاف الّذي يطوف على النّاس، فتردّه اللّقمة واللّقمتان، والتّمرة والتّمرتان، قالوا: فما المسكين؟ يا رسول الله، قال: الّذي لا يجد غنًى يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدّق عليه، ولا يسأل النّاس شيئًا) 44.
ويتمثل ترغيب القرآن في الزكاة بما يأتي:
الزكاة تطهر صاحبها من الشّح وتحرّره من عبوديّة المال، وهذان مرضان من أخطر الأمراض النّفسية التي ينحطّ معها الإنسان ويشقى؛ ولذلك قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .
يقول أبو السعود في تفسيره: « {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ} الشّح بالضمّ والكسر، وقد قرئ به أيضًا: اللؤم، وإضافته إلى النفس لأنّه غريزةٌ فيها، مقتضيةٌ للحرص على المنع الذي هو البخل، أي: ومن يوق بتوفيق الله تعالى شحّها حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حبّ المال وبغض الإنفاق {فَأُولَئِكَ} إشارةٌ إلى {وَمَنْ} باعتبار معناها العامّ المنتظم للمذكورين انتظامًا أوليًّا {هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الفائزون بكل مطلوب الناجون عن كل مكروهٍ» 45.
1.الزّكاة تدريبٌ على الإنفاق في سبيل الله، قال تعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج: 24 - 25] .
2.قد ذكر الله تعالى الإنفاق في سبيل الله على أنّه صفةٌ ملازمة للمتّقين في سرّائهم وضرّائهم، في سرّهم وعلنهم، وجعلها من أهمّ صفاتهم على الإطلاق، وقد قرنها بالإيمان بالغيب والاستغفار بالأسحار، والصّبر والصدق، والقنوت، ولا يستطيع الإنسان الوصول إلى الإنفاق الواسع في سبيل الله، إلا بعد أن يعتاد على أداء الزكاة، وهي الحدّ الأدنى الواجب إنفاقه.
3.الزّكاة شكرٌ لنعمة الله، وعلاجٌ للقلب من حبّ الدنيا، وتزكية للنفس، قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ [التوبة: 103] .
4.كما أنّها تزكية للمال نفسه ونماءٌ له 46، قال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ? وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: 39] .
5.الزكاة تقرّب الفوارق بين طبقات الناس: حيث إنّ الإسلام يقر التفاوت في الأرزاق؛ لأنّه نتيجة للتّفاوت في المواهب والطّاقات، ولكنه يرفض أن يصير الناس طبقتين، إحداهما: تعيش في النعيم، والأخرى: في الجحيم، ويحرص على أن يشارك الفقراء الأغنياء في النعيم، كما يحرص على أن يملّكهم ما يسدّ حاجاتهم، والزّكاة إحدى الوسائل التي يستعملها الإسلام لبلوغ هذه الغاية، لذلك جعلها لأصناف معينة من الناس، كما قال سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ? فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 60] .
6.للزكاة دور كبير في القضاء على ظاهرة التّسوّل، وفي التّشجيع على إصلاح ذات البين، ولو اضطر المصلحون إلى تحمل أعباء مالية، يمكن أن تؤدى من الزكاة.
7.الزكاة تنجي العبد من الاتصاف بخصال المنافقين، وهي سبب لسعة الرزق، لا كما يعتقد أصحاب القلوب المريضة، قال تعالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ? يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ? نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ? إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة: 67] .
8.الزكاة سبب لمعية الله عز و جل، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ?128? [النحل: 128] .
الصيام عبادة من أعظم العبادات، وفريضة من أوجب الفرائض، بل ركن من أركان الإسلام، وقربة من أشرف القربات، وطاعة مباركة، لها آثارها العظيمة والكثيرة العاجلة والآجلة، فالنصوص في فضل الصيام كثيرة، وكلها تحثّ عليه وترغّب فيه، وتبيّن ما للصائم من الثواب عند الله يوم القيامة، فمن ثمرات الصيام ما يأتي:
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة: 183] .
يخبر تعالى بما منّ به على عباده؛ حيث فرض عليهم الصيام، كما فرضه على الأمم السابقة؛ لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق، و فيه تنشيط لهذه الأمة، بأن تنافس غيرها في تكميل الأعمال، والمسارعة إلى فعل الخيرات 47.
جمال الفاصلة في قوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ جملة تعليلة جيء بها لبيان حكمة مشروعية الصيام، فكأنه سبحانه وتعالى يقول لعباده المؤمنين: فرضنا عليكم الصيام كما فرضناه على الذين من قبلكم، لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة التقوى والخشية من الله، وبذلك تكونون ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه» 48.
فالتقوى تتألف من عنصرين:
الأول: عنصر إيجابي، وهو القيام بما أمر الله سبحانه وتعالى به من فروض وواجبات، في القول، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي كان مع الإيمان مناط خيرية الأمة، قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ? [آل عمران: 110] .
وكذلك بما أمر الله سبحانه و تعالى في الفعل، كالصلاة والصيام والحج وغيرها من العبادات.
والثاني: وهو الانتهاء عما نهى الله سبحانه وتعالى، كالغيبة والنميمة والغش ونحوهما. فإذا تحقق التقوى بالصوم، فقد تحققت القيم الروحية التي أحبها الله سبحانه وتعالى، وأراد أن يغرسها في قلب المؤمن 49.
قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ? أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ? فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186] .
قال تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ?35? [الأحزاب: 35] .
لما روى الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربّ؛ منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان) 50.
كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه) 51.
وهذا من الفرح المحمود؛ لأنه فرح بفضل الله ورحمته، ولعل فرحه بفطره لأن الله منّ عليه بالهداية إلى الصيام، والإعانة عليه حتى أكمله، وبما أحله الله له من الطيبات، ويفرح عند لقاء ربه حين يلقى الله راضيًا عنه، ويجد جزاءه عنده كاملًا موفرًا 52.
شرع الصوم ليحصل الإنسان على التقوى، باعتبارها تركيزًا للإرادة في كلّ كيانه وحفظًا للاستقامة بعيدًا عن خط الانحراف، فالصوم يخلق ضميرًا داخليًّا، يؤدي دور الرقيب الدائم والحسيب المسيطر، وبهذه الرقابة الداخلية تتأكد صفة الإنسان المسلم في كلّ الأحوال والأوقات، فيكون مسلمًا حقيقيًّا، يسلم الناس من لسانه ويده، ويجدون فيه ومنه كلّ ما يدلّ على معاني الإسلام؛ المعاني التي تتحقق من عبادة الصوم، فبالصيام تحفظ النفس البشرية من الوقوع في المعاصي، وفيه تنقية لقلب المؤمن من الأحقاد والشرور، وشهر الصيام يذكّرنا بالفقراء والمساكين، بل ويعود المسلم على البذل والعطاء من تقديم الصدقات للفقراء والمحتاجين، وهو أيضًا حمية للبدن، وصحة الجسد، ويمثّل صوم رمضان دورةً تدريبية للمسلم، تتولى تهيئة الإنسان لأن يكون قادرًا على أداء الصوم الكبير، حيث تتصلّب إرادته فيقوى على ترك المحرمات في كل زمان ومكان، وليس في نهار رمضان فقط، فيكون بذلك إنسانًا مالكًا لكلّ إرادته في طاعة الله وترك معاصيه، ومعايشًا لثمرة التقوى في حياته كلها.
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، تجتمع فيه كل شعائر العبادات، ففيه يعلن الناس الشهادة بالوحدانية لله سبحانه و تعالى.
وفيه تؤدى الصلاة طوعًا لله ورجاء.
وفيه ينفق الناس المال على حبه ابتغاء مرضات الله.
وفيه يجاهد الناس بالمال والنفس، وبكل نفيس في سبيل الفوز بالجنة التي وعد الله بها عباده المؤمنين.
وقد رغّب القرآن الكريم في هذه العبادة؛ لأنها تحقق أهدافًا وغايات عظيمة، ونذكر منها على سبيل المثال ما يأتي:
فرض الحج في العمر مرة على كل مسلم ومسلمة لمن استطاع ذلك، ومن ينكر فرضية الحج فقد كفر، وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ? [البقرة: 196] .
وقوله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? [آل عمران: 97] .
«يعني: أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه، والخروج عن عهدته لمن استطاع إلى ذلك سبيلًا» 53.
ولقد بيّن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضية الحج، فعن أبي هريرة قال: خطب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم النّاس فقال: (إنّ اللّه عز و جل قد فرض عليكم الحجّ، فقال: رجلٌ في كلّ عامٍ؟ فسكت عنه حتّى أعاده ثلاثًا، فقال: لو قلت: نعم، لوجبت، ولما قمتم بها، ذروني ما تركتكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بالشّيء فخذوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه) 54.
فنجد أن الحجاج يؤدون المناسك مثل: الطواف، والوقوف بعرفة، والسعي، والحلق والتقصير، والهدى، وغير ذلك من النسك دون نقاش أو جدل، بل طاعة وامتثالًا واستسلامًا لأمر الله سبحانه وتعالى، وفي هذا تعويد للنفس البشرية على طاعة الله والاتحاد على دعوته، ولقد وعد الله سبحانه وتعالى أصحاب هذه النفوس المطيعة والمستسلمة له بالمغفرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: (من حجّ للّه فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمّه) 55.
من منافع الحج الروحية التزود بالتقوى، ولقد بيّن الله سبحانه وتعالى ذلك بقوله: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَ?كِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى? مِنْكُمْ [الحج: 37] .
وقوله جل شأنه: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى? ? وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة: 197] .
وقال أيضًا: ذَ?لِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ?32? [الحج: 32] .
ولقد ورد في تفسير هذه الآيات أن من أهم مقاصد أداء مناسك الحج هو «استشعار التقوى والتزود منها» ، فقد ورد في ظلال القرآن في هذا الشأن: «والتقوى زاد القلوب والأرواح، منه تقتات، وبها تروى وتشرق، وعليها تستند في الوصول والنجاة، وأولوا الألباب هم أول من يدرك التوجيه إلى التقوى وخير من ينتفع بهذا الزاد» 56، فالحج مناسبة طيبة ومباركة لتزويد القلوب بالتقوى، وهو خير الزاد يتزود به المسلم.
قال تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى? كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ?27?لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج: 27 - 28] .
يقول ابن كثير: «أن للناس في الحج منافع في الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات» 57.
الحج مدرسة لتربية النفس والسمو بها إلى العلا، فيها يتعلم المسلم كيف يعيش في عبادة خالصة لله سبحانه وتعالى، وأن يكبح جماح الشهوات واللذات، فيها يعوّد الإنسان نفسه على التضحية والجهاد والالتزام بالطريق السوي، وفيها يربّي الإنسان نفسه على حب الله ورسوله والولاء للإسلام كمنهج حياة، فيها يقتدي الإنسان برسول الله وبأصحابه والمجاهدين، الذين جاهدوا في الله حق جهاده حتى أتاهم اليقين، وتركوا لنا راية الإسلام مرفوعة في ربوع العالم، إن من يتعلم في هذه المدرسة، ويحرص على الاستفادة بما فيها من دروس تربوية؛ يكون جزاؤه الجنة، وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحج من أفضل الأعمال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (سئل النّبيّ صلى الله عليه وسلم أيّ الأعمال أفضل؟ قال: إيمانٌ بالله ورسوله، قيل: ثمّ ماذا؟ قال: جهادٌ في سبيل الله، قيل: ثمّ ماذا؟ قال: حجٌّ مبرورٌ) 58.
فللحج دور كبير في استقامة الإنسان على الطاعة والطريق المستقيم، وهو فترة تدريب عملي على الكف عن الخطايا والآثام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمّه) 59.
ولهذا كان الترغيب في هذه العبادات لما لها من أجر عظيم يناله العبد عند الله تعالى، ولما لها من أثر على سلوكه مع نفسه وأهله ومجتمعه، فلله الحمد والمنة، أن هدانا للعمل بهذا الدين ورغبنا فيه.