فهرس الكتاب

الصفحة 2132 من 2431

ورابعها: إعداد المكان انتظارًا لوصول أبي عامر الراهب؛ وقد كان من مُتنصِّرة العرب، وقد كان يطمع أن يكون زعيمًا في قومه، فلما رأى نصر المسلمين فرَّ إلى المشركين وألبهم على المسلمين، فلما كانت وقعه أُحد حاول أن يستزل بعض الأنصار فقال: أنا أبو عامر. فقالوا: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق. فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شر. ثم قاتلهم قتالًا شديدًا ورماهم بالحجارة، وظل يقاتل المسلمين في كل حرب حتى يوم حنين فيئس. ثم انقطع وخرج إلى ملك الروم، فوعده بالجند فأرسل إلى قومه أن يبنوا معقلًا يقوم عليهم فيه، ومنَّاهم بجيش يقاتل فيه المسلمين، فبنوا المسجد وأعدوه قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، فكان هذا إرصادهم لمن حارب الله ورسوله من قبل.

عن عبد الله بن عباس قال: «وهم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدًا فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فلآتي بجند من الروم فأخرج محمدًا وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة فأنزل الله: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ? لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى? مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ? فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) 91.

ثم يبين القرآن أنهم سيحلفون: أنهم ما قصدوا بالبناء إلا أفضل شيء حسن، وهو التوسعة على المسلمين والمنفعة لهم، وتيسير أمر الصلاة على الضعفاء والعجزة وغيرهم إذا جاء السيل يقطع الطريق ويحول بين الناس وبين الصلاة، أو يكون مقصدهم بالحسنى الجنة؛ أي: ما أردنا بعملنا هذا إلا دخول الجنة، وهذا قول ظاهره الخير وباطنه الشر والسوء، فسجل القرآن عليهم كذبهم، وكشف باطنهم، وكذبهم في قولهم.

ولأن هذا المسجد لم يُبْن على أساس من الطاعة، فقد نهى الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصلي فيه؛ وذلك لأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم تعد تزكية للمكان ولأهله، ولربما ينخدع بذلك بعض الناس، وليس معنى ترك الصلاة فيه أن الصلاة ستتأخر عن وقتها، فها هو الأصل موجود؛ المسجد الذي تأسس على تقوى الله من أول يوم أقيمت فيه الصلاة بالمدينة، وظاهر سياق الآيات ومعرض الحديث أنه مسجد قباء، وعلى ذلك ابن عباس وعروة وقتادة وغيرهم، لكن ورد عن أبي سعيد الخدري قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله: ما المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض فقال:(هو مسجدكم هذا) لمسجد المدينة) 92.

وسياق القصة يشهد لمسجد قباء، لكن إذا صح الحديث فلا محيد عنه، وهو كما ترى صحيح، وقد ذهب جمع من العلماء إلى التوفيق، فقال السهيلي: «وليس بين الحديثين تعارض، وكلاهما أسس على التقوى» 93؛ فكلاهما مراد من الآية ولا مانع من ذلك؛ فقولك: لرجل صالح أحق أن تجالسه، فلا يقتصر على هذا الشخص فقط.

ثم مدح الله أهل هذا المسجد بأن فيه رجالًا يحبون أن يتطهروا، وقد ورد في بعض الروايات أن المقصود الطهارة الحسية، ولا شك أن الطهارة الحسية دليل على طهارة الباطن وسلامته، فهم يتطهرون من الآثام الحسية والمعنوية؛ لينالوا أعظم ما يفوز به مسلم وهو محبة الله.

ثم تأتي المقابلة بين من بنوا المسجدين وبين بناء المسجدين، والاستفهام للتقرير، والمعنى: أفمن ابتدأ أساس بنيانه على رضوان الله تعالى وابتغاء محبته وجنته خير أم من ابتدأ البنيان على أضعف قاعدة وأهزلها، فهي على حافة منهارة لا تثبت أمام أي نائبة؟ فلا بد أن تكون النتيجة هي الانهيار والبوار والخسار والعار والشنار، كالشجرة الخبيثة ليس لها على الأرض قرار. وهذا مثل عجيب يكشف وضع المنافقين المادي والمعنوي، فهم على أضعف حال.

وهل الآية على سبيل التمثيل لحال المنافقين؟ يحتمل، ولا مانع من إرادة المعنى الظاهر، فيكون الانهيار الذي أصاب بنيانهم الهزيل قد أدى به في النار، وفي ذلك روايات: قال جابر: لقد رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حيث انهار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم 94.

وبنحوه عن قتادة والسدي وسفيان والضحاك وغيرهم، وقد قام بعض أصحاب رسول الله بهدمه بعد نزول الأمر الإلهي، فصلى أهله فيه الجمعة والسبت والأحد فقط، وهُدم يوم الإثنين 95.

ثم تختتم الآية بسنة الله عز وجل مع أهل الظلم؛ فالله تعالى لا يوفقهم إلى خير ولا يرشدهم إلى طاعة؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بصنائعهم وما اقترفوه.

ويبقى وزر هؤلاء القوم ممتدًّا، وتظل معرَّة فعلهم لا تغادرهم، ولا يزال هذا البناء الذي بنوه ريبة في قلوبهم، أي: شكًّا 96 عند بنائه، لخوف انفضاح أمرهم، وشكًّا عند هدمه لظهور نفاقهم أمام الكل، وحزازة في نفوسهم بعد ذلك لن يخرجها إلا تقطع قلوبهم بالموت والهلاك، والله عليم بأحوالهم حكيم في صنعه بهم. وقيل: إلا أن تقطع قلوبهم بالتوبة، وعندئذ يقبلهم ربهم ويعفو عنهم؛ فهو العليم بأحوال عباده جميعًا.

إن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع لا محالة وانفصل، ومن فعل أمرًا بنية صالحة زكاه له ربه وبارك فيه، وأعلى قدر ما صنع، أما من عمل عملًا حتى وإن كان ظاهره عمل خير، لكن نيته فيه غير سليمة، فإن عمله سينقلب عليه ويبوء بإثمه ولا يبارك له فيه، وبناء مسجد الضرار ثم هدمه وتحريقه خير شاهد على ما نقول.

قال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ? وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) [الرعد:17] .

وفي الآيات إشارة إلى عدم تكثير سواد أهل الكفر والنفاق فلا تحضر مجالسهم ومنتدياتهم، حتى وإن كان ظاهرها الخير، فمن كثر سواد قوم فهو منهم، ولربما ينخدع بعض الناس بمعسول حديثهم فيكون من ذلك فتنة.

ومن فوائد القصة ما ذكره القرطبي: «كل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه» 97. ومنها: استحباب الصلاة في المساجد المؤسسة على الطاعة، المعمورة بأوتادها من أهل الخير والذكر والصلاح، وأن المسجد لا يمدح بأثاثه أو مفروشاته أو غير ذلك، وإنما يمدح بالرجال الذين يقيمون فيه ويتربون على هديه، وتتعلق قلوبهم وأرواحهم به، وتنطلق تصوراتهم وأفكارهم من خلال هديه ومنهجه.

خامسًا: محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم:

قال تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ? وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ? فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ? وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ? وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) [التوبة: 74] .

ذهب جمع من المفسرين 98 إلى أن الهمَّ الذي لم ينالوه هنا هو محاولتهم قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ورد في هذا روايات صحيحة منها ما رواه أحمد عن أبي الطفيل، قال: (لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر مناديًا فنادى: إن رسول الله أخذ العقبة، فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة ويسوق به عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، غشوا عمارا وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة:(قد، قد) حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل ورجع عمار، فقال: (ياعمار، هل عرفت القوم؟) فقال: قدعرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون، قال: (هل تدري ما أرادوا؟) قال: الله ورسوله أعلم، قال: (أرادوا أن ينفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيطرحوه) 99.

يتعمد المنافقون الحلف الكاذب؛ فيحلفون ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا وهموا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم وتلك جريمة شنيعة سجل القرآن عليهم وزرها وعارها إلى يوم الدين، والعجب العجاب أنهم بادلوا إحسان رسول عليهم بأشد ألوان الإساءة؛ فقد كانوا عالة فقراء لا يجدون مالًا فأغناهم الله بالغنائم وأغناهم رسوله من عطاياه لهم حتى صاروا من أهل اليسار فهل هذا هو ما ينقمون به على الإيمان؟!

أولًا: أنواع المخلفين:

لقد تعددت أسباب التخلف عن غزوة تبوك، واختلف الموقف مع كل حالة، وقد أجمل ابن كثير أنواع المخلفين في أربعة أنواع فقال: «كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام مأمورون مأجورون، كعلي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة وابن أم مكتوم. ومعذورون وهم الضعفاء والمرضى والمقلون، وهم البكاءون. وعصاة مذنبون، وهم الثلاثة، وأبو لبابة وأصحابه المذكورون. وآخرون ملومون مذمومون وهم المنافقون» 100.

أما النوع الأول فقد ورد في شأنهم أحاديث تبين أنهم تخلفوا بإذن سابق؛ ففي الصحيح: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك واستخلف عليا فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال:(ألا ترضى أن تكون مني في منزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي) 101.

وسنفصل القول في الأقسام الثلاثة الأخرى؛ لأنه قد ورد فيها عظات قرآنية.

قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى? وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ? مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ?91?وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ?92?) [التوبة: 91 - 92] .

وقد سبق التعرض للآية عند الحديث عن إنفاق الفقراء وبيان أنه لا حرج على المعوزين ولا لوم، ولا حرج كذلك على من «ملكوا قدر النفقة إلا أنهم لم يجدوا المركوب» 102.

فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا بأعينهم تفيض من الدمع حزنًا، وذلك لأجل أنهم لا يجدون ما ينفقون.

لقد أعطى الله من فضله ورسوله قوما من المعوزين فوجدوا حمولة تحملهم ومن هؤلاء الأشعريون الذين روى قصتهم أبو موسى حيث قال: (أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان لهم، إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك فقلت: يانبي الله، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال:(والله لا أحملكم على شيء) ووافقته، وهو غضبان ولا أشعر ورجعت حزينًا من منع النبي صلى الله عليه وسلم، ومن مخافة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه علي.

فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ألبث إلاسويعة، إذ سمعت بلالًا ينادي: أي عبدالله بن قيس، فأجبته، فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فلما أتيته قال: (خذ هذين القرينين، وهذين القرينين -لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد-، فانطلق بهن إلى أصحابك، فقل: إن الله، أو قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء فاركبوهن) . فانطلقت إليهم بهن، فقلت: إن النبي صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء) 103.

ولم تكف النفقة أقواما آخرين فعادوا باكين حزنين على فوات نصيبهم من الخير، ولشدة حزنهم وبكائهم عرفوا بهذا الاسم: (البكائين) في كتب التفسير والسير، وقد حفظت الكتب أسماءهم.

قال ابن إسحاق: «البكاؤون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلبةبن زيد، أخو بني حارثة، وأبوليلى عبدالرحمن بن كعب، أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن حمام بن الجموح، أخو بني سلمة، وعبدالله بن المغفل المزني-وبعض الناس يقول: بل هو عبدالله بن عمرو المزني- وهرمي بن عبدالله، أخو بني واقف، وعرباض بن سارية الفزاري» 104.

قال تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ?102? ھخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ? إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ?103?) [التوبة:102 - 103] .

هذا نوع آخر من الذين تخلفوا في هذه الغزوة، والآية معطوفة على (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ) [التوبة:101] .

فهم ليسوا منافقين، ولكنهم قوم مؤمنون استزلهم الشيطان فقعدوا عن الغزو فخلطوا بين العمل السيء وهو ترك الغزو، وبين العمل الصالح وهو التوبة والاعتذار والندم؛ فاعترافهم بالذنب ومعرفتهم قبحه أرجى لقبول التوبة، وهم إن شاء الله أهل لأن يتوب الله عليهم إنه هو الغفور الرحيم.

عن ابن عباس قال: (كانوا عشرة رهطٍ تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما حضر رجوع النبي صلى الله عليه وسلم، أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، فكان ممر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم. فلما رآهم قال:(من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسواري؟) قالوا: هذا أبولبابة وأصحابٌ له تخلفوا عنك يارسول الله، وحلفوا لايطلقهم أحد حتى تطلقهم وتعذرهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين!) فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا! فأنزل الله تبارك وتعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم) 105.

ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ من أمولهم صدقة تطهرهم من تكاسلهم وتزكي نفوسهم، وهذا علاج قرآني مستمر لكل من خلط بين عمل صالح وغيره، وباب التوبة مفتوح على مصراعيه في سورة التوبة.

قال تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ? رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ? قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ? وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى? عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(94) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ? فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ? إِنَّهُمْ رِجْسٌ ? وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ? فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى? عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) [التوبة:93 - 96] .

ذكرت الآيات السابقة حال القوم المؤمنين الذين لم يجدوا ما ينفقون فأنفقوا الدمع الهتون في سبيل الله، وأمثال هؤلاء معذورون لأنهم لم يجدوا فلا مؤاخذة عليهم، إنما المؤاخذة على الخلي المليء؛ إذ لا عذر له في الحقيقة، وإن اجتهد في تلمس كواذب الأعذار. فجاءت هذه الآيات لتقطع عذرهم، ولتحدث المقارنة بينهم وبين المؤمنين الصادقين.

ما من سبيل على الضعفاء وغير الواجدين؛ لأنهم بذلوا وسعهم ولم يقصروا، إنما المؤاخذة والمعاتبة والمعاقبة على أولئك الذين يستأذنون في ترك الجهاد وهم ذوو يسار، وليس بهم ما يحول دون الخروج.

ولعل سائلًا يسأل: ما الذي دفعهم إذًا إلى الجبن والنكول؟ فيكون الجواب: ما دفعهم إلى ذلك إلا دناءة نفوسهم، ورضاهم بالدون والمذلة، فسلكوا أنفسهم في مسلك العجزة والنساء والأطفال، وما كان ذلك إلا بسبب خذلان الله لهم، حيث طبع على قلوبهم فلم يعلموا عاقبة الجهاد وفائدته في الدين والدنيا، وتلك نتيجة حتمية للكسل وحسب السلامة والنوم الذي يعقبه اللوم.

ثم ينبئ الله نبيه بما سيصنع هؤلاء المنافقون إذا رجع المسلمون إليهم وفي ذلك إعجاز غيبي بذكر المستقبل وبكشف المخبوء من نفوسهم، فإنهم سيأتون ليعتذروا للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه، وذلك ليكونوا رأيًا عامًا يناصرهم ويغض الطرف عن فعلتهم الشنيعة، لكن الآيات تنبه القائد الأعظم صلى الله عليه وسلم الذي سيقول الكلمة الفصل في هذا الأمر وتقول له: قل لهم إن اعتذاركم كلا اعتذار، فلا تعتذروا، لأننا لن نصدقكم، لن نؤمن لكم، لن تنطلي علينا خديعتكم، فقد فضحكم الوحي، لقد أعلمنا الله علمًا مؤكدًا بما كان في نفوسكم من السوء والقبح، وسيرى ويعلم عملكم كله الآتي في المستقبل.

وفي هذا إمهال لهم وإغراء بالعودة والإنابة، وبعد ذلك ستعودون إليه، ويومها: سيجازيكم على كل عملكم، وقد عدل التعبير القرآني عن لفظ الجلالة إلى: (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم) لكي يعلموا أنه تعالى مطلع على خفيات نفوسهم وفي هذا تهديد لهم، والتنبئة يقصد بها نتيجتها وهي الجزاء على عملهم وجاءت بلفظ الإنباء لتوافق (قَدْ نَبَّأَنَا) وفيه إشارة إلى أنهم قد تخفى عليهم بعض أعمالهم لكنها لا تخفى على الخبير سبحانه.

وقد حدث ما أخبر القرآن؛ فقد أتوا يعتذرون.

ويروي كعب بن مالك في حديثه الماتع موقفهم فيقول: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله وصدقته حديثي، قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ? فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ? إِنَّهُمْ رِجْسٌ ? وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ? فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى? عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) 106.

ولم يكتف هؤلاء المنافقون بالأعذار المنحولة المفتراة وإنما بالغوا في تأكيدها بالحلف، وقد نبأ القرآن عن ذلك قبل أن يحلفوا، وسيكون حلفهم إذا رجع المسلمون إليهم، وهدفهم من الحلف أن يعرض المؤمنون عن إيذائهم وأن يغضوا الطرف عن فعلتهم.

فيجيء التوجيه القرآني للمؤمنين (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ) هم أرادوا إعراض الستر والإغضاء فأعرضوا إعراض البغض والازدراء، والمقت والبغضاء.

وهذا هو الذي يستحقونه؛ لأنهم رجس، فدعوا معاتبتهم؛ إذ المعاتبة لمن تريد أن تستبقي وده أما هؤلاء فلا، لن تطهرهم المعاتبة لأنهم نجس وقذر، فهذا تعليل الإعراض؛ يعني: أعرضوا لأنهم لا فائدة منهم، فقد تلبسوا بالنجاسة المعنوية حتى صارت علمًا عليهم وبالتالي فلن يكون لهم من مأوى إلا نار جهنم وفاقًا بما صنعوا، وقد يحتمل المعنى: أعرضوا عنهم ولا تقتربوا منهم لأنهم رجس إذ الطبع يعدي. والأول أوفق عندي.

وبعد أن حاولوا بحلفهم أن يعرض المؤمنون عنهم فإنهم يحاولون أن يرتقوا مرتقى أصعب ليرضى عنهم المؤمنون، فيحلفون جهد أيمانهم لإرضاء المؤمنين، فإن توهم متوهمهم أن المؤمنين سيرضون عنه فهل يدل هذا على رضا الله؟ كلا وحاشا.

وهناك صنف آخر من المنافقين وهم الأعراب، فقد جاؤوا يعتذرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [التوبة:90] .

ولفظ المعذرون يفيد أن عذرهم غير حقيقي.

قال الفراء: «وأماالمعذر على جهة المفعل فهو الذي يعتذر بغير عذر» 107.

فهؤلاء اعتذروا وقبل عذرهم، أما المنافقون فقد قعدوا ومنهم من لم يعتذر؛ قال أبوعمرو بن العلاء: «كلا الفريقين كان مسيئا: قوم تكلفوا عذرا بالباطل، وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ) وقوم تخلفوا عن غير تكلف عذر فقعدوا جرأة على الله تعالى، وهم المنافقون فأوعدهم الله بقوله: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) 108.

وهذا الوعيد للكفار من كلا الصنفين: المعتذرين والقاعدين.

ولأن سورة التوبة من أواخر السور نزولا فقد بينت مراتب وطبقات المجتمع ومنها طبقة أولئك الأعراب الذين يقيمون في البوادي، فتورثهم هذه الإقامة غلظة في الطباع، إنهم أشد كفرًا ونفاقًا من أهل الحضر في القرى والأمصار، وكانوا أخلق الناس وأولاهم بقلة المعرفة لحدود الله، ومن جنس هؤلاء الأعراب فريق آخر، يرون نفقتهم في الواجبات والمندوبات مغرمًا ثقيلًا ملازمًا لهم لا يستطيعون الفكاك منه، فهم ينفقون ولا يرجون لنفقتهم ثوابًا ولا يخشون بها عقابًا؛ لأنهم مكرهون عليها ولذا فهم يتربصون إصابة المسلمين بمكروه وسوء حتى لا يؤدوا المال.

وتعود الآيات مرة أخرى للحديث عن منافقي المدينة وما حولها بعد الحديث عن منافقي البادية، وذلك ليحذر المؤمنون منهم، فتبين الآيات أن في المدينة منافقين وكذا حولها من أهل الأعراب الذين أسلموا، ومنهم من مرد على النفاق، أي: توطن عليه وصار النفاق لهم سجية وخلقًا وطبعًا حتى لان لهم، وأسروه عن أعين الناس لمهارتهم في التخفي، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الفطن اللبيب ليخفى عليه حال هؤلاء القوم لكن الله عز وجل يعلمهم وسيعذبهم.

ثانيًا: قصة الثلاثة الذين خلفوا:

قال تعالى: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة:106] .

وقال سبحانه: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى? إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ? إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [التوبة:118] .

نزلت هاتان الآيتان في حديث الثلاثة الذين خلفوا، أما أولاهما فليست صريحة الدلالة عليهم إلا أن جمهور المفسرين على نزولها في شأنهم، وأما الثانية فهي نصٌ واضح فيهم.

قوله تعالى: (اخرون مرجون) المعنى: وآخرون من المتخلفين مرجون أي: مؤخرون وهي من الإرجاء أي التأخير ومنه: (أَرْجِهْ وَأَخَاهُ) [الأعراف:111] .

أي: أخرهما حتى ننظر في أمرهما. وقد قرئت بالهمزة والتسهيل 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت