أولًا: المعنى اللغوي:
الأنصار: جمع ناصر، كصاحب وأصحاب، كما تجمع ناصر على ناصرين ونصار، اسم فاعل من نصر.
أو جمع نصير، كشريف وأشراف، (ناصر أو نصير) وكلاهما صواب، والنصير: فعيل، بمعنى فاعل أو مفعول؛ لأن كل واحد من المتناصرين ناصر ومنصور.
ونصير: صيغة مبالغة من ناصر، ومعناه: المساعد، والمعين، والمناصر، والمؤيد.
يقال: نصره على عدوه ينصره نصرًا، واستنصره على عدوه: سأله أن ينصره عليهم، وتناصر القوم: إذا نصر بعضهم بعضًا، وانتصر منه: انتقم 1.
ولفظ الأنصار يأتي بمعنى: الأعوان المناصرين والمؤازرين والأتباع والحلفاء، وأهل الاتباع والتصديق.
وهذا اللفظ (الأنصار) بهذا المعنى اللغوي يمكن إطلاقه لغةً على كل من اتصف بهذا الوصف.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
وفي المعنى الاصطلاحي الأمر ليس ببعيد عن المعنى اللغوي، فأنصار الرجل هم حلفاؤه وأتباعه ومؤيدوه في النزاعات، ومعاونوه على أمره.
ومن هنا جاء تعريف الأنصار في الاصطلاح الشرعي بأنهم الأوس، والخزرج من الأزد: سماهم الله عز و جل بذلك لما نصروا رسوله، وآووه، وكانوا له نعم الحلفاء والأتباع 2.
فالأنصار اصطلاحًا: يطلق على من أسلم من أهل المدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من الأوس، والخزرج، ومزينة، وسليم، وجهينة، وغفار، وأسلم، فكل هؤلاء يسمون الأنصار، وهو اسم سماه الله تعالى لكل من ناصر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم وآواه في المدينة 3، وأولادهم يدخلونه بالنسب؛ فيقال: الأنصاري للواحد منهم ومن أبنائهم.
وردت مادة (نصر) في القرآن (155) مرة، يخص موضوع البحث منها (11) مرة 4.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الجمع ... 11 ... {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) } [البقرة:270]
وجاءت كلمة (الأنصار) في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: الأعوان 5.
الصحابة:
الصحابة لغة:
الصحابة بالفتح: جمع صاحب، ولم يجمع فاعل على فعالة إلا هذا 6.
الصحابة اصطلاحًا:
هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردةٌ في الأصح 7.
الصلة بين الأنصار والصحابة:
عند الحديث عن الفرق بين لفظة الأنصار ولفظة الصحابة وكذلك الألفاظ الثلاثة التالية يكون المقصود منه الاصطلاح الشرعي، فيكون لفظ الأنصار أخص من لفظ الصحابة، إذ الصحابة منهم المهاجرون والأنصار والطلقاء، ومن دخل في دين النبي صلى الله عليه وسلم من القبائل بعد الفتح.
المهاجرون:
المهاجرون لغة:
جمع مهاجر، والمهاجر هو كل من فارق رباعه من بدوي أو حضري وسكن بلدًا آخر 8.
ا لمهاجرون اصطلاحًا:
هم الذين صلوا إلى القبلتين، أو شهدوا بدرًا، أو أسلموا قبل الهجرة 9.
الصلة بين الأنصار والمهاجرين:
الأنصار هم أهل المدينة الذين آووا النبي صلى الله عليه وسلم ومن هاجر إليهم من أهل الإسلام من مكة، والمهاجرون هم الذين قدموا المدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو هاجروا إليه منها بعد ذلك، وقبل انتهاء أجل الهجرة.
الطلقاء:
الطلقاء لغة:
أطلقت الأسير، وهو طليق، وهو من الطلقاء. وأطلقت الناقة من عقالها فطلقت 10.
الطلقاء اصطلاحًا:
هم أهل مكة الذين أسلموا بعد فتحها.
الصلة بين الأنصار والطلقاء:
الأنصار من أهل المدينة وإسلامهم متقدم على إسلام الطلقاء، أما الطلقاء فهم أهل مكة وإسلامهم كان بعد فتح مكة.
التابعون:
التابعون لغة:
جمع تابع، وهو التالي، ومنه التتبع والمتابعة، والإتباع، والتتبع، تقول: تتبعت علمه، أي: اتبعت آثاره 11.
التابعون اصطلاحًا:
من لقي الصحابي، وإن لم تطل صحبته 12.
الصلة بين الأنصار والتابعين:
الأنصار صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ورأوه وهم من قرن النبي صلى الله عليه وسلم، بينما التابعون هم من صحبوا الصحابة بعد موت النبي، أو قبل ذلك ولم يحصل لهم شرف الصحبة.
تحدث القرآن الكريم عن صفات الأنصار وأعمالهم، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:
أولًا: أبرز صفات الأنصار:
اصطفى الله سبحانه لهذا الدين رجالًا، كان لهم الحظ الأوفر، والشرف العظيم في نصرة الدين والنبي صلى الله عليه وسلم وإيوائه بعد أن خذله الناس، ألا وهم الأنصار، فهم من آوى الرسول ونصر، وكبت المشركين وقهر؛ ولهذا فحبهم ثابت في قلب كل مسلم، وبغضهم متقد في قلب كل منافق.
وقد شهد الكتاب العزيز بفضلهم، وبرضوان الله عليهم؛ لما قدموا من خدمة لهذا الدين، فخلد الله مديحهم ورضوانه عليهم في كتابه.
ولو تأملنا في صفات الأنصار في القرآن الكريم، وأمعنا النظر لوجدنا فضائلهم جمة، ومناقبهم عظيمة، بلغوا فيها غاية الكمال، ونالوا بها رضا ربهم الكريم المنان، فهو تارة يصفهم بالسابقين الأولين، وتارة بالإيواء والنصرة والإيمان، وتارة يصفهم بالفلاح، وتارة يثني على جهادهم وصبرهم وإيثارهم، وتارة يخبر بالرضا والتوبة عنهم.
وقد أشار إلى بعض أفعالهم وصفاتهم، ومنها: تبوءهم المدينة، وحبهم للمهاجرين، وإيثارهم إياهم، وسلامة صدورهم، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .
وأشار إليهم في قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89] .
فقوله: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «وقوله: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ} يعني: أهل مكة، قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد، وقوله: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا} أي: إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم، ومليين وكتابيين، فقد وكلنا بها قومًا آخرين، أي: المهاجرين والأنصار، وأتباعهم إلى يوم القيامة» 13.
وكذا قال البغوي: «أن المراد بقوله: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} يعني: الأنصار وأهل المدينة» 14. وقال القرطبي: « {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا} جواب الشرط، أي: وكلنا بالإيمان بها {قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} يريد الأنصار من أهل المدينة، والمهاجرين من أهل مكة» 15.
وقال الطبري بعد أن ذكر عدة أقوال في المراد بقوله: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} : «وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: عنى بقوله: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ} كفار قريش {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} يعني به: الأنبياء الثمانية عشر الذين سماهم الله تعالى ذكره في الآيات قبل هذه الآية، وذلك أن الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى، وفي التي بعدها عنهم ذكر، فما بينها بأن يكون خبرًا عنهم، أولى وأحق من أن يكون خبرًا عن غيرهم» 16. وعلى كل حال لا يوجد ما يمنع من دخول الأنصار في المراد من الآية، والله أعلم.
وأشير إليهم أيضًا في قوله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62] .
أي: قواك بنصره، يريد: يوم بدر، وبالمؤمنين، قال النعمان بن بشير: نزلت في الأنصار {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الأنفال: 63] .
أي: جمع بين قلوب الأوس والخزرج، وكانت تألف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم، ومعجزاته؛ لأن أحدهم كان يلطم اللطمة فيقاتل عليها حتى يستقيدها، وكانوا أشد خلق الله حمية، فألف الله بالإيمان بينهم، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين، وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، والمعنى متقارب 17.
ونزل فيهم قوله -جل وعلا-: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122] .
فعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية فينا: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} وقال سفيان مرةً: وما يسرني أنها لم تنزل؛ لقول الله: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} 18.
«وقال الحسن البصري: هما طائفتان من الأنصار همتا بذلك، فعصمهما الله، وقيل: لما رجع عبد الله ابن أبي في أصحابه يوم أحد همت الطائفتان باتباعه، فعصمهما الله» 19.
والمقصود أن الله تبارك وتعالى بين في هذه الآيات فضائل الأنصار التي بَيَنَها القرآن الكريم، فقد نص على مجموعة من صفاتهم الحميدة، ومنها:
وصف الله الأنصار في القرآن الكريم بالسبق، فقال: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 100] .
هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة» 20.
وبين ابن العربي رحمه الله الأمور التي يكون فيها السبق، فقال: «السبق يكون بثلاثة أشياء: الصفة، وهو الإيمان، والزمان، والمكان، وأفضل هذه الوجوه سبق الصفات، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: (نحن الآخرون الأولون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فاليهود غدًا، والنصارى بعد غد) 21» 22.
وقال الرازي: «اختلفوا في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار من هم؟ وذكروا وجوهًا. . .» ، ثم قال: «والصحيح عندي أنهم السابقون في الهجرة وفي النصرة، والذي يدل عليه أنه ذكر كونهم سابقين، ولم يبين أنهم سابقون في ماذا؟ فبقي اللفظ مجملًا، إلا أنه وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصارًا، فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما به صاروا مهاجرين وأنصارًا، وهو الهجرة والنصرة، فوجب أن يكون المراد منه السابقون الأولون في الهجرة والنصرة؛ إزالة للإجمال عن اللفظ ... ثم قال: و أيضًا فالسبق إلى الهجرة طاعة عظيمة من حيث إن الهجرة فعل شاق على النفس، ومخالف للطبع، فمن أقدم عليه أولًا صار قدوة لغيره من هذه الطاعة، وكان ذلك مقويًا لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام، وسببًا لزوال الوحشة عن خاطره، وكذلك السبق في النصرة، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة، فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة، فازوا بمنصب عظيم» 23.
وما ذكر قبل من الأقوال هو من باب التمثيل، فيكون هذا من باب اختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد؛ ولهذا قال الشوكاني رحمه الله: «ولا مانع من حمل الآية على هذه الأصناف كلها» 24.
أخبر سبحانه أنه رضي عن (المهاجرين) والأنصار وعن أفعالهم، ورضوا عنه سبحانه؛ لما أجزل لهم من الثواب على طاعاتهم وإيمانهم به ويقينهم، فقال تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100] .
فقوله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} يعم الكل، قال الزجاج: رضي الله أفعالهم، ورضوا ما جازاهم به 25 فحين ذكر سبحانه وتعالى الجزاء الذي أعده لهؤلاء، وحين كانت نفوسهم زاكية راقية؛ قابلوا الجزاء بالشكر، والتزود من الطاعة، فذكر سبحانه أنهم: {وَرَضُوا عَنْهُ} وهذا أرقى المراتب التي يسعى إليها المؤمنون، ويتنافس فيها المتنافسون، أن يرضى الله تعالى عنهم، ويرضيهم، يقول الطبري: «رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه، وإيمانهم به وبنبيه عليه السلام» 26.
ففي هذه الآية إخبار بأن الله رضي عنهم ورضوا عنه، وفي هذا دليل على عدالتهم، ووجه الدلالة: أن الله تعالى أخبر فيها برضاه عنهم، ولا يثبت الله رضاه إلا لمن كان أهلًا للرضا، ولا توجد الأهلية لذلك إلا لمن كان من أهل الاستقامة في أموره كلها، عدلًا في دينه.
يقول ابن كثير رحمه الله: «يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم» 27.
ويقول أيضًا: «فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم» 28.
وقال تعالى في جزاء هؤلاء السابقين: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ} [التوبة: 100] .
أي: وأعد لهم في الآخرة جنات تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار، {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} أي: مقيمين فيها من غير انتهاء، {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي: ذلك هو الفوز الذي لا فوز وراءه.
قال في البحر: لما بين تعالى فضائل الأعراب المؤمنين بين حال هؤلاء السابقين، ولكن شتان ما بين الثناءين، فهناك قال: {أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ} [التوبة: 99] .
وهنا قال: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ} وهناك ختم {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 99] .
وهنا ختم: {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100] 29.
وهذا الرضوان للأنصار، وما أعد لهم من الجنات والنعيم، هو جزاء ما قدموه لهذا الدين، وما تركوا من دورهم وأهليهم، وجزاء ما أعطوه للمهاجرين من أموالهم؛ لأن الهجرة أمر شاق على النفس، لمفارقة الأهل والعشيرة، والنصرة منقبة شريفة؛ لأنها إعلاء كلمة الله، ونصر رسوله وأصحابه، والإحسان من أحوال المقربين أو مقاماتهم.
وفي هذه الآية {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} [التوبة: 100] فوائد:
الأولى: في الآية دليل على أن للصحابة مراتب، وأن الفضل للسابق إلى الإسلام والهجرة، وأن السابقين من الصحابة أفضل ممن تلاهم.
الثانية: قيل: المراد بالسابقين الأولين جميع المهاجرين والأنصار، فـ (من) بيانية؛ لتقدمهم على من عداهم، وقيل: بعضهم، وهم قدماء الصحابة و (من) تبعيضية، وقد اختار كثيرون الثاني، واختلفوا في تعيينهم.
الثالثة: تقديم المهاجرين؛ لفضلهم على الأنصار، كما ذكر في قصة السقيفة، ومنه علم فضل أبي بكر رضي الله عنه على من عداه؛ لأنه أول من هاجر معه صلى الله عليه وسلم 30.
الرابعة: وفيها دليل على تنزيل الناس منازلهم.
الخامسة: وفيها دليل على أن أفضلية العمل على قدر رجوع منفعته إلى الإسلام والمسلمين.
السادسة: رضا الله عن السابقين من المهاجرين والأنصار، والمعنى: أنه رضي عنهم بما عملوه من الطاعات الخالصة له، ورضوا عنه بما جازاهم به مما لا يخطر لهم على بال، ولا تتصوره عقولهم، والرضا منه سبحانه هو أرفع درجات النعيم، وأعلى منازل الكرامة.
قد شهد الله تعالى لهم بذلك في قوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} [الحشر: 9] .
فمن جملة أوصاف الأنصار الجميلة أنهم: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} [الحشر: 9] .
وهذا لمحبتهم لله ولرسوله أحبوا أحبابه، وأحبوا من نصر دينه، وهذه المحبة هي آصرة أقوى من آصرة النسب، وأقوى من رابطة الدم؛ لأنها تجمع على الإيمان بالله واليوم الآخر؛ ولأنها تستل كل الأحقاد والضغائن من الصدور؛ ولأنها تجعل من محبة الفرد لأخيه المسلم طاعة يتقرب بها، وينال بها الأجر والثواب من الله عز وجل، ويحصل بها على المنازل الرفيعة في الآخرة.
وأن هذه الرابطة أقوى من رابطة الدم واللغة والمصالح الاقتصادية، والعلاقات المتبادلة، يقول سيد قطب في الكلام على هذه الآية: «وهذه كذلك صورة وضيئة صادقة تبرز أهم الملامح المميزة للأنصار، هذه المجموعة التي تفردت بصفات، وبلغت إلى آفاق، لولا أنها وقعت بالفعل، لحسبها الناس أحلامًا طائرة، ورؤًى مجنحة، ومثلًا عليا قد صاغها خيال محلق. . .، ولم يعرف تاريخ البشرية كله حادثًا جماعيًا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء، حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة؛ لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين» 31.
وفي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ} الواو استئنافية و {وَالَّذِينَ} مبتدأ، وخبره {يُحِبُّونَ} والجملة مستأنفة.
وقوله: {يُحِبُّونَ} [الحشر: 9] .
خبر عن اسم الموصول {وَالَّذِينَ} والمعنى: يحبونهم من حيث مهاجرتهم إليهم لمحبتهم الإيمان؛ قال ابن كثير: «أي: من كرمهم وشرف أنفسهم يحبون المهاجرين، ويواسونهم بأموالهم» 32.
وقوله: {مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} أي: إلى المدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه حال الأنصار، فقلوبهم مملوءة بالحب للمهاجرين، ولا يحملون في صدورهم شيئًا على إخوانهم المهاجرين؛ لكونهم فضلوا عليهم ببعض الفضائل.
قال القاسمي: وقوله: {يُحِبُّونَ} أي: لوجود الجنسية -أي المجانسة- في الصفاء، والموافقة في الدين والإخاء، قال الشهاب: المراد بمحبتهم المهاجرين هنا مواساتهم، وعدم الاستثقال والتبرم منهم، إذا احتاجوا إليهم، فالمحبة كناية عما ذكر 33.
ويقول العيني: «في قوله: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} [الحشر: 9] ، أي: من المسلمين، حتى بلغ من محبتهم أن نزلوا لهم عن نسائهم، وشاطروهم أموالهم ومساكنهم» 34.
وفي مقابل هذا الحب منهم أحبهم المهاجرون، وأحبهم الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى قال للأنصار: (والذي نفسي بيده إنكم أحب الناس إلي) 35 مرتين.
بل جعل الرسول حبهم من دلائل الإيمان، كما في حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) 36.
ففي هذا الحديث دلالة أن حب المؤمن لقبيلة الأنصار شعبة من شعب الإيمان، وعلامة عليه، فلا يحبهم إلا مؤمن، وأن بغضهم وكرههم شعبة من شعب النفاق والكفر، فلا يبغضهم إلا منافق.
وعن البراء قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله) 37.
وليس المراد بالبغض في هذا الحديث البغض الناتج من العداء الشخصي لأفرادهم، وإنما المراد بغضهم بسبب الصفة التي مدحوا بها، وهي نصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة، وهي: كونهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر ذلك في تصديقه، فيصح أنه منافق 38.
وكذلك الحب يقال فيه مثل ما يقال في البغض.