فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 2431

وأهم من هذا كله، أو القاعدة لهذا كله، الالتجاء إلى الله وحده حين تهتز الأَسْنَادُ كلها، وتتوارى الأوهام وهي شتى، ويخلو القلب إلى الله وحده، لا يجد سندًا إلا سنده، وفي هذه اللحظة فقط تنجلي الغشاوات، وتتفتح البصيرة، وينجلي الأفق على مد البصر، لا شيء إلا الله، لا قوة إلا قوته، لا حول إلا حوله، لا إرادة إلا إرادته، لا ملجأ إلا إليه، وعندئذ تلتقي الروح بالحقيقة الواحدة التي يقوم عليها تصور صحيح» 64.

ثانيًا: التخفيف والتيسير في الأحكام الشرعية:

ذكر القرآن الكريم أن الأمراض البدنية سبب من أسباب التخفيف والتيسير في الأحكام الشرعية.

قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184] ، وقال سبحانه: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة:196] ، وقوله جل وعلا: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] .

بينت الآيات أن الفطر مباح للمريض؛ لعذر المرض، والمسافر؛ طلبا لحفظ صحته وقوته؛ لئلا يذهبه الصوم في السفر، لاجتماع شدة الحركة وما يوجبه من التحليل وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل، فتخور القوة وتضعف، فأباح للمسافر الفطر حفظا لصحته وقوته عما يضعفها، وللمريض حالتان: إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة، وإن كان يطيقه مع تضرر ومشقة كان رخصة، وبهذا قال الجمهور، وأباح للمريض ومن به أذى من رأسه من قمل أو حكة أو غيرهما، أن يحلق رأسه في الإحرام 65.

والسفر المبيح للإفطار عند الجمهور: هو مسافة قصر الصلاة الرباعية، وقدره ستة عشر فرسخًا أو ثمانية وأربعون ميلًا هاشمية، أو مسيرة يومين معتدلين أو مرحلتين بسير الأثقال ودبيب الأقدام، والبحر كالبر، وقدروها بحوالي (89) كم، وعند الحنفية: هو قدر ثلاث مراحل أو أربع وعشرين فرسخًا، أو مسيرة ثلاثة أيام سيرًا وسطًا، وهو سير الإبل، والأقدام في البر، وسير السفن الشراعية في البحر، ويكتفون بسير معظم اليوم، وقدروه ب (96) كم.

والحق أن ما صدق عليه مسمى السفر فهو الذي يباح عنده الفطر، وهكذا ما صدق عليه مسمى المرض فهو الذي يباح عنده الإفطار، وقد وقع الإجماع على الفطر في سفر الطاعة واختلفوا في الأسفار المباحة- والحق أن الرخصة ثابتة فيها- وكذا اختلفوا في سفر المعصية وليس في الآية أعني قوله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ما يدل على وجوب التتابع في القضاء 66.

وقوله سبحانه: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} المراد مرض يقتضي الحلق سواء كان المرض بالجسد أم بالرأس، وقوله جل وعلا: {أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} كناية عن الوسخ الشديد والقمل؛ لكراهية التصريح بالقمل، وكلمة (من) للابتداء، أي: أذى ناشئ عن رأسه، وقد بينت السنة ما أطلق هنا من الصيام والصدقة والنسك.

فعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: (كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال:(ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة) ؟ قلت: لا. فنزلت الآية: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قال: (هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعامًا لكل مسكين) 6768.

سيشتمل هذا العنوان على حكمة إسناد الشفاء إلى الله تعالى، وأدوية قرآنية، وذلك خلال ما يلي:

أولًا: حكمة إسناد الشفاء إلى الله تعالى:

أسند الشفاء إلى الله تعالى في قوله سبحانه: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) } [الشعراء:80] لسببين هما:

الأول: لو جاء والذي يطعمني ويسقين، وإذا مرضت يشفين؛ لكان معلومًا أن مراده الله تعالى، وذكر «هو» توكيدًا لمعنى الكلام، وتخصيص الفعل به دون غيره، واحتاج ذكر الإطعام والشفاء إلى هذا التوكيد؛ لأنهما مما يدعي الخلق فعله، فيقال: فلان يطعم فلانًا، والطبيب يداوي، ويسبب الشفاء، فكانت إضافة هذين الفعلين إلى الله تعالى محتاجة إلى لفظ التوكيد؛ لما يتوهم من إضافته إلى المخلوق إلى ما لا يحتاج إليه 69.

الثاني: لأنه كان في معرض الثناء على الله تعالى وتعديد نعمه، فأضاف إليه الخير المحض حفظًا للأدب وإن كان الكل مضافً إليه، ونظيره قول الخضر عليه الصلاة والسلام: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف:79] وقوله: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} [الكهف:82] 70.

ثانيًا: أدوية قرآنية:

إن القرآن الكريم شفاء ورحمة.

قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ? وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) [الإسراء:82] .

أي: يستشفى به من الجهل والضلالة، ويذهب ما في القلوب من الأمراض من الشك والنفاق والشرك والزيغ والميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضًا رحمة يحصل فيها الإيمان، والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدًا وكفرًا، والآفة من الكافر لا من القرآن، والشفاء: أن تعالج داءً موجودًا لتبرأ منه، والرحمة: أن تتخذ من أسباب الوقاية ما يضمن لك عدم معاودة المرض مرة أخرى، فالرحمة وقاية، والشفاء علاج، وما دام القرآن كذلك فمن عمل بمنهجه فإنه يقيه كل أمراض النفاق والشبهات والأهواء التي تصيب القلوب، وفيه الثواب العظيم من الله تعالى، الثواب الخالد في نعيم دائم 71.

وقوله تعالى: (ھ ے ے وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) لأنهم كلما سمعوا آية منه ازدادوا بعدًا عن الإيمان وازدادوا كفرا بالله؛ لأنه قد طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، كما قال سبحانه: (? قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ? وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ? أُولَ?ئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) [فصلت:44] .

وقال جل وعلا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) [يونس:57] .

أي: دواء للقلوب من أمراضها التي هي أشد من أمراض الأبدان، كالشك والنفاق والحسد والحقد وأمثال ذلك، بتعليم الحقائق والحكم الموجبة لليقين، والتصفية والتهيء لتجليات الصفات الحقة (ڑوَهُدًى) لأرواحكم إلى الشهود الذاتي (وَرَحْمَةٌ) بإفاضة الكمالات اللائقة بكل مقام من المقامات الثلاثة بعد حصول الاستعداد في مقام النفس بالموعظة، ومقام القلب بالتصفية، ومقام الروح بالهداية للمؤمنين بالتصديق أولًا، ثم باليقين ثانيًا، ثم بالعيان ثالثًا.

وذكر بعضهم الموعظة للمريدين، والشفاء للمحبين، والهدى للعارفين، والرحمة للمستأنسين، والكل مؤمنون إلا أن مراتب الإيمان متفاوتة، والخطاب في الآية لهم، وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر، ويقال: إنه سبحانه بدأ بالموعظة لمريض حبه؛ لأنها معجون لإسهال شهواته، فإذا تطهر عن ذلك يسقيه شراب ألطافه، فيكون ذلك شفاء له مما به، فإذا شفي يغذيه بهدايته إلى نفسه، فإذا كمل بصحبته يطهره بمياه رحمته من وسخ المرض ودرن الامتحان.

ووصف الله تعالى القرآن بأنه شفاء ولم يصفه بأنه دواء؛ لأن الشفاء هو ثمرة الدواء والهدف منه، أما الدواء فقد يفيد وقد يضر فكان وصف القرآن بأنه شفاء تأكيد، وأي تأكيد لثمرة التداوي به 72.

وجاء من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها) 73.

قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الإسراء:82] .

«وفي القرآن شفاء، وفي القرآن رحمة، لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، فأشرقت وتفتحت لتلقي ما في القرآن من روح وطمأنينة وأمان، في القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة، فهو يصل القلب بالله، فيسكن ويطمئن ويستشعر الحماية والأمن ويرضى، فيستروح الرضا من الله والرضا عن الحياة، والقلق مرض، والحيرة نصب، والوسوسة داء، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.

وفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان، وهي من آفات القلب تصيبه بالمرض والضعف والتعب، وتدفع به إلى التحطم والبلى والانهيار، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.

وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير، فهو يعصم العقل من الشطط، ويطلق له الحرية في مجالاته المثمرة، ويكفه عن إنفاق طاقته فيما لا يجدي، ويأخذه بمنهج سليم مضبوط، يجعل نشاطه منتجًا ومأمونًا، ويعصمه من الشطط والزلل.

وكذلك هو في عالم الجسد ينفق طاقاته في اعتدال بلا كبت ولا شطط، فيحفظه سليمًا معافى، ويدخر طاقاته للإنتاج المثمر، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين، وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء الجماعات، وتذهب بسلامتها وأمنها وطمأنينتها، فتعيش الجماعة في ظل نظامه الاجتماعي وعدالته الشاملة في سلامة وأمن وطمأنينة، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين 74.

ذكر القرآن الكريم الدواء في العسل، قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) } [النحل:68 - 69] .

بينت الآية أن العسل فيه شفاء للناس؛ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة، وقل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل، وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض، كما أن كل دواء كذلك، وتنكيره إما لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه: (أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال:(اسقه عسلًا) ثم أتى الثانية، فقال: (اسقه عسلًا) ثم أتاه الثالثة فقال: (اسقه عسلًا) ثم أتاه فقال: قد فعلت؟ فقال: (صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا) فسقاه فبرأ 75 76.

لم يقتصر سوء خلق المنافقين على أنفسهم وتكوينهم القبيح، وإنما تعدى ضررهم وقبح أخلاقهم إلى المجتمع، بقصد هدم بنيته وتقويض وجوده من طريق ترويج الرذيلة والمنكر، ومحاربة الفضيلة والمعروف.

قال الله تعالى مبينًا تحركات المنافقين في هدم القيم الإنسانية: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69) } [التوبة:67 - 69] .

ومطلع الآيات إخبار وحكم من الله تعالى بأن المنافقين والمنافقات بعضهم يشبه بعضًا في الحكم والمنزلة من الكفر، وفي صفة النفاق والبعد عن الإيمان، وفي الأخلاق والأعمال، فهم سلالة خبيثة يأمرون بهدم قيم المجتمع، يأمرون الناس بالمنكر: وهو ما أنكره الشرع ونهى عنه، واستقبحه العقل السليم والعرف الصحيح، كالكذب والخيانة ونقض العهد وخلف الوعد.

وينهون الناس عن المعروف: وهو كل ما أمر به الشرع وأقره العقل والطبع السليمان كالجهاد وبذل المال في سبيل الله، وأهل النفاق أيضا قوم بخلاء، يقبضون أيديهم عن الإنفاق لمصلحة عامة أو عن الجهاد، وعن كل ما يرضي الله، ونسوا ذكر الله، وأغفلوا تكاليف الشرع، مما أمر الله به ونهى عنه، فنسيهم الله، أي: جازاهم بمثل فعلهم، وعاملهم معاملة المنسيين، بحرمانهم من لطفه ورحمته، والنفاق أقتل داء يصيب المجتمع الإنساني، فإذا تفشى هذا الداء الخبيث في جماعة من الجماعات فسد وجودها، وضل سعيها، وغشيتها أمواج الفتن، واشتملت عليها عواصف العداوة والبغضاء!

وماذا يرجى من جماعة تتعامل فيما بينها بالرياء والنفاق، فيضيع في محيطها المفهوم الحقيقي للغة، وتصبح الكلمات لديها عملة زائفة، يتداولها الناس كما يتداولون الأشياء المسروقة؟

وواجب الفرد المسلم تجاه كل هذا أن يتحمل مسؤوليته بالعمل على إصلاح المجتمع، وإزالة الفساد منه على قدر طاقته ووسعه مصداقًا لقوله سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) } [التوبة:71 - 72] .

المؤمنون نقيض المنافقين يأمرون بالمعروف الذي أقره الشرع، وهو عبادة الله وتوحيده وتوابع ذلك، لا بالمنكر الذي نهى عنه الشرع، وينهون عن المنكر الذي يفسد ويضر، ويمزق ويفرق بين الأخ وأخيه، وهو عبادة الأوثان وتوابعها، ويقيمون الصلوات الخمس المفروضة على الوجه الأكمل بقلوب خاشعة، وعقول واعية، وأفئدة ذاكرة، ويؤتون الزكاة الواجبة مع التطوع بالصدقات والنوافل لتحسين أوضاع المجتمع وترقية أحواله، ويطيعون الله ورسوله في جميع المأمورات والمندوبات.

أولئك الموصوفون بهذه الصفات الجليلة، ستغمرهم رحمة الله وفضله في الدنيا والآخرة، والتعبير بالسين في قوله تعالى: {سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} ، إعداد النفوس للتهيؤ والتنعم برجاء الله والثقة بوعده وفضله، ووعد الله ناجز، والله متكفل بإنجازه، والله قوي لا يغلب، ولا يمتنع عليه شيء من وعد ولا وعيد، حكيم يضع الأمور في موضعها المناسب على وفق العدل والحكمة والصواب 77.

إن المنافقين قوم برزوا في إظهار مرض القلب الذي ينشأ عنه كل إثم وفسوق وعصيان، وخاصة تتبع النساء والتعرض لهن بالسوء، وإغرائهن على الفاحشة، وفيهم قوم برزوا في الإرجاف وإذاعة السوء، وإذاعة الأكاذيب التي تفت في عضد الجماعة، وتقتل فيهم روح الإقدام، وكانوا ينتهزون فرص الحرب والقتال، فيذيعون كل ضار ومفسد 78.

وقوله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) } [الأحزاب:60] .

فكل وصف من هذه الأوصاف خطر على المجتمع الإسلامي، سواء إبطان الكفر، أو الفسوق والعصيان وتتبع النساء للاطلاع على عوراتهن، والإساءة لهن بالقول القبيح والفعل الشنيع، أو إشاعة الأكاذيب المغرضة التي تنشر القلق والخوف والاضطراب، وتضعف من معنويات الجماعة، مما يسهل هزيمتهم، وانتصار الأعداء عليهم 79.

ويلاحظ أيضًا أن الأوصاف الثلاثة: وهي النفاق، ومرض القلب، والإرجاف موجودة كلها في المنافقين، وهم خطر على الأمة في عقيدتها، وفي سلمها وحربها، فهم كالسوس ينخر في جسم الأمة، وهم في السلم جرثومة فتك وأداة تخريب وتفريق، وفي الحرب أداة إضعاف وإشاعة السوء، وزعزعة المقاتلين، وهم في الواقع عون للأعداء على المسلمين، مما يجب التخلص منهم، وعقابهم أشد العقاب.

قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) } [النساء 145] 80.

موضوعات ذات صلة:

الضعف، النفاق، الوهن

1 انظر: الصحاح، الجوهري 3/ 1106، لسان العرب، ابن منظور 7/ 232، تاج العروس، الزبيدي 19/ 53.

2 مقاييس اللغة 5/ 311.

3 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 765، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 4/ 493.

4 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 664، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الميم ص 1209.

5 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 415، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 4/ 492 - 493، نزهة الأعين النواظر، ص 545 - 546، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 4/ 84 - 85.

6 انظر: لسان العرب، ابن منظور 15/ 39، تاج العروس، الزبيدي 39/ 10.

7 انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 238.

8 انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 30/ 17.

9 انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 332، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الفيومي 2/ 646.

10 انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 334، تاج العروس، الزبيدي 1/ 478.

11 انظر: تاج العروس، الزبيدي 6/ 528، معجم لغة الفقهاء، رواس ص 271.

12 انظر: التعريفات، الجرجاني ص 132، مقاليد العلوم، السيوطي ص 175.

13 انظر: تاج العروس، الزبيدي 19/ 54.

14 انظر: لسان العرب، ابن منظور 15/ 72، تاج العروس، الزبيدي 39/ 73.

15 انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 612.

16 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 109.

17 انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 167، لسان العرب، ابن منظور 14/ 436، تاج العروس، الزبيدي 38/ 382.

18 انظر: المفردات، الراغب ص 459، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 3/ 330، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 205.

19 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 1/ 92، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 1/ 197، إيجاز البيان عن معاني القرآن، النيسابوري 1/ 395.

20 انظر: نظم الدرر، البقاعي 9/ 52.

21 انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ابن القيم 1/ 14، القواعد الحسان لتفسير القرآن، السعدي ص 94.

22 انظر: المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص 190.

23 انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي 3/ 118.

24 انظر: تفسير العز بن عبد السلام 2/ 573، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 663.

25 انظر: التفسير الوسيط، الواحدي 3/ 469، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 663، بيان المعاني، العاني 5/ 474.

26 أخرجه البخاري معلقا، كتاب التيمم، باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت، أو خاف العطش، تيمم، 1/ 77، ووصله عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه، رقم 878، 1/ 226، وأحمد في مسنده، رقم 17812، 29/ 346.

قال الزيلعي في نصب الراية 1/ 157: والحاصل أن الحديث حسن أو صحيح.

وصححه الألباني في صحيح أبي داود، الأم 2/ 154.

27 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 10/ 88، تفسير المراغي 6/ 64.

28 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 313، نيل المرام من تفسير آيات الأحكام، صديق خان ص 176، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 180، التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 3/ 800، تفسير آيات الأحكام، السايس ص 293.

29 انظر: تفسير ابن عرفة 2/ 534، محاسن التأويل، القاسمي 5/ 43.

30 انظر: زاد المعاد، ابن القيم 4/ 6، محاسن التأويل، القاسمي 5/ 43.

31 انظر: تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص 199، أحكام القرآن، الجصاص 3/ 432، تفسير آيات الأحكام، السايس ص 616.

32 المعجزة الكبرى القرآن ص 328.

33 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 12/ 375، محاسن التأويل، القاسمي 4/ 163، المنار، محمد رشيد رضا 6/ 356.

34 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 12/ 375، محاسن التأويل، القاسمي 4/ 163، المنار، محمد رشيد رضا 6/ 356.

35 انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي 4/ 13.

36 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 15/ 493، لباب التأويل، الخازن 2/ 319، التحرير والتنوير، ابن عاشور 10/ 38.

37 في ظلال القرآن 3/ 1532.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت